الاثنين، 20 يونيو، 2011

يومٌ هام.. له ما بعده




أيمن عودة
لا يمكننا أن نقلّل بما تفعله قيادة الجماهير العربية اليوم، فبعد مرور ثماني سنوات على هبّة القدس والأقصى تُقَدّم عريضة ربع المليون توقيع، للمطالبة بمحاكمة القتلة السياسيّين والبوليسيين في أكتوبر 2000. وهذا النضال لم يتوقّف عند رفض التعامل مع "لجنة الفحص" والإصرار على إقامة لجنة تحقيق رسمية ومتابعة عمل اللجنة والنضال من أجل تحقيق توصياتها المدنية وتوصياتها بخصوص القتلة المباشرين، ورفض التعامل مع "لجنة لبيد" والنضال ضد قرار "ماحش" المهين بإغلاق الملفات والإضراب عن الطعام وفرض فتح الملفّات مجددًا، وبعد أن أُغلقت، ثانيةً، تمّ جمع ربع مليون توقيع، عدًا وإسمًا وتوقيعًا، على العريضة الكبرى في تاريخ البلاد.

التعويل على التدويل

عندما كان يصدر قرارًا من الأمم المتّحدة في أيّام الخمسينيّات، حيث الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية "على ظهور خيولها" وقبل نشوء محورَيْ "الاعتدال والتطرّف" في العالمين العربي والإسلامي وقبل "الحياد السلبي" لدولة "عدم الانحياز" كان بن غوريون، رئيس الحكومة الإسرائيلي الأكثر حضورًا وتأثيرًا حتى يومنا، يقف على منبر الكنيست معلقًا على قرار الأمم المتحدة المندّد بعمليّة إسرائيلية بـ"או"ם שמום" ( أي أمم متحدة مملّة وضحلة) ويكرّر مقولته: "ليس المهم ما يقوله الأغيار، المهم ما يفعله اليهود" وعندما وضع موشيه شاريت وزنًا لقرار الأمم المتحدة القاضي بإقامة دولة يهودية أجابه بن غوريون باستخفاف: "فقط جسارة اليهود أقامت الدولة وليس قرار "أوم- شموم".
وبعد عملية "السور الواقي" في العام 2002 التي أدّت إلى مقتل المئات (وليس ثلاثة عشر قبل ثماني سنوات) وهدم نصف مخيّم جنين أُقيمت لجنة تحقيق رأينا نتائجها في حصار غزّة! أما في العراق الذي ينزف سنويًا مئات القتلى فلم تقم لجنة تحقيق دوليّة، وأكاد أقول أن لجنة التحقيق الأكثر جديّة التي أُقيمت كانت على خلفيّة مقتل الرئيس الحريري وكانت تهدف، أمريكيًا، إلى محاصرة سوريا وحتى هذه أخفقت، وفي بلادنا توجد تجربة لا تقلّ إجرامًا عن هبّة القدس والأقصى وهي مقتل 49 مواطنًا عربيًا عائدين من عملهم إلى بلدتهم كفر قاسم وبهدف تهجير منطقة المثلث كلّها. وفي وضع دولي أفضل من اليوم بكثير بعث النائب توفيق طوبي رسالة إلى كلّ الهيئات الدوليّة، ولم يؤثّر، فعليًا، على الرأي العام الإسرائيلي ووسائل الإعلام إلا نضالنا هنا ضد سياسة المجزرة، لذا فليس من الحكمة الإفراط في التعويل على التدويل.
وما قلته أعلاه لا ينفي أهميّة العمل ضمن الهيئات الدوليّة، خاصّة أن إسرائيل تأسّست من رحم "العلاقات الدوليّة" وهي تعيش على امتيازات لا ينالها سواها، ممّا يجعلها تفقد أعصابها عند كل توجّه دولي، ولكنّ المعركة الأساسيّة، تبقى هنا، وهي ليست معركة "جمعيّات" قد تبني استراتيجيّة دولية بناء على توجّهات صندوق أجنبي وقد تفيد عينيًا ومهنيًا ولكنّها، بالأساس، معركة أحزاب تستطيع أن تجنّد الجماهير، لذا فالمطلب بـ"إقامة لجنة تحقيق حياديّة بمشاركة مختصين دوليّين" بدأ وسيستمر كمطلب مئات ألوف الجماهير، وإعادة المعركة إلى الملعب الإسرائيلي حيث لا يحكّ ظهرك مثل ظفرك وحيث لا يحرث الأرض إلا عجولها. 
ومن هنا، كان مطلبا واقعيًا حين لم نطالب بـ"لجنة تحقيق دوليّة" وإنّما "حياديّة" تجري هنا وبمشاركة من قبل حكومة إسرائيل ومن قبل لجنة المتابعة وبمشاركة مختصّين دوليّين، تمامًا كاللجنة التي أُقيمت في ديربي الإيرلاندية لبحث جريمة "الأحد الدامي" هناك.

وليس جديًا القول إنّنا لا نريد مشاركة حكومة إسرائيل، فبدون هذه المشاركة لسنا بحاجة لأي توقيع ولا لأي نضال، ويكفي أن تجلس لجنة المتابعة وتتفق مركّباتها على أسماء القضاة وتعقد محاكم لا يحضرها متّهمون من قبل المؤّسسة ولا شهود وتُتّخذ قرارات لا قدرة ولا صلاحيّة على تنفيذها. نحن نريد فرض مشاركة حكومة إسرائيل وتحمّلها المسؤوليّة، سياسيًا وقانونيًا، وفرض القرارات سياسيًا وجنائيًا في نهاية الأمر.
وفي الوقت ذاته هذه فرصة للمطالبة بتنفيذ قرار لجنة المتابعة بخصوص إقامة "محكمة شعبية" لها وزنٌ أخلاقيّ، وتساهم بقوّة، إلى جانب العريضة وسائر الضغوطات، من أجل إقامة لجنة تحقيق حيادية بمشاركة مختصّين دوليّين.
* * *

في جدوى نضالنا بين غفرانيْن

قبل سنة التقينا، وفدًا من الجبهة، رئيس الحكومة إيهود أولمرت، وقال لنا أنّه على قناعة أن سبب عدم تقديم لوائح إتهام هو أن القتلى عرب وليس يهودَ" فقلنا له: سننشر هذا الكلام، فأجاب حرفيًا: "إذا نشرتوه سأنكر أنّي قلته"! وفي اليوم التالي كتبت صحيفة "هآرتس" بالبنط العريض: "أولمرت يعترف أنه لو كان قتلى أكتوبر 2000 من اليهود لقُدّمت ضدّ قاتليهم لوائح إتّهام" وفي العنوان الفرعي جاء: "أولمرت ينفي".

اللقاء مع أولمرت يؤكّد قناعة التيار المركزي الإسرائيلي بعدالة مطلبنا، ولكنّه يرفض الموافقة عليه خشية من فضح الأوامر التي وُجّهت من النوافذ العُليا، وكلّنا يذكر كيف هدّد قائد منطقة مسغاف "جاي رايف" أنّ أي تحقيق إضافي معه سيجعله يسرد كلّ شيء عن القرارات التي تلقّاها! تصريح كهذا يحدث زلزالا في دولة طبيعيّة ولكن في إسرائيل انكفؤا على أنفسهم ولم يحقّقوا معه ثانيةً، هذا ما حصل بالضبط.

لا شكّ أن نضالنا بعد جريمة أكتوبر 2000 أكثر جديّة وتأثيرًا من متابعتنا لجريمتيْ كفر قاسم ويومي الأرض حيث إنتهى الأوّل بـ"عشاء صلحة" مهين قبل أن تجفّ دماء الضحايا وبقي الحزب الشيوعي لوحده يقود إحياء الذكرى حتى تحوّلت إلى مسيرة محليّة يكاد يشارك فيها عشرة أشخاص من خارج القرية ومطالبة غير مثابرة للاعتراف رسميًا بالجريمة، ويوم الأرض تحوّل إلى رافعة حقيقيّة للنضال الجماهيري العام ولكن مسألة الاعتراف بالجريمة بقيت مطلبًا مكتوبًا على الورق وغير مثابرٍ.

"لا ينتطح عنزان" على أنّ الشرطة تتعامل مع المواطنين العرب بشكلٍ عدائي حتى اليوم، فحتّى "لجنة أور" كتبت هذا الأمر، وهذا ما حدث في عكّا بالأيّام الثلاثة الأخيرة، فهي ما زالت تتعامل مع المتظاهرين اليهود بـ"كفوف الراحة"، ولكن يُلاحظ أن أحداث يوم القدس والأقصى كانت ماثلة أمام الجميع في أحداث عكا، ومنهم الشرطة، فالتصريح الاستباقي للمفتش العام للشرطة دودي كوهن بأن الشرطة لن تستخدم الرصاص الحيّ، وكذلك بيان احد نوّاب الكنيست العرب بأنه لن يُسمح بتكرار عدوان هبّة القدس والأقصى يدلان على هذه الأجواء، ومن هنا، ورغم التحيّز الشرطوي الذي لن نتخلّص منه خلال فترة وجيزة، إلا أنّنا لا نستطيع أن نقول أنه يُطبّق تمامًا مثل في أكتوبر 2000 وقبلها كأحداث أم السحالي أو الروحة (1998) أو هدم البيت في اللد ونضال السلطات المحليّة (1999) أو مظاهر الهوائيات في عسفيا (آذار 2000) ويوم الأرض (آذار 2000) ومظاهرات الطلاب (نيسان 2000) ويوم "الاستقلال" في شفاعمرو (أيّار 2000) والنضال ضدّ الكسارات في نتسيريت عيليت (أيلول 2000) وصولا إلى أكتوبر 2000 وفي تمّ قمع كل هذه المظاهرات  بالنار رغم أن بعضها تميّز بالطابع الاجتماعي والاقتصادي وليس القومي حصرًا، وكان أقلّ حساسيّة قومية من أحداث عكا.
 هذا التشخيص لعداء الشرطة في عكّا لا يجعلنا نقلّل من تحيّز الشرطة وقمعها للمواطنين العرب في عكّا، ولكن لا يجعلنا، أيضًا، نقلّل من نضالنا حتى أخذت الشرطة تتحسّب من إطلاق النار بعد أكتوبر 2000، فربّما كان نضالنا خلال السنوات الأخيرة قد منع سقوط شهيدٍ في عكّا، ربّما!

ومع ذلك فالشرطة لم تتغيّر بنويًا، ولا شيء يضمن عدم استعمالها الرصاص الحيّ، وهي التي قتلت عدّة مواطنين عرب في أحداث مختلفة، بعضها جنائيّة، وهي التي تتحرّك سريعًا عندما تكون الأحداث على "خلفيّة قومية" خلافًا لتريّثها في المغار والبقيعة، ومع هذا يجب عدم اليأس من النضال الذي يفرض أهدافه تراكميًا في الفرق بين تعامل الشرطة في غفران 2008 في عكا وغفران 2000 في "نتسيريت عيليت" حيث استشهد عمر عكّاوي ووسام يزبك.

إن تسليم عريضة الربع مليون اليوم هي خطوة هامّة من أجل احترامنا لذاتنا وفرض التعامل معنا باحترام، يجب أن نمضي في مسيرتنا العادلة بمثابرة حتى الاعتراف بالجريمة والعمل على تصحيح الغُبن، وإن كان لن ينقص من قائمة الشهداء واحدٌ، ولكن كي لا يزيد عليها ضحية جديدة، نريد الحياة للأجيال القادمة بعزّة وكرامة. 

الصورة :" جمع التواقيع على عريضة الربع مليون في ثانوية قرية نحف"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق