الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

خياران لا ثالث لهما! بــيـــن صـــوتـــنــــــا وســـوطــهــــم ؟!


السبت 10/12/2005


ينقسم المواطنون العرب الذين لا يصوّتون للكنيست إلى قسمين، الأوّل هو الذي يقاطع الانتخابات مبدئيًا والثاني هو الأكثر عدديًا فلا يصوّت نتيجة التقاعس بدون إلغاء الخلفيات السياسية والاجتماعيّة لهذا التقاعس أو التيئيس جرّاء الوعود العرقوبيّة واستمرار سياسة القهر القومي والإقصاء السياسي في مختلف مناحي الحياة، ومع ذلك فقد بقيت الأغلبيّة الساحقة من المواطنين العرب تصرّ على التأثير وتنتخب أطرها الوطنيّة، ومع ذلك فقد شهد الانتخابات الأخيرة (التصويت لرئاسة الحكومة 2001 (بشكل منظّم) وللكنيست (بشكل تلقائي) تراجعًا حادًا في توجّه المواطنين العرب لصناديق الاقتراع بشكل أدى استفادة اليمين الإسرائيلي وتراجع الجبهة والأحزاب العربيّة.

أنريد أن تكون الدولة يهوديّة ولليهود فقط؟!

إن الأقليّة القوميّة التي تناضل من أجل انتزاع الحق تلو الآخر لا يمكن أن تتخلّى طوعًا عن أحد أهم حقوقها السياسيّة التي طالما حاولت المؤسسة الحاكمة الانتقاص منه منذ "الهويّات الحمراء" إلى شطب "حركة الأرض" إلى محاولات الترانسفير السياسي التي ما هدأت منذ "مرحلة أوسلو" وتأثيرنا الهام في انتخاب رئيس الحكومة بالتصويت المباشر، وبلغت ذروة إضافيّة بعد أكتوبر 2000 ومحاولة شطب الجبهة الديمقراطيّة والعربيّة للتغيير والتجمّع.
وعدا هذه المحاولات المباشرة فقد عمدت الأحزاب الحاكمة على إقصاء ممثلي الجماهير العربيّة والقوى الديمقراطيّة اليهوديّة بشكلٍ منهجي عبر تجاهل مطالبهم والتحريض عليهم وخلق حالة تيئيس من جدوى العمل البرلماني.
 البرلمان هو أعلى منصّة في الدولة ونوّابه يعبّرون عن مواقفهم من على منبر الكنيست، وفي وسائل الإعلام المختلفة وبذلك يجعلون صوتنا جزءًا من الخطاب السياسي العام وليس غريبًا عنه أو مفاجئًا وتاليًا مستفزًا عند سماعه، ومن هُنا تخلق حركيّة (ديناميكا) للتغيير! كما أن كل صوت يحقّق لصالح ممثّلي الأقليّة القوميّة والقوى الديمقراطيّة يُقتنص من القوى الصهيونيّة على اختلافها، وكذلك فالإمكانيّات المتاحة لأعضاء الكنيست من الحصانة إلى الأدوات البرلمانيّة كالاستجوابات والاقتراحات لجدول الأعمال واقتراحات القوانين ولقاء ممثلّي الحكومة بشكل يومي من خلال اللجان البرلمانيّة وغيرها، هذا عدا الإنجازات العينيّة السياسيّة والعينيّة وأبرزها في العشر سنوات الأخيرة وجود الجبهة والديمقراطي العربي جسمًا مانعًا في إحدى المفاصل التاريخيّة وهي "اتفاقيات أوسلو" وقوننة عشرات القوانين الاجتماعيّة التي حقّقتها الجبهة الديمقراطيّة في عشرة السنوات الأخيرة.
ومع التأكيد على أن العمل البرلماني مهم بحد ذاته، فبدونه يكون الوضع أسوء حيث أن الأحزاب العربيّة والديمقراطيّة تترك الجماهير العربيّة والديمقراطيّة اليهوديّة فريسة للأحزاب الصهيونيّة، فبالرغم من وجود أحزاب وطنيّة وديمقراطيّة تقوم بجهد كبير كل الوقت وفي فترة الانتخابات بشكلٍ خاص فما زال عشرات ألوف المواطنين العرب يصوّتون للأحزاب الصهيونيّة، فكيف سيكون الحال في حالة عدم خوض أحزاب وطنية وديمقراطيّة الانتخابات؟! فهل نسمح بتعريض جماهيرنا لهذا التشويه الوطني والأخلاقي والانتقاص الحتمي من حقوقهم؟!
وتزيد أهميّة المشاركة في الانتخابات معرفتنا أنّ أُمنية اليمين الذي يريد دولة إسرائيل أن تكون "دولة اليهود" بشكلٍ متطرّف، والذي اعتبر إخراج الجماهير العربيّة من دائرة الشرعيّة والتأثير معركته الأساسيّة منذ منتصف التسعينيّات أو إن شئتم منذ "أوسلو" والانتخاب المباشر لرئاسة الحكومة، فأخذ بالمطالبة بأغلبيّة 60% من المشاركين من أجل تمرير القرارات الحاسمة، وفي مقابلة أجرتها جريدة "معريف" مع الليكودي يسرائيل كاتس في 10 /5/2000 أكّد بوضوح أن "التحريض ضدّ الجماهير العربيّة هو الحصان الذي سيمتطيه الليكود للعودة الى الحكم" ويسرائيل كاتس هذا هو الذي مرّر اقتراح القانون بتغيير البند 7 أ من قانون أساس الكنيست ليشمل "منع أي قائمة تدعم منظّمة إرهابيّة من الترشّح للكنيست" وإذا أخذنا بالاعتبار أنّ الحكومة الإسرائيلية تعتبر كل حركات المقاومة حركات إرهابيّة، فهذا يعني منع القوائم الفاعلة في الوسط العربي من خوض الانتخابات.
ومع كل التأكيد على أهميّة العمل البرلماني فيبقى جزئيًا إذا لم يكن مكملا للنضال الأساسي وهو الشعبي الذي يجنّد الجماهير ميدانيًا للنضال من أجل قضاياها، وفي هذه المعادلة التي تجمع بين النضال الجماهيري والعمل البرلماني تكون الجبهة التي قادت النضال جماهيريًا في مختلف المناسبات الوطنيّة والاجتماعيّة وتصدّت بقوّة لمخططات السلطة من "خدمة مدنيّة" و"فيسكونسين" و"قرار ماحش" و"تهويد الجليل والنقب" وغيرها، هي الإطار الذي يجد التوازن الحقيقي والمتكامل بين النضال الجماهيري والبرلماني.
ولكي نفهم السبب الذي يجعل اليمين يشنّ معركته الشرسة من أجل إخراج الجماهير العربيّة، أساسًا، من دائرة الشرعيّة والتأثير، وندرك، في الوقت ذاته الأهميّة القصوى لمشاركتنا في الانتخابات لا بد من قراءة خاطفة في الخلفيّة التاريخيّة للمعسكرين اليميني واليساري منذ عشرين سنة ونيف.

تساوٍ تاريخي بين معسكري اليمين و "اليسار"

قبل ثلاثة أشهر من انتخابات سنة 1981 تنبّأت استطلاعات الرأي بفوز جارف وبفارق 25% لصالح حزب العمل برئاسة شمعون بيرس وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية التي لم تعرف البلاد لها مثيلاً حتّى ذلك الوقت كما أنّ رئيس الحكومة بيغن ظهر بصورة المنقطع عن الشعب، ولكنّ الليكود بدأ منذ ذلك الوقت بحملة انتخابيّة مكثّفة ضربت الحكومة في أوجها المفاعل النووي العراقي في 7/6/1981 ( ثلاثة أسابيع قبل الانتخابات) وجاءت النتيجة مفاجأة بفوز الليكود ب 48 مقعداً مقابل 47 للعمل.
تعادل آخر بين قوى اليمين واليسار حدث في الانتخابات التالية في سنة 1984 حيث حصل حزب العمل بقيادة شمعون بيرس ويتسحاق نافون (الذي تنازل عن المنافسة لمنصب رئيس الدولة دورة أخرى(ويتسحاق رابين على 44 مقعداً مقابل 41 مقعداً لليكود بالرغم من أنّ التكهنات كانت تشير إلى فوز أكبر لحزب العمل نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي وصل فيها التضخم المالي إلى 400% والتورط في "المستنقع اللبناني"، وبعد ضم الكتل الصغيرة تبيّن أن بمقدور كل معسكر منْع الآخر من اقامة ائتلاف حكومي، فاضطر الحزبان الأكبران إلى اقامة حكومة "وحدة قومية" يترأسها بيرس لمدة سنتين وبعده شامير لمدة سنتين.
في انتخابات العام 88 فاز الليكود ب 40 مقعداً مقابل 39 مقعداً للمعراخ وحصلت الأحزاب الدينيّة على 18 مقعداً، وفشل شامير في اقامة حكومة يمين ضيقة فأقيمت حكومة "وحدة قومية" برئاسة شامير. وفي 15/3/1991 سقطت لأوّل مرة حكومة في إسرائيل نتيجة حجب الثقة، وقد وصف يتسحاق رابين ذلك ب"المناورة القذرة" "התרגיל המסריח" بعد أن اتّفق شمعون بيرس وآرييه درعي على إسقاط الحكومة، وبعد ثلاثة أشهر فشل فيها بيرس في تركيب حكومة استطاع شامير تركيب حكومة يمين ضيّقة لم تدم طويلاً.
في سنة 1992 حصل حزب العمل برئاسة يتسحاق رابين على أغلبيّة 44 مقعداً مقابل 32 مقعداً لليكود برئاسة شمير ولكن بالمقابل زادت قوة "تسومت" اليمينيّة المتطرّفة بشكل مذهل من مقعدين الى 12 مقعد فألّف رابين حكومة مع شاس وميرتس وصلت إلى 56 مقعداً واستطاعت تمرير بعض القرارات لصالح السلام والمساواة والديمقراطيّة بمساندة "الجسم المانع" (الجبهة الديمقراطيّة (3) والديمقراطي العربي (2)) الذي هدّد بقاء الحكومة في الوقت الذي تنكّرت فيه لهذه القضايا.
في سنة 1996، ومرة أخرى خلافاً لاستطلاعات الرأي، فاز بنيامن نتنياهو على شمعون بيرس بفارق 30,000 صوت فقط، وشكّل حكومة يمين ضيّقة ضعيفة سقطت قبل انتهاء الموعد المحدّد للانتخابات.
في سنة 1999 فاز ايهود باراك بأغلبيّة مطلقة 57% على بنيامن نتنياهو وبدا للوهلة الاولى وكأنه حصل تغيير جدّي لصالح "اليسار" في إسرائيل، ولكنّ الحقيقة هي أنّه لم يكن أغلبية لليسار في الكنيست، فالكنيست التي ألّف فيها باراك حكومته هي ذات الكنيست التي ألّف فيها شارون حكومته، فيما بعد، والتي ترنّحت وسقطت بعد أن تركها حزب العمل.
نلاحظ من خلال هذا الاستعراض السريع التساوي التاريخي بين معسكر اليمين و"اليسار" الأمر الذي يجعل من تحييد الجماهير العربيّة ربح صافٍ لليمين الإسرائيلي.

حتى في الدورة الحاليّة، صوتُ الجبهة قَلَع المستوطنين!

الدورة الحاليّة تميّزت عن باقي الدورات منذ أكثر من 20 سنة بترجيح كفّة اليمين بشكلٍ مطلق في الكنيست، الأمر الذي وضع ممثلي الجماهير العربيّة والقوى الديمقراطيّة في هامش الهامش، ومع ذلك، وإلى جانب الأداء البرلماني المميّز كان تصويت النائب محمّد بركة في لجنة المالية إلى جانب إخلاء مستوطنات غزّة وشمال الضفّة الصوت الحاسم في أهم القرارات البرلمانيّة الذي رجّح الكفّة بأغلبيّة 10 مقابل 9 لصالح طرد المستوطنين، الأمر الذي أصاب اليمين بالهستيريا وجعل النائب غورلوفسكي (ليكود) يصرخ بصوت اليمين:

التصويت لإخلاء المستوطنات: بتأييد عشرة نواب ومعارضة تسعة، صوت النائب العربي محمد بركة هو الحاسم.
"إن هذا الصوت لاغ، من المخجل ان نائبا عربيا هو الذي قرر اخلاء المستوطنين"؛ فهل حقًا؟!

نسبة التصويت لدى الجمهورين اليهودي والعربي.

بلغت نسبة التصويت لدى الجماهير العربيّة في الانتخابات الأخيرة 62% فقط، وهي النسبة الأدنى منذ سنة الـ48، ومما لا شك فيها أن الأساليب المباشرة وغير المباشرة التي تنتهجها السلطة (واليمين تحديدًا) لتيئيس الجماهير العربيّة، والمذكورة آنفًا، هي السبب الرئيسة لهذه النسبة المنخفضة، ولكن يُضاف ممارسات بعض الأحزاب العربيّة، والتي ساهمت في الانتقاص مشاركة الجماهير العربيّة، أذكر منها ثلاثة أسباب:
1. المناوشات غير المبرّرة في كثير من الأحيان بين الأحزاب الفاعلة بين الجماهير العربيّة.
2. موقف المقاطعة لانتخابات رئاسة الحكومة بين شارون وباراك (2002)، حيث تميّزت الجبهة بموقف مبدئي ومدني راقٍ وبعيد النظر، حيث طالبت بممارسة الحق الديمقراطي والتوجّه لصناديق الاقتراع والتصويت بالورقة البيضاء تعبيرًا عن رفض الخيارين الأسوأين.
3. تهديد "التجمّع" بالمقاطعة إذا تمّ شطبه، وبذلك ساهم في إعطاء شرعيّة للمقاطعة حتى وإن خاضت باقي الأحزاب الانتخابات.
الأجواء، حتى الآن، غير مشجّعة، وبحسب استطلاعات الرأي فإنّ نسبة التصويت ستزيد لدى الجمهور اليهودي وذلك نتيجة للتغيّرات السياسيّة الحادّة التي جلبت اهتمامًا جماهيريًا واسعًا كخطّة "فكّ الارتباط" وبناء حزب "كاديما" لرئاسة شارون، وفي المقابل أشار "الجمعيّة لدعم الديمقراطيّة" فإنّ نسبة عدم التصويت ستصل هذه المرّة إلى 59% (بالطبع ستنزل هذه النسبة مع انطلاقة الحملة الانتخابيّة) وكذلك فالأحزاب الصهيونيّة التي حصلت على 20% من الأصوات من المتوقّع أن تزيد من قوّتها خصوصًا بالعمل برئاسة بيرتس وكذلك "كاديما" وإن كان بنسبة أقل، كما أن زيادة نسبة الحسم إلى 2% وإلغاء اتفاقيّة فائض الأصوات، كل هذه الأمور ستضرب التمثيل العربي إذا لم نتجنّد بكل قوّة، ولذا فواجب الساعة أن نتعامل مع هذه المعركة الانتخابيّة بكل مسؤوليّة، ولا أفضل من رفيقات ورفاق الجبهة لهذه المهمة، ويا أهلا بالمعارك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق