السبت، 18 يونيو، 2011

الدستور الدمقراطي لـ"عدالة" حاجز هام أمام إقرار دستور لإسرائيل في هذه المرحلة السيئة





الجمعة 23/3/2007
الدستور هو الوثيقة التعاقدية الأثبت والأهم في العلاقة بين المؤسسة الحاكمة والمواطنين، وهو يُقَرّ بأوسع مشاركة لشرائح المجتمع، ولذا، فغالبية البلدان التي اقرّ بها الدستور أجرت عليه استفتاءً شعبيًا، ونظرًا لأهميّته ومكانته فإنّ أي تغيير فيه يجب أن يقرّ من خلال أغلبيّة خاصّة وضمن سيرورة مركبّة.
يعرف التاريخ القضائي في إسرائيل الكثير من المحاولات لإقرار دستور للدولة منذ العام 48، إلا أن بن غوريون رفض ذلك بحجج علنيّة كالتحوّلات الحادّة والضخمة التي تحدث في الدولة. وعندما قدّم أعضاء من حزبه اقتراحا للدستور صاح بهم: "لا يوجد غير حيروت والشيوعيين يريدون دستورًا"، وكان من الواضح أن حيروت تريد الدستور للحدّ من تسلّط مباي ولبعض الأبعاد الليبرالية (وهذا ما ميّز موقف حيروت "الليبرالي" ضد الحكم العسكري حتى انتهائه في 1966) وأن الشيوعيين يريدونه دفاعًا عن الحريّات عامًا وعن المواطنين العرب. أمّا السبب الحقيقي الذي حدا بن غوريون لأن يرفض إقرار دستور فهو رغبته الجامحة في التوسّع وتأكيد الجوهر والطابع الصهيوني للدولة والإبقاء على التشريعات الانتدابية التي تمنح السلطة صلاحيات واسعة، حتى وإن كانت على حساب القيم الدمقراطية.
لم تضع إسرائيل دستورًا إلا أن الكنيست قبلت قرار "لجنة هراري" القاضي بسنّ قوانين أساس لتصبح مع مرور الوقت قاعدة لصياغة دستور، هذه القوانين أعطت مكانة دستوريّة خاصّة في قرار الحكم بخصوص بنك همزراحي (1994) وبعد إقرار قانون أساس كرامة الإنسان وحريته وقانون أساس حرية العمل اعتبرهما رئيس المحكمة العليا "ثورة دستورية" رغم ان قوانين الأساس لا تشمل حقوق أساسية كـ"المساواة" وحرية التعبير ومنع الإكراه الديني وحقوق الفرد امام المحاكم وغيرها..!! ومن المهم التأكيد أن العديد من كبار القضائيين في إسرائيل ومنهم مردخاي كرمنيتسر ودافيد كريتشمر وأفيشاي بينيش لا يرون أن قوانين الأساس تصلح، أساسًا، لتشكيل دستور للدولة.
ومع ذلك لم تتوقّف المحاولات لإقرار دستور للدولة، وكان آخرها محاولات "المعهد الإسرائيلي للدمقراطية" إقرار"دستور بالوفاق" برئاسة رئيس محكمة "العدل" العليا السابق مئير شمغار ولجنة الدستور البرلمانية برئاسة عضو الكنيست ميخائيل ايتان، هاتان المحاولاتان لم تختلفا عن سابقاتهما حيث ارتطمتا بصخرة الخلاف بين "العلمانيين" و"المتديّنين اليهود" الذين يرون بالتوراة دستورهم الوحيد ويختلفون في تعريف دولة إسرائيل ومسائل الأحوال الشخصيّة ومكانة المرأة وغيرها، وقد حافظ "المعهد الإسرائيلي للدمقراطية" على "الطهارة الإثنية" فانحصر مجلسه العام بتمثيلٍ يهودي صهيوني فقط. وبإعلانه عن مسودّة الدستور لم يفاجئ أحدًا بانها تستند على وثيقة الاستقلال الصهيونية الجوهر والطابع، وبانتقاصها من مكانة اللغة العربية وهي من أهم الحقوق الجماعية للمواطنين العرب، وتعزيزها للمفاهيم الصهيونيّة للدولة. هاتان المحاولتان تميّزتا عن غيرهما بأنّهما صيغتا في عهد لم تكن الأحزاب الدينية شريكة في الائتلاف لأوّل مرّة منذ قيام دولة إسرائيل، ولكن بتجاهلهما الأقلية القوميّة العربيّة التي تبلغ 20% من مجموع المواطنين قد قوّضا شرعيّة مشروع الدسترة، وقد جاء "الدستور الدمقراطي" الذي أعدّه مركز "عدالة" ليبرز البون الشاسع بين المحاولتين الصهيونيتين والمتجاهلتين لمكانة المواطنين العرب وحقوقهم الجماعيّة وبين دستور "عدالة"، ليؤكّد الأخير، وبشكل استباقي وحاسم ، أن إسرائيل غير مهيّئة في هذه المرحلة لإقرار دستور دمقراطي، لأنّ لا شرعيّة لدستور لا توافق عليه أقليّة قوميّة، وهي أيضًا أصليّة، وهي أيضًا كبيرة العدد.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن في العديد من الدول كبولندا والبرازيل وهنغاريا وجنوب أفريقيا واوغندا، قد أجروا مفاوضات مع قيادات الأقليّة وفقط بعد الوصول إلى اتفاق توافقي أُقرّ الدستور في هذه الدول.

*لحظة، ولكن نحن الأقليّة!*

من التراث الصهيوني القضائي أن السيّد ألطشولر توجّه في العام 1926 الى المحكمة الانتدابية ضد بلدية تل أبيب التي فرضت عليه غرامة لفتحه مطعمه يوم السبت. اليهود المتدينين والعلمانيين، سواء بسواء، اعتبروا تصرّف ألطشولر محتقَرًا لسببين: لأنه توجّه إلى محكمة انتدابية ضد مدينة يهوديّة! ولأنّه لم يحافظ على الإدارة الذاتيّة لمدينة تل أبيب وللحقّ الجماعي باعتبار يوم السبت يوم عطلة لليهود.
هذا التصّرف قد يميّز أقليّة، ولكن هو الطابع الغالب على قرارات معدّي "الدستور بالوفاق" الساعين للحفاظ على هويّة وخصوصيّة الأغلبيّة! ويسعون للاعتراف وممارسة حقوقهم الجماعيّة! فالأقليّة هي التي تحتاج الاعتراف بحقوقها الجماعيّة لتدافع عن تميّزها كجماعة وكأفراد، أما الأكثرية المهيمنة ثقافيًا فهي لا تحتاج إلى تعزيز هذه الهيمنة وبحصولها على حقوق جماعيّة إضافيّة لن تضرّ بمجموعة الأقليّة بشكلٍ فظ وحسب ولن تمسّ مبدأ المساواة وحسب وإنّما ستضيّق حيّز الاستقلاليّة لأفراد مجموعة الأغلبيّة الذين من حقّهم أن يتصرّفوا كأفراد مستقلّين وليس كأبناء مجموعات فقط. هذا ما جاء ليؤكّده "الدستور الدمقراطي" لـ"عدالة".
ومن هذا المنطلق الدمقراطي، ورغم كوننا أقليّة، يجتهد دستور "عدالة" لإيجاد توازنات بين الحقوق الجماعية للأقليّة العربية وبين الحريّات الشخصيّة لأفرادها، فثمّة فصل كامل يتحدّث عن الحريّات الأساسيّة والتي تضمن الحريات السياسيّة للأفراد كحريّة التعبير وحريّة الدين والمعتقد وغيرها..
هذا التوجّه الدمقراطي يُقلق النخب الإسرائيلية، فمن الأسهل لها أن تتعامل على أساس قومي صرف، ولذا عندما قرأت مقال د. أسعد غانم في جريدة "هآرتس" المعنون بـ"الدستور العربي" اتصلتُ به غير موافقٍ فأخبرني أنه بعث مقاله بعنوان "الدستور الدمقراطي" لكنّ المحرّر وجد من الأنسب تغيير العنوان إلى "الدستور العربي"! ليحصره ويحاصره في الخانة القوميّة.

*استحقاقات البعد الدمقراطي*

رغم الجهد الفكري والسياسي والحقوقي المبذول في صياغة دستور "عدالة" والذي يستحقّ التقدير بحقّ ، إلا أنّ لي عدّة انتقادات أذكر منها اثنين:
1. إذا كان الدستور دمقراطيًا وشموليًا ويشكّل بديلا متكاملا لدولة إسرائيل فلماذا صاغه مواطنون عرب فقط؟! ولماذا نتّهم "المعهد الإسرائيلي للدمقراطية" بأن مجلسه العامل لا يشمل عربًا؟ أتكفي الحجّة بأن اليهود أكثريّة ونحن أقليّة؟! أليس من الأجدر بنا أن نملك الجرأة السياسيّة والأخلاقيّة لدعوة سياسيين وادباء وقانونيين عربًا ويهودَ دمقراطيين لصياغة دستور دمقراطي الأبعاد والمنطلقات والصياغة ليشكّل بديلا حقيقيًا للدساتير المقترحة ويعطينا قوّة أخلاقيّة لاتهام القائمين على الدساتير الأخرى بأنهم لا يمثلون المجموعتيْن القوميتيْن.
ومع هذا، فالمجال ما زال مفتوحًا لدعوة يهود لنقاش "الدستور الدمقراطي"، وإن كان هذا الأسلوب أشبه بدعوة العرب لسماع رأيهم بعد إقرار "الدستور بالوفاق"، ولكن هذا أفضل من عدمه.
2.  يطالب الدستور بحقوق جماعيّة عدّة، ومنها الحكم الذاتي الثقافي، ولا يغيب عن معدّي الدستور أن "الحكم الذاتي الثقافي" يتجاوز البعد الثقافي فهو، قد يكون حكما ذاتيا في مجال الصحّة، كما هو في بلجيكا، أو في المحاكم كما هو الحال في مقاطعة "كويبك" المتحدّثة بالفرنسيّة في كندا، أو حتّى في الأرض كما لدى البعض في أمريكا وكندا وأوستراليا ونيوزلندا، وكل هذه الحقوق تندرج ضمن الحكم الذاتي الثقافي، فهل هذا حقًا ما يريده معدّو الوثيقة؟! وإذا اقتصر "الحكم الذاتي الثقافي" على الأمور الثقافية المجرّدة كالثقافة والتعليم، فهل الثقافة القوميّة متجانسة؟! وماذا مع ثقافة العلماني العربي وتقاطعها مع ثقافة العلماني اليهودي ونفورها من "الأصولي" العربي؟! وهل الثقافة الطبقيّة العربيّة متجانسة؟! وهل الثقافة الطبقيّة اليهودية متجانسة؟! وهل يجب أن "نقلّع شوكنا بيدنا" نحن العرب! ألا يجب أن نتحالف ثقافيًا وفكريًا مع يهود متفقين معنا؟! وماذا مع العربي او اليهودي الذي يريد أن يتفاعل مع ثقافة الآخر بشكلٍ حرٌ، بشكلٍ لا يبرزه كشاذ أو مختلف عن مجموعته القوميّة؟!
ثمّ عن أية ثقافة عربيّة داخليّة نتحدّث؟ هل عن ثقافة الشيخ كمال خطيب الذي هاجم ثقافة "عدالة" قبل أكثر من شهر أم بالعكس؟! هل عن ثقافة "أصوات" أم ثقافة عبّاس زكّور أم ثقافة ما بينهما؟ وكم سنقمع من مجموعات داخلنا بحجّة "الوحدة الثقافيّة القوميّة"؟ ألا يرى معدّو الوثيقة أن من حقّنا النضال من اجل ثقافة انسانية ودمقراطية واجتماعية وطبقية للمجتمع الإسرائيلي بأسره؟ ثمّ ما هي ديناميكيّة "الحكم الذاتي الثقافي العربي" مقابل "حكم ذاتي ثقافي يهودي" (مفروغًا منه كونهم أغلبيّة)، هل يضمن معدّو الدستور أنه سيقرّب بين الشعبين؟ كيف؟
بين مطلب الحقوق الجماعيّة ومطلب الحريّات الشخصيّة توتّر دائم ورغم أن دستور "عدالة" يكتب بشكل واضح ان "الأوتونوميا" يجب ان لا تمسّ بكرامة الفرد وحريّته ألا أن موقف "عدالة" هذا غير كافٍ، لا أدعّي أن عدالة تستعمله كضريبة كلامية، ولكن كان عليها أن تبرزه بشكلٍ أوضح سيّما وأنه سيحتل لاحقًا نقاشات هامّة، مثل الموقف من تعدّد الزوجات! أو حق المرأة المسلمة باختيار المحاكم الشرعيّة أو المدنيّة!
الدستور هو الوثيقة الأهم للحفاظ على الحريّات الدمقراطية، ولكنّه قد يتحوّل إلى ورقة شكلية وعديمة القيمة إذا لم تسُد ثقافة دمقراطية في الدولة، ويكفي أن نذكّر بأن دولة الدستور الكلاسيكية- الولايات المتحدة، قد برهنت في المفاصل الأساسيّة هشاشة فكرة اهميّة الدستور دون وجود ثقافة دمقراطية فعبوديّة السود في أمريكا استمرّت ثمانين عامًا بعد إقرار الدستور، ولتستمرّ بعد انتهاء العبودية الرسمية سياسة الفصل العرقي التي انتهت رسميًا، وفقط رسميًا، في ستينيّات القرن الماضي!! ويكفي أن نذكر أن ليبيا تملك دستورًا "متقدمًا" وكذلك عُمان بزعامة قابوس (الذي "تسامح في لبس النعل ووضع النظّارات") أمّا السعوديّة فتمتلك، هي أيضًا، دستورًا، لكنّه يختصر الحقوق في المادّة 26 القائلة: "تحمي الدولة الحقوق وفق الشريعة الإسلاميّة"، ويتضمّن في مقدّمته مواد "فقهيّة" تجتهد في ذكر القاعدة والاستثناء على منوال تعريف الخطّين المتوازيين بأنّهما خطّان مستقيمان لا يلتقيان.. إلا بمشيئة الله! فإذا التقيا؟؟؟ فلا حول ولا قوّة إلا بالله.
وبالمقابل فثمّة بلدان لا تمتلك دستورًا ولكنّها متقدّمة أكثر بكثير من الدول المدسترة المذكورة آنفًا ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك هي بريطانيا التي، ورغم الضربات التاتشرية، إلا أن الثقافة الدمقراطية فيها راسخة، متقدّمة ومتينة، وأقصد هنا الدمقراطية الليبرالية وليس الدمقراطية الحقيقية المتكاملة التي تضمن المساواة القوميّة والاجتماعيّة والاقتصادية.
الدستور شيء مهم ولكنّه يجب أن يكون تتويجًا وتأكيدًا لمفاهيم دمقراطية، وقد جاء "الدستور الدمقراطي" ليؤكّد لكل محاولات الدسترة الإسرائيليّة أن الثقافة الإسرائيلية ما زالت بعيدة عن صياغة دستور دمقراطي، لا سيّما في هذه المرحلة التي تشهد هجومًا على انجازات المواطنين العرب وشرعيّتهم وتشهد هجومًا على مكتسبات العمّال وسياسة خصخصة وتصفية لدولة الرفاه.
جاء الوقت لنتحالف، رغم اختلافاتنا، عربًا ويهودَ متدينين أرثوذكسيًا (عددهم 780 ألفًا)، ونساء يهوديات وعربيات، وعمال يهود وعربا مستضعفين، والعاطلين عن العمل، وحتى نزلاء "ميدان الخبز" لنقول للنخب الإسرائيلية أن دستوركم بـ"الوفاق" لا يشكّل وفاقًا لأكثر من 5% من المواطنين، من النخب المستغِلة قوميًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
دستور "عدالة" يشكّل خطوة هامّة في هذا الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق