الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

فاكرين لمّا الشعب تغرّب جوّا ببلدُه.. "إِلقِ دلو دهان على رأس توفيق طوبي واحـصـل عـلـى مـسـدّس"!


لجمعة 25/8/2006

* كتاب جديد يفضح ممارسات "الشين بِت" وعملائه، وجزءًا من الاضطهاد الذي تعرض له الشيوعيون في فترة الحكم العسكري *

* مقدّمة: كشف الأستُر


يا ويح مغتال الضمائر حينما  تصحو ملايين، وتكشف أستر
(توفيق زيّاد، شيوعيون، كانون الثاني 1959)
يُقال أن ضابط شرطة باريس في فترة حكم نابليون الثالث كان يردّد: "ليس هدفي أن يكون واحد من ثلاثة باريسيين مجتمعين في زاوية الشارع مخبرًا لي، من ناحيتي يكفي أن يشكّ كل ثلاثة أنّ أحدهم مخبرٌ". هذا ما أراده "الشين بيت" لشعبنا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كما نستدلّ من كتاب "عرب جيّدون" للباحث د. هلل كوهن، حديث الصدور.
الكتاب المثير يبحث في مسألة العملاء العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يَنشر اسم كل عميل وبدقّة، اسمه الشخصي، اسم الوالد، اسم العائلة، مدعومًا بمستندات مخابراتية رسمية ومرقّمة، العميل هنا كليمونة معصورة حتى قشرتها ثمّ قام عاصرها بإلقائها في دلو القمامة.
الكتاب الذي سأعرض نماذج منه للقارئ اليوم هو الكتاب الثاني للباحث د. كوهن في هذا المضمار، فقد سبقه كتاب "جيش الظلال" الصادر في السنة المنصرمة (2004) والذي يفضح سماسرة الأراضي العرب في ثلاثينيّات وأربعينيات القرن الماضي. هنا أيضًا لم يضر المخابرات الإسرائيلية نشر أسمائهم على الملأ:
    
     يا بائع الأرض لم تحفل
     بعاقبةٍ ولا علمت بأن الخصم خدّاع
لكنّ الأسماء بعينها ليست ذات أهميّة خاصّة برأيي، ولا أعتقد أنّ معرفتها تفيد قضايا شعبنا، خاصّة وأن تركيبة قرانا ومدننا معقدةٌ جدًا، وأن العديد من أبناء وأحفاد هؤلاء العملاء هم اليوم أناسٌ وطنيون أو عاديّون ولا أجد منطقًا للتعامل معهم بجريرة أقربائهم، لأن الأساس هو التعامل مع الإنسان كإنسان، موقفًا وسلوكًا، ولذا امتنعتُ عن ذكر الأسماء الواردة في الكتاب.
مع ذلك فمن الأهميّة بمكان أن يدرك عملاء اليوم أنه لن تمضي أكثر من 30 سنة حتى يعرف أولادهم وأترابهم كل ما اقترفت أياديهم وألسنتهم، حبرًا على ورق، أسودَ على أبيض.


* * *


الإنسان الوطني يرفض النفسيات السلبية والاصطياد في المياه العكرة ويرفض إشاعة اليأس لشعبنا ومنه، والحقيقة الساطعة تؤكّد أنّ هذه البقيّة الباقية في وطنها نجحت في جمع بقايا أحجار القرى المهجّرة والمنكوبة من بين الخرائب، حجرًا تلو حجر لتبني بيتًا من العزّ، بيتًا بني على صخر الصمود والبقاء.
ومع هذا، فقد رصدَ مثلنا الشعبي أنّ "لكلّ بيت مصرف"، وعن مصرف هذا البيت العزيز يبحث الكتاب.
* * *
قُلنا أنّ الغالبيّة الساحقة من شعبنا وطنيون بصمت وصدق كقول قاسم أمين: "كثيرٌ من الوطنيّة الصادقة تعمل بصمت"، ولكن كان في أقصَيَي شعبنا نوعان، أو قُل معدنان أضاء عليهما الباحث في كتابه؛ الأوّل تتملّكه الأثرة، لا يريد القَطْر لأحد وهو ظمآن:
"معللتي بالوصل والموت دونه
     إذا مت ظمآناً فلا نزل القَطْر"
والثاني تِبْريّ الصفاء، تغلب عليه نزعة الإيثار، لم يشأ الخير لنفسه إذا لم يصب الخير كل الناس وكل البلاد:
"فلا هطلت عليّ ولا بأرضي
     سحائب ليس تنتظم البلادا"
    
الباحث ينتقي للمعدن الأول اسم العملاء، المعدن الثاني هو الذي يفرض على الكاتب الاسم، الشيوعيون.
والآن إلى بعض المشاهد الواردة في الكتاب.

* يبيع بدون رخصة، وهو شيوعي أيضًا!


في آب 1955 وصلت شرطة الناصرة الرسالة التالية:
إلى حضرة قائد الشرطة في الناصرة
نحن وجهاء من قرية عيلبون، نعرض على حضرتكم ما يلي:
1. معين سليم زريق صاحب بقالة في قرية عيلبون.
2. هذا الرجل يبيع مشروبات روحيّة وعاديّة بدون رخصة.
3. معين يخبئ المشروبات تحت المقعد في بيته المجاور للبقالة.
4. شبّان عيلبون يلعبون الورق عنده بالسر.
5. البقالة موجودة قبالة نادي الحزب الشيوعي، وأعضاء الحزب يأتونها من أجل إقناع الشبّان بالشيوعيّة.
6. تستطيعون التحقّق من الأمر يوم السبت مساءً.
7. تصرّف صاحب البقّالة يشوّه تربية أبنائنا ويجعل الشبّان يقبلون الشيوعيّة.
نطالبكم بوضع حد لهذا التصرّف، وبشكلٍ فوري.
(وصلت الوشاية المكتوبة باللغة العربيّة إلى مركز الشرطة في الناصرة يوم 22.08.1955، أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 19/ 82)

* 20,500 في 1953 = 150,000 اليوم


جاء في مقدّمة الكتاب أنّه لولا النضال الشعبي لتجنيس "المتسللين" (ما اُصطلح على تسميته بـ"معركة الهويات الحمراء") لمَا تمّ تجنيس 20,500 عربي ولتمّ قذفهم إلى ما وراء الحدود، وهذا العدد شكّل 15% من العرب مواطني دولة إسرائيل في حينه، أي ما يساوي 150,000 عربي اليوم، شوكة في حلق العقلية الديمغرافية.
في إحدى ليالي الصيف 1952 وصلت وحدة شرطة برئاسة الضابط المسؤول عن الجليل الغربي يتسحاق شبيلي (أبو الخضر) إلى قرية البعنة لملاحقة "المتسلّلين"، وعندما همّت بالدخول إلى بيت بولص حنا بولص كانت لهم بالمرصاد صبيّة أسمها ابتهاج بولص (نحن نعرفها بالرفيقة ابتهاج خوري أم منذر) التي طردتهم بالأحذية والشبشب، شرَّ طردة، مما أصاب الضابط شبيلي (أو شويلي) بإهانة في الصّميم. إلى هنا انتهى التقرير (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 38/4، 15.6.1952)
الجيل الشاب في الخمسينيّات لا ينسى أن هناك من كان يصم أذن "المتسلّل" ليقدّمها دليلا لأسياده على قتل "المتسلّل"، أمّا العميل الرحيم فقد كان يصنع معروفًا مع "المتسلّل"، فيصم أذنه ويبقيه حيًا موصوما، ثمّ يسلّم الأذن إلى سيّده، شيكًا بدون رصيد!

* مطلوب قائد "قومي" لتنظيف الجو الشيوعي السام في الناصرة


السلطات وافقت على عودة "المقاتل القومي" القديم (قائد إحدى الفرق الوطنيّة في الـ48) من أجل تشكيل مجموعة تطرح نفسها بديلا للشيوعيين في الناصرة أولا ومن ثمّ في سائر البلاد، وعندما وصل "المقاتل" إلى البلاد بعث برسالة إلى "بن غوريون" طالبه فيها بالسماح له بإقامة مطبعة لتنظيف الجو الشيوعي السام في الناصرة وإبراز الحقيقة! وفي سنة 1950 سعى "المقاتل" لإقامة حزب "وطني" أعضاؤه من المسلمين تحديدًا (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 15،2293).
في جلسة الشيوعيين أكّد الحاضرون على أن الهدف الأساسي من إقامة الحزب الجديد هو تأييد ضم الجليل للدولة اليهودية، خلافًا لقرار التقسيم. في هذا الاجتماع نجح "الشين بت" في زرع عميلٍ له داخل اجتماع الحزب (لا حاجة لذكر أسمه).
في سنة 1964 عمل "المقاتل القومي" وسيطًا في مسألة التعويضات من أجل مصادرة أراضي الناصرة لصالح "نتسيرت عيليت".
ومع مرور الوقت عُيّن "المقاتل" قاضيًا في المحكمة المركزيّة – الناصرة، وعيّن عضوًا في لجنة التحقيق الرسميّة بشأن حرق المسجد الأقصى، هذه اللجنة برّأت حكومة إسرائيل كليًا من جريمة حرق المسجد، لهذا كان تعيينه مهمًا.

* توفيق طوبي – شخصٌ غير مرغوب به!


تبيّن من تقارير "الشين بت" أن أهالي المثلّث بدأوا يقدّرون الحزب الشيوعي، وأن الجيل الشاب يعتبر أعضاء الكنيست من الأحزاب العربيّة مبيوعين للسلطات بينما رأوا بتوفيق طوبي مدافعًا عن قضايا الناس الحقيقيّة (أرشيف دولة إسرائيل79، ملف 21/95).
الحاكم العسكري في المثلث قرّر استعمال أعوانه لإهانة طوبي، وعندما طلب أحدهم مسدسًا جاءته الفرصة، فأوعز إليه بإهانة طوبي أمام الناس مقابل الحصول على مسدّس، وأثناء زيارة طوبي للقرية في مطلع العام 1950 انتهز (طالب المسدّس) فرصة قيامه بالخطابة ليتوجه إليه من الخلف ويلقي على رأسه وملابسه دلو دهان!
الحاكم العسكري يفي بمثل هذه الحالات فأعطى الشخص مُناه، مسدّسًا جديدًا (مركز شرطة الطيبة، تقرير أسبوعي، 14.5.1950، أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 20/121).
الحاكم العسكري لم يكتفِ بذلك، فعمل على إهانة طوبي مجددًا، وعندما زار الطيبة ثانيةً وَجّه له أحد المخاتير عريضة موقعة من قبل بعض الناس المضلّلين، جاء فيها أن طوبي شخصٌ غير مرغوب به في البلدة وطالبوه بالخروج منها (أرشيف تصاهل 293-53/834).
من مصادرٍ عدّة، بينها كتاب "تصحيح خطأ" للمؤرخ الصهيوني "البوست جديد" بيني موريس نعرف أنّ طوبي تعرّض لموقفٍ شبيه في قرية "مجدل عسقلان" حين قابله الناس برفع الشعارات والهتافات: "يسقط توفيق طوبي، يعيش بن غوريون"، ولم تمضِ أيّام حتى كانت شاحنات بن غوريون تلقي بهم خارج الحدود.
أمّا في الطيبة فلم تمضِ أيّام حتى تمّ الردّ على الإهانات بشكلٍ حاسم: 39% من أصوات البلدة للحزب الشيوعي في أوّل انتخابات تشارك فيها عام 1951 (المثلث لم يكن ضمن دولة إسرائيل في الانتخابات الأولى 1949).
الحوادث المذكورة أعلاه تؤكّد أنه لولا كفاح توفيق طوبي ورفاقه الذين كانوا يطردون من بعض القرى العربيّة خوفًا من السلطة، ما كانت القوى الوطنيّة تدخل قرانا ومدننا اليوم برأس شامخ وبترحاب من الناس.

* عضو كنيست عربي قلق من خيانة الشيوعيين وبن غوريون يطمئنه: سنعالجهم!


في 21 أيّار 1958 كتب أحد أعضاء الكنيست العرب الاستجواب التالي:
"في 1 أيّار نظّم الحزب الشيوعي مشاغبات مقصودة في الناصرة، ومن ثمّ في قرية أم الفحم. الأحداث أثبتت أنها مخطّطة بشكلٍ مقصود وخيانيّ. وأنا، من منطلق حرصي على السمعة الطيّبة للمواطنين العرب، أريد أن أسأل رئيس الحكومة: هل ستستعمل الحكومة وسائلها لقمع أعمال الخيانة هذه؟
لم يتأخّر بن غوريون بالإجابة، فبعد يوم واحد كتب ردًا ماحقًا: سنعالج كل أعمال الشغب والخيانة.
(أرشيف دولة إسرائيل ، رئيس الحكومة، ملف 536/6275)

* "فاكرين لمّا الشعب تغرّب جوّا ببلدُه.."


لقد تعوّد زائرو المدرسة العربيّة في اللد أن يسمعوا الطالبات والطلاب ينشدون: "قُلنا حَ نبني وده احنا بنينا السد العالي" ولكن عندما لطّخ الطلاب صورة رئيس الدولة يتسحاق بن تسفي ومزّقوا أعلام الدولة أصبحت اللعبة أكبر وأخطر!
وفي إطار تهذيب الطلاب سألتهم معلّمة الجغرافية: من هو رئيس الحكومة؟ أجاب الطلاب على الفور: جمال عبد الناصر!
المعلّمة أصرّت على تربية الأولاد، فقالت لهم إن رئيس حكومتنا هو دافيد بن غوريون!
الطلاب لم يقتنعوا وأجابوا بسذاجة (ربّما بدهاء): ولكنّه رئيس حكومة اليهود!
وَصَلت الشرطةَ وشايةٌ وتّرت الوضع في المدرسة وأدّت إلى مشاجرات بالأيدي، كان ذلك في حزيران 1960 (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 6/161)

* بن غوريون عن العرب الدروز: هذه طائفة إشكالية جدًا.. جدًا!


من المثير حقًا قراءة موقف العرب الدروز، جماهير وقيادة، من مسألة التجنيد العسكري الاجباري، فالمؤسسة التي جهدت لسلخ الدروز عن شعبهم نجحت في سلخ مساحات من الذاكرة الجمعية ومن حقيقة أن العرب الدروز، بمختلف شرائحهم العقائدية، رفضوا التجنيد القسري، ما عدا بعض العملاء للحركة الصهيونية ما قبل وما بعد إسرائيل، والذين ذكر المناضل سلطان باشا الأطرش ثلاثة منهم في بيانٍ خاص (وثلاثتهم معروفون للناس) وحذّر العرب الدروز منهم أشدّ التحذير ( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 12/2449).
يكشف الباحث أنّ الشيخ أمين طريف وضع كل الحيَل لتجنّب تجنيد الدروز، واعتبرته المؤسسة معاديًا لدولة إسرائيل من قبل قيامها، وأنه رفض التجنيد من دوافع قوميّة صميميّة، حتى أن والد جندي درزي قُتل في الحرب اتهم الشيخ أمين بأنه رفض دفن ابنه في المقبرة الدرزية بادعاء أن الشيخ أمين ألقى حرمانًا سريًا على المجندين (أرشيف دولة إسرائيل 102، ملف 29/17011).
سبعة شبّان من قرية جولس انتظروا أحد الموقّعين على تجنيد الدروز، وعند خروجه من البيت طرحوه أرضًا، عصبوا عينيه، كمّموا فمه وانهالوا عليه ضربًا وهم يُسمعونه: "الآن تتعلم جيّدًا كيف توقّع باسمنا" ( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 9/2449).
أحد العملاء أخبرَ أن الشيخ فرهود فرهود قال في خلوة كفر ياسيف أنه يجب قتل الشيوخ الذين وقّعوا على تجنيد العرب الدروز ( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 9/119).
ومن كثرة الفعاليات المناهضة للتجنيد من مختلف شرائح العرب الدروز قال عنهم بن غوريون غاضبًا: هذه طائفة إشكالية جدًا..جدًا (جلسة الحكومة من يوم 22.4.1956).
وضمن التصدّي للمحاولات لتشويه الانتماء القومي للدروز توجه السيد قفطان عزام حلبي بدعوى للمحكمة العليا لتغيير خانة القومية في بطاقة الهوية من درزي إلى عربي ( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 9/2449).
الكتاب يتطرّق بالتفصيل وبالأسماء للأحداث التي يبرز فيها مدى إصرار "الشين بت" على تجنيد العرب الدروز، وإصراره على تعتيم مظاهر الرفض الواسعة بين أبناء الطائفة، ولذا من واجبنا إماطة اللثام عن هذه المستندات لتكن بمتناول يد الناس.

* حَكِي شيوعيّة!


عندما كان يحتج الشيوعيون على تدخّل "الشين بت" في تفاصيل التفاصيل لمنعهم من الوصول إلى رئاسة السلطات المحليّة كان "الشين بت" مهتمًا ببث شائعات تقضي بأنّ الشيوعيين مصابون بالبرانويا، ولكنّهم لم يكونوا كذلك بل كانوا ملاحقين فعلا، هذا ما يؤكده الباحث وتؤكده الوثائق المكشوفة حديثًا.
في سنة 1966 إلتقى "الشين بت" أعضاء مجلس إعبلين واحدًا واحدًا لهدف محدّد، هو منع وصول الشيوعيين إلى إدارة الإئتلاف ( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 9/398).
* * *
عندما أصدر ينّي ينّي والشيوعيون بيانًا حذّروا فيه من اهتمام "الشين بت" في انتخابات كفر ياسيف (1962) وأنه يهدّد أفرادًا ويجتمع مع مسؤولين كانوا صادقين تمامًا( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف2/183).
* * *
في طيرة المثلث عمل "الشين بت" على تفكيك الائتلاف! لماذا؟ لأنه ضمّ شيوعيين!
* * *
في أم الفحم عمل "الشين بت" جاهدًا والتقى رئيس المجلس وحثّه أن يعمل كل شيء لئلا يتحوّل الشيوعيون إلى "بيضة القبّان" في المجلس.
* * *
في عرّابة البطّوف، وعلى طول سنوات الستينيّات، عمل "الشين بت" على تأجيل انتخابات المجلس، لماذا؟ الوثائق تقول أنّ السبب هو تعاظم قوّة الشيوعيين.
* * *
عندما اقتربت انتخابات بلديّة الناصرة في 2.11.1966 اجتمع البناغرة الصغار وأكدوا أن هذا التاريخ هو ذكرى وعد بلفور، ومن شأنه أن يعزّز المشاعر الوطنيّة الأمر الذي سيفيد "راكح"، ولذا يجب تغيير التاريخ، وهذا ما حصل! ( جلسة لجنة الانتخابات المركزية 4.8.1966، ملف رقم 14/373).
* * *
تدخّل "الشين بت" ضد الحزب الشيوعي في مجال السلطات المحلية كان فظًا، في كل قرية ومدينة كان "الشين بت" يفتح ملفًا لمتابعة علاقة أعضاء المجلس بالأعضاء الشيوعيين، وعندما قدّم عضو مجلس طرعان الشيوعي أمين سمعان طلبًا بأن يقوم المجلس باستنكار الحكم العسكري واستخدام قوانين الطوارئ، تدخّل "الشين بت" على الفور لمنع المجلس من اتخاذ قرار كهذا (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف4/318).

* مجالس مليّة أرثوذكسيّة.. ممنوع!


في صيف 1964 سعى بعض أبناء الطائفة المسيحيّة الأرثوذكسيّة في قرية إعبلين إلى إنشاء مجلس ملّي أرثوذكسي، "الشين بت" قَلِق من إمكانيّة سيطرة الشيوعيين وأصدر تعليماته لأذنابه من أبناء الطائفة لمنع نجاح الفكرة بكل ثمن (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 23/319).
هذا ما حصل في مدينة عكا حيث سعى "الشين بت" لعقد اجتماعات سرية مع أفراد من الطائفة الأرثوذكسيّة لإقناعهم بالسعي لإفشال إقامة المجلس لأن الشيوعيين سيسيطرون عليه حتمًا. (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 1/356).
على مثل هذه الحكايات قيل: "البراطيل تحلّ السراويل"!

* "الشين بت" لا يسمح للشيوعي بالحصول على قرض من البنك!


لكل شيوعي ملف في "الشين بت"! هذا ما تَشي به الوثائق، وإذا أراد تغيير مكان سكناه فعلى "الشين بت" أن يقرّر بشكل سرّي إذا كان موافقًا أم لا! "الشين بت" أعطى تعليماته للبنوك بأنّ عليهم الحصول على الموافقة السريّة للـ"شين بت" قبل موافقته على إعطاء قرض، وإذا كان مقدّم الطلب شيوعيًا فالجواب جاهز، سلبي.
للـ"الشين بت" قائمة كاملة بالأمور التي تتطلّب موافقته، وهي تدخل في صميم الحياة اليوميّة، والعاديّة- كما هو مفروض أن تسمّى( أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف5/173).

* لا لن نحتفل!


لنقرأ ما أرشفه "الشين بت" من بيان فرع الحزب الشيوعي في قرية طمرة حول الذكرى العاشرة لل"استقلال":
"تقوم السلطات الإسرائيلية ومساعدوها من المجلس المحلّي المعيّن في قريتنا والقرى المجاورة بالتحضير لاحتفالات الاستقلال!
نحن نرى بهذه التحضيرات جزءًا من محاولات الحكومة لتزييف حقيقة مشاعر المواطنين العرب.. تحاول السلطات، وبطرق شتى، أن تعرض المواطنين العرب كمواطنين سعداء بمصيرهم وظروف حياتهم، وكأنهم راضون عن الحكم العسكري، عن سرقة الأراضي والاضطهاد، وكأنهم راضون عن هضم حقوقهم القوميّة وإنكار كونهم جزءًا من الشعب العربي الفلسطيني.
هل نرقص في يوم الحداد هذا على خرائب قرانا؟ هل نرقص على قبور شهدائنا الذين قضوا في مجازر مختلفة كدير ياسين وكفر قاسم؟ هل نحتفل ومليون من أبناء شعبنا مشتتون في المنافي وممنوعون من العودة لبيوتهم ووطنهم؟ هل نحتفل ونحن مهضومو الحقوق القوميّة ونعيش ضمن حكم عسكري واضطهاد قومي؟ لا لن نحتفل." (أرشيف دولة إسرائيل 79، ملف 2/205) .
والحقيقة انّنا لم نتوقّع موقفًا غير هذا من أهالي طمرة والوافدين إليها من الدامون وميعار والرويس والحدثة، ولكن مواقف شامخةً في لهيب الحكم العسكري تبقى عصيةً عن التعوّد عليها.
موقف كهذا لم يكن "بيضة ديك" فالكل يذكر كلمة رئيس كتلة الحزب الشيوعي في بلدية الناصرة فؤاد خوري: "إن سَوق هذه الجماهير العربية للاحتفال والابتهاج { في ذكرى "الاستقلال"} ليس إلا سوقها إلى الرياء والكذب". هذا هو الموقف، وصاحبُ الحقّ نطاحٌ.

* الخلاصة


رفاق ورفيقات الحزب كانوا يعلمون و"يجرّبون على أجسادهم" هذه الحقائق، قرأنا منها الكثير في مختلف الإصدارات، ولكنّ الجديد والمهم هنا أنّ هذه المعلومات خارجة لتوّها من أقبية أجهزة "الأمن"، "ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد"، ففي هذا اعتراف صريح، وعندما يعترف الخصم تكون أنت الفائز بـ"النوك أوْت"، وهذا ما يجب أن يعرفه شعبا هذه البلاد عن الملاحقة اليوميّة وعن الحيطان التي لها آذان:
"أنا قادم
من حيث كل فمٍ عليه حارسٌ
والمخبرون
على الستائر"
  
 
"الشين بت" يعترف الآن، يا أبا الأمين، أن شعرك هذا ما كان تحريضًا قط، كما وصفوه، ولم يكن تهويلا أبدًا، بل هو كبد الحقيقة.


* * *


منذ حين والرفاق يطالبون بأن يتفرّغ رفيق مهني لكتابة تاريخ الحزب الشيوعي، خاصّة أنّ هناك من يسرق وهناك من يزيّف هذا التاريخ، أعتقد أنّ المسألة أصبحت أكثر إلحاحًا لا سيّما أن رفاقنا الذين نحتوا هذه المواقف أصبحوا في سن متقدمة جدًا.
والأمر الثاني هو أنّ من واجبنا التوجّه لمؤسسات الدولة والمطالبة من أجل اعتراف الدولة بأن مؤسساتها الرسميّة وعلى رأسها "الشين بت" (والتي من المفروض أن تكون محايدة) قد ارتكبت جرائم بلغت حد القتل والتشريد والملاحقة بحق حزب سياسي قانوني!
في دولة إسرائيل قامت لجنة تحقيق رسمية في نهاية السبعينيات لبحث مسألة قتل حاييم أرلوزوروف في سنة 1933!
وبما أن الوضع بعد الحرب وفي ظل الحديث عن إمكانية إقامة لجنة تحقيق في "القصورات السياسية والعسكريّة!"، وبما أن رئيس الدولة المحترم جدًا مشغول جدًا في هذه الأيّام، فربّما ليس هذا الوقت المناسب لطرح هذه المسألة، ولكن بعد كشف الأرشيفات الرسمية وإثبات جرائم "الأمن" بحق الحزب الشيوعي يجب أن لا نتنازل عن مطلبنا العادل باعتراف الدولة الرسمي واعتذارها عن هذه الجرائم التي ارتكبت بهذه الحدّة بحقّ آلاف الناس على مدار 20 عامًا، قد يكون هذا مطلبًا غير واقعي في هذه الأيّام ولكنّه سيتحقّق يوم ما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق