السبت، 18 يونيو، 2011

الرفيق جبران يُحاسب الوزيرة..




فيُعجبك الطرير فتبتليه فيُخلف ظنّك الرجلُ الطريرُ

الرفيق جبران يُحاسب الوزيرة..





تعليق: أيمن عودة
الأثنين 26/11/2007

من بيت جبهوي، ومن صفوف الشبيبة الشيوعية قطع جبران طريقه الطويل من كوكب، الوادعة فوق جبال الجليل، إلى قلب تل أبيب، الضاجّة في قلب إسرائيل، ليتعلّم.. ويعمل لإتمام تعلـّّمه.
قبل خمسة أيّام، وفي مساكن الطلبة، تصفّح الرفيق جبران موقع الجبهة على الانترنت، وقرأ أن وزيرة الخارجية والقائمة بأعمال رئيس الحكومة تطالب العرب، أهل الوطن، بـ"ممارسة حقوقهم القومية في الدولة الفلسطينية".


شعر جبران بغصّة في حلقه: من هي تسيبي هذه؟ ما علاقتها بوطننا أصلا؟! أنا ابن جبل الديدبة، ابن الجليل الذي  يعرف رائحة التراب في بداية الخريف وكيف تختلف في نهايته، ويعرف معنى اتجاه الرياح، ويعرف السنة التي يحمل فيها الزيتون والسنة الشحيحة، ويعرف قصص قريته كوكب قبل مجيء تْسيبي وربعها، ويذكر تلك الحكاية التي نُشرت في "دليل كوكب" وقام بتوزيعه مع رفاقه قبل عدّة أشهر، وجاء فيها أن رجلا جهمًا زار قريته وكان مهيب الجانب قليل الكلام، وكيف احترمه أهالي كوكب، وبعد العشاء أرادوا سماع كلامه، فإذا به يلثغ ويقول كلامًا سخيفًا مضحكا عن حمارة دار عمّه التي أنجبت كرًا صغيرًا! فعجّ الديوان ضحكًا، هذا الضحك كان يمتدّ في كوكب من ذلك الديوان قبل مئة عام، ويواصله أطفال اليوم عند انتهاء الحكاية التي مفادها أن لا تغترّ بالمظهر الخارجي للرجال:

فيُعجبك الطرير فتبتليه     فيُخلف ظنّك الرجلُ الطريرُ

ويعرف جبران القصة التي سمعها عشرات المرّات من والده، مصطفى عبد الفتاح، سكرتير الجبهة في القرية لعدّة سنوات؛ كان يحكي له كيف أحرق الإنجليز القرية لإيوائها الثوّار، ويعرف جيدًا أن قريته صمدت وتطوّرت، واليوم هي من أجمل قرى الجليل.
اليوم جبران هو رئيس لجنة الطلاب العرب في جامعة تل أبيب، أراد إجراء تظاهرة رفع الشعارات ضدّ الوزيرة فورًا، لكنّ الطلاب يذهبون إلى بيوتهم في نهاية الأسبوع؛ إذًا لتكن التظاهرة يوم الاثنين القادم، وعلى هذا اتفق الرفاق.
مظاهرة رفع الشعارات رسالة سياسية هامّة ولكنّها لا تكفي غليلي، هكذا تمتم وهو خارج من غرفته في طريقه للعمل في شركة "السوبر فارم"، ووراء الباب في مساكن الطلبة في تل أبيب انتصبت أبيات شعر تحت صورة توفيق زيّاد:

إنكم تبنون لليوم،
       وإنا لغدٍ نعلي البناء
إننا أعمق من بحرٍ،
وأعلى
       من مصابيح السماء
إنّ فـيـنـا نـَـفـَـسًا
أطول من هذا المدى الـمـمتدّ
       فـي قـلــب الـفـضـاء

***

في منتصف العمل وجدها أمامه، دقّق نظره أكثر، التحرّكات حولها تشير أنها هي هي، المرافقون والحرّاس، المسدسات، أجهزة اللاسلكي، تزلّف الناس في تحيّتها، نعم إنها هي، خفق قلبُ جبران، هذه فرصته ليقول لها ما يجول في صدره منذ أيّام.
ولكن كيف يلتقي بها، ربّما توجّهت لدفع الحساب في مكان آخر من بين الأمكنة العشرة المعدّة للدفع- هكذا خاطب جبران ذاته وهو يشعر أن الدم يتصاعد إلى رأسه.
لم يدم الوقت طويلا، وإذا بمستشارها الشخصي يتقدّم نحوه بطيئًا وواثقًا ويطالبه أن يُحاسب الوزيرة.
نعم سيٌحاسب الوزيرة، هذا وقتٌ جيّد للحساب، أغلق عينيه والكلمات تسقط من شفتيه باردة بطيئة، في تناقض مع حرارة قلبه وخفقانه السريع: الماكنة مُغلقة، لا مجال للخدمة.
- افتحها، أجاب مرافق الوزيرة بحزم.
جبران شعر بعزّة موقفه وبثقته بنفسه تتزايدان: لا أريد خدمتها!
جواب جبران أذهل المُرافق الذي سأله باستنكار: هل تعرفها؟!
"نعم"، ضغط جبران على أسنانه، هذه وزيرة الخارجية التي طالبت قبل أيّام بطردنا من وطننا! ثمّ أردف بحزم أشدّ:

لا أريد خدمتها!


إحمرّ وجه الوزيرة، بدا الدم سيدفق من سحنتها الأشكنازية، تظاهرت بالنظر إلى السقف، ثمّ اتّجهت متعثّرة نحو مكان آخر لدفع الحساب، تاركة مرافقيها لمعالجة الشاب العربي   " الوقح".
أخذوا تفاصيل بطاقته، استدعوا المسؤول عنه في العمل الذي طلب منه على الفور بأن يترك عمله.

***

في طريقه إلى مساكن الطلبة كان قلب جبران ينبض بحرارة الموقف، وكان يقظًا، فالاحتراس واجب، هكذا كانت تدور الأفكار في رأسه وهو يتذكّر والده مصطفى الذي طُرد من جامعة بئر السبع قبل ثلاثين عامًا عند زيارة السادات الجامعة؛ رفع والده الشعارات ضدّ من طعنه في الخلف، فطردته الجامعة نهائيًا، واليوم يعمل مديرًا لمكتبة القرية.
بينما الأفكار تتسارع في رأسه، وصلته مكالمة من زملائه أن ثلاثة من جهاز "الشاباك" يسألون عنه، عن ماضيه وعن آرائه.
أغلق جبران الهاتف وعينيه تبرقان: سأتحدّى، ومعي رفاقي، ولنبدأ بتظاهرة رفع الشعارات التي سيرفعها ابن جبل الديدبة وأبناء الجليل والمثلث والنقب ومعهم رفاق درب من اليهود الديمقراطيين، سيرفعونها في قلب تل أبيب، ليحاسبوا الوزيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق