الاثنين، 20 يونيو، 2011

بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين: مـــجــــزرة كــفـــــر قـــاســـــم..





السبت 25/10/2008
في جُنح الخفاء تُحيا ذكرى مجزرة كفر قاسم، ويُسمّى ذلك إحياءً.
بدون اجتماع قطري، بدون لجنة المتابعة، بدون تنسيق ومشاورات وإعلام، بدون أحزاب، بدون دعوات عامّة وخاصّة، يقومُ أهالي كفر قاسم، وحدهم، بإحياء ذكرى مجزرة كفر قاسم.
وإمعانًا في المحلوية تبدأ المسيرة في الساعة الثامنة صباحًا، ولا يَسمع عنها الناس، حتى بعد انتهائها، إلا من خلال خبرٍ عابر بين كلمات عابرة، وإن تمّت المسيرة في بداية الأسبوع فلن تجد لها نصيبًا في صُحُف نهاية الأسبوع، أمّا الصحف العبرية فلا تُبلَّغ ولا تُبلِّغ "وكفى الله المؤمنين شر القتال". وهذا الوضع لم يكن قبل عشرين عامًا، فقبل ذلك كانت ذكرى المجزرة مناسبةً وطنية لكلّ أبناء شعبنا وللكثيرين من الديمقراطيين اليهود.
يطغى، اليوم، على إحياء الذكرى البُعدُ الشخصي، الإنساني والماضوي، وهذا مبرَّر، فالتسعة والأربعون شهيدًا من أبناء قرية صغيرة واحدة- عدا ثلاثة، وهي جرح عائلي وبيتيّ مباشر لكلّ فرد من أفراد القرية، وليس الواجب الأوّل لذوي الشهداء حملَ الهمّ السياسي، ولكن هذا هو واجب القيادة والجماهير الواسعة الغائبة والمغيَّبة كليًا عن إحياء ذكرى المجزرة ووضعها في المسار الكفاحي والمواجه للسلطة.

مجزرة كفر قاسم، ليست حدثًا عاديًا، وهي، حتى، ليست مجزرة بمقاييس عاديّة! فـتوفيق طوبي، كاشف نقاب المجزرة والمعروف برصانته السياسية، لم يجد تشبيهًا لها، في مذكّرته التاريخية، إلا بالقرية التشيكية "ليديتسية" التي أبادها النازيون. وأهالي كفر قاسم لم يُقتلوا في حادث سيْر أو نتيجة لهزّة أرضية! هم قُتلوا لأنهم عربٌ وفلسطينيّون؛ ولأنّ بقاءَهم في وطنهم خطأٌ في المشروع الصهيوني، أراد "بن غوريون" تصحيح هذا الخطأ في العام 1956 وتهجير أهل المثلّث من خلال هذه المجزرة الدمويّة، نازيّة المعالم والأبعاد، بتنظيم العمّال العائدين إلى القرية، صفًا صفّا، وإطلاق النار على صدورهم.
"بناغرة" اليوم يجاهرون في "يهوديّة الدولة" بمعنى ترسيخ "أغلبية يهودية" حتى من خلال "تبادل سكّاني" للتخلّص من أهالي المثلّث. فـ"شجرة السم لم تُقتلع بعد" كتعبير الشاعر التقدّمي مردخاي أبي شاؤول. فهل "مجزرة كفر قاسم" هي قضيّة محلوية أم هي قضيّة وطنية وديمقراطية في الصميم؟! أهي قضيّة ماضويّة أم هي قضيّة اليوم والغد؟!
إحياء مجزرة كفر قاسم يجب أن يكون سياسيًا وكفاحيًا بامتياز، وبممارسات جماهيرية تناضل من أجل اعتراف الحكومة والرأي العام الفعلي بالمجزرة والعمل على التصحيح النسبي للغُبن تجاه كفر قاسم وكل الجماهير العربية، واتخاذ خطوات فعلية من أجل مواطنة كاملة مع الاعتراف بالهوية القومية للعرب الفلسطينيين والأبعاد الوطنية لهذا الاعتراف.
حان الوقت لتلبية النداء الخمسيني لـ"توفيق طوبي"، بإقامة متحف حقيقي، وليس زاوية في مبنى عام! ويكون فعّالا بحيث يستوعب وفود عشرات المدارس الثانوية وسائر المهتمّين، يحفظ الذاكرة ويعزّز الهوية الجمعية والرواية الفلسطينية، وهو جزء من عملية "بناء الأمّة" في مواجهة سياسة تسعى للطمس والتشويه.
ربّما فات الوقت لإحياء المناسبة لهذا العام بالشكل اللائق. ولكن يجب عقد جلسة خاصّة في لجنة المتابعة لمناقشة كيفيّة إحياء ذكرى هذه الجريمة المروّعة بحيث تحمل كل الأبعاد السياسيّة.

أرادوا من مجزرة كفر قاسم الدموية تهجير المواطنين العرب، فلنجعل من ذكرى المجزرة محطة سياسيّة وكفاحية في المعركة على البقاء والحقوق، وفقط من يحترم ذاته يفرض على الآخرين احترامه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق