الأربعاء، 8 يونيو، 2011

''الخدمة القوميّة'' هي خدمة في الجيش الاسرائيلي!


''الخدمة القوميّة'' هي خدمة في الجيش الاسرائيلي!

بقلم: المحامي أيمن عودة*
السبت 12/2/2005

*عشرات الأسباب المبدئية لرفض مشروع "الخدمة القوميّة" (وتسمّى بالمدنيّة أو الوطنيّة) الذي أخذ يغزو تجمعاتنا العربية، وبقوّة*

"أنا من شارع "يوم الأرض"
من "دوّار أيّار"
ومن ساحات "صبرا" و"شاتيلا"
ومن الزقاقات التي لا تجرؤ الشرطة أن تدخلها
عندما يشتعل الناس غضب"
توفيق زيّاد في مجموعة 
من أعماله الشعريّة والقصصيّة
1994 مجموعة أنا من هذي المدينةص29
- - - - - - - -
"باسم الأمن
وحفظ الأمن
يدوس الأمنَ
رجالُ الأمن
* * *
باسم الأمن
فقدنا الأمن
وصار الأمنُ
عدوّ الأمن!" 
قصيدة "صار الأمن  عدو الأمن"
 ل"أبو الهوْل دم دم" علي عاشور
الجديد للآداب والفنون
العدد 7 تمّوز 1970 السنة 17 ص 34


بادئة:

في مطلع العام 1954 فرضت الحكومة على المواطنين العرب ضريبة الرأس (מס גולגולת) (اليهود معفيّون بسبب خدمتهم في الجيش) وبموجبها يدفع كل عربي ضريبة موحدة.
في حينه تصدّى الحزب الشيوعي بكل قوّة للضريبة الظالمة، وأقام عشرات الفعّاليات الاحتجاجية، أحداها كانت إعلان الإضراب الشهير في مدرسة عرابة البطوف الابتدائية (16.03.1954) والسيْر في مظاهرة انطلقت من المدرسة وانتهت عند الجامع باجتماع شعبي.
لم تكن السلطة لترضى بمثل هذا التحدّي فردّت عليه باعتقال تلاميذ من المدرسة، بالإضافة إلى أعضاء الشبيبة الشيوعيّة ونشرت جوًا من الإرهاب في القرية وسائر التجمعات العربية.
مشهور هو الاجتماع الشعبي الذي عُقد في ساحة القرية، وكان الخطيب المركزي فيه توفيق زيّاد. كان الاجتماع تاريخيًا من حيث الحضور والأثر، وأكّد المتظاهرون المشتعلون حماسًا: نرفض الخدمة العسكرية ونرفض بدائلها.
ولم تجد السلطة مفرًا من إلغاء الضريبة.
في تلك الأيام الخطيرة تصدى الأبطال الشيوعيون لفكرة بدائل الخدمة العسكرية، واليوم – بعد خمسين عامًا- تتجدّد الفكرة ذاتها وتلبس ثوب "الخدمة القومية" (وقد تسمّى الوطنية أو المدنية) وبدأ المشروع السلطوي بالتسلّل إلى قرانا ومدننا (يُنظر مادّة حول ذاتك في النشرة)
فهل مِن متصدٍ؟


*
*
*
من الواضح أن المؤسّسة الحاكمة قد تعلّمت من تجارب محاولاتها المباشرة لنشر العدميّة القوميّة وتفريق شعبنا بهدف السيطرة عليه وعلى مقدّراته وتنزيل سقف مطالبه والتعامل معه عمومًا بأقل "وجع رأس"، جميع هذه المحاولات باءت بالفشل فلم تعد العمالة أمرًا واضحًا ولم تعد الأحزاب السابحة في فلك السلطة ذات الشكل، وكذلك المخاتير وصحف السلطة المباشرة، هذه المحاولات بقيت كما هي في الجوهر ولكنّها لبست أثوابًا أحكم و.. أخبث.
فمن السهل أن نحارب محاولات علنيّة لضم العرب في وحدات خاصّة بالجيش، وكذلك الأمر في محاولات "ربط الحقوق بالواجبات" ضمن "الخدمة القوميّة" أو فرضها إلزامًا على جميع الشباب العرب.. ولكن الحكومة المتعلّمة من التجارب السابقة وجدت طريقًا أدهى، وهو اقتناص الشباب واحدًا تلو الآخر..
المخطّط حمّال أوجه، كلّها خطيرة، أردت أن أطرحها على الجيل الشاب ولبحث السُبُل للتصدّي له، وهي كالتالي:

المساواة حقٌ غير مشروط

* إنّ طرح فكرة "الخدمة القومية" في سياق مسألة المساواة هو أمرٌ مرفوض. فمساواتنا هي حقٌّ غير مشروط مستمَد من كوننا مواطنين. ومواطنتنا في هذه البلاد هي أمرٌ تلقائي ومشتقّة من كوننا سكّان البلاد الأصليّين.
* جماهيرنا ترفض رفضًا مبدئيًا مبدأ ربط الحقوق بالواجبات، كما يرفضه كل مجتمع ديمقراطي متنوّر، وحتى أوساط "المركز القضائي" الإسرائيلي ( يُنظر القاضي ثيودور أور، كما عبّر عن ذلك في محاضرة ألقاها في جامعة تل- أبيب في 1.9.2004.)
*
إنّ مصدر التمييز ضدّ الجماهير العربية لم يكن في يوم من الأيّام بسبب "عدم تأدية الواجبات"، لا سيّما وأنّ الدولة لم تشأ فرض مثل هذه الواجبات علينا لأسبابٍ معروفة (سأذكرها باقتضاب لاحقًا)، ويكفي أن أشير إلى القرى العربيّة الدرزيّة (والبدويّة التي يخدم ابناؤها في الجيش، تطوعًا!)، لكي يبرز الوجه البشع لحكّام إسرائيل الذين يميّزون ضدّ الجماهير العربيّة من منطلقات عنصريّة (وليس لعدم الخدمة في الجيش بالطبع) ووجدتُ تعبيرًا مناسبًا لهذه الحالة على لسان أحد الجنود العرب الذين يخدمون في وحدة قتاليّة حيث قال إن العرب الذين يخدمون إلى جانبه يقولون (היום קרבי ומחר ערבי) "هَيُوم كْرَافي فِمَحَار عَرَفي"
أي اليوم قتاليّ وغدًا عربيّ، يعاني من التمييز أسوة بباقي العرب ( روضة كناعنة، دفاتر عدالة، العدد الرابع، ربيع 2004، باسم الأمن، ص51)
* ما هي علاقة "الحقوق والواجبات" في ظل "قيام" حكومات إسرائيل "بواجباتها" الكاملة تجاه الأقليّة الفلسطينيّة، أفلا يكفي أنّها قامت على أنقاض شعبنا الفلسطيني بل وصادرت أملاكه وحرمت الأقلية الباقية من الحقوق الأساسيّة، واليوم تعكف على التخطيط لطردها من البلاد بعد إخراجها من دائرة الشرعية والتأثير؟
* ما سلبته حكومة إسرائيل من الأقليّة الفلسطينيّة يفوق أضعاف مضاعفة ما جبته أو حصلت عليه من المواطنين اليهود، فالدولة سلبت من المواطنين العرب وطنهم! بكل ما تحملها الكلمة من معاني الأرض والثروات الطبيعيّة والخير العام وتهويد المكان حتى غدا العربي في وطنه "غريب الوجه واليد واللسان"، ولذا فعند الحديث عن "العلاقة التبادليّة" بين الجماهير العربيّة والدولة، فالمطلوب هو فتح الملف التاريخي من صفحته الأولى، وليس من العام 2004 وصاعدًا.
* تؤكّد الجهات الداعمة لفكرة "الخدمة القوميّة" على أنّ الحكومة "ستعطينا" حقوقنا في حالة قمنا "بالخدمة القوميّة"، فهل هي مستعدّة أن تصرّح (حتى على المستوى اللفظي) بأنّ الحكومة "ستعطينا" حقوقنا الكاملة أي المدنيّة والقوميّة في حالة أدينا الخدمة القوميّة! هل يستطيع حتى وزير صغير أن يعد شبابنا بذلك؟ الحكومة وأعضاؤها لا يستطيعون أن يعدوا الجماهير العربيّة بذلك، حتى لفظيًا، ومع الإدراك مسبقًا بأنّه وعد بلا رصيد وذلك بسبب الايديولوجيا العنصريّة الفوقيّة للدولة وقادتها.


* من المعروف أنّ حكومات إسرائيل قد رفضت تجنيدنا في الجيش من منطلقات سياسيّة وأمنيّة، وليس تفهمًا واحترامًا لمواقفنا ومشاعرنا فهي بصراحة لا تثق بنا، ولا تريد أن نتعلّم
תורת הנשק ותורת הלחימה (أصول الحرب واستعمال السلاح) ونحن لسنا هدفًا مؤسّساتيًا لولوج بوتقة الصهر البن غوريونيّة (يُنظر مادّة مهمّة حول ذلك محاضر الكنيست 19.8.53 و 15.8.54) و (بن غوريون في اللجنة السياسيّة لحزب مباي يوم 24.7.52، أرشيف بيت بيرل) ولذا فنحن لسنا جزءًا من النقاش أو المفاوضات في بدائل لخدمة عسكريّة ترفض الحكومة مشاركتنا فيها (ونرفض نحن)، ولذلك فنحن لا نقول لهم: نحن نتفهّم رغبتكم في عدم إشراكنا في الجيش ونتفهّم عدم ثقتكم بنا ولذا فهاتوا بدائلكم!.
وهنا يجب التأكيد على أنّ المواطنين العرب يقومون بكامل واجباتهم القانونيّة كمواطنين، وبما أنّ القانون لا يفرض عليهم الخدمة العسكريّة، فهم لا يخالفونه بعدم خدمتهم ولذا فمن غير القانوني معاقبتهم على "مخالفة" لم يرتكبوها.

تجاهل تام لخصوصيّة ومواقف المواطنين العرب وقيادتهم

* من الواضح أنّ الجماهير العربيّة في هامش النقاش (كالعادة) حول "الخدمة القوميّة"، فقد بدأت فكرة المشروع في بداية الخمسينيّات بخصوص النساء الصهيونيّات المتديّنات، وانتهت بمطالبة العَلمانيّين (الأقوى من السابق نتيجة للهجرة الروسيّة العَلمانيّة بشكلٍ شبه كامل) المتديّنين بتقديم شيء للدولة، ويأتي زجّ العرب في هذا المشروع على هامش الفكرة كجزء من ترتيب المجتمع الإسرائيلي، متجاهلين الأخذ بعيْن الاعتبار خصوصيّة الفلسطينيّين الحاسمة في هذه المسألة، وأبرزها انتماءهم القومي والموقفي للشعب الفلسطيني.
* مشروع "الخدمة القومية" يصبّ ضمن مخططات وسياسة السلطة التي لم نكن جزءًا مشاركًا شريكًا فيها، وما زلنا مُقصين ومبعدين من الشراكة وحتى المشاركة الجديّة فيها بشكلٍ عام، وفي مشروع "الخدمة القوميّة بشكلٍ خاص، حيث أن الحكومة ولجنة دافيد عبري (التي عيّنت لبحث مسألة "الخدمة القوميّة) لا تشمل عربيًا واحدًا (هآرتس 4.02.2004)
* من المهم الإشارة إلى أنّنا لا نستطيع أن نشارك في ما يسمّيه أريئيل شارون "بالتوزيع المتساوي للعبء" (مؤتمر هرتسليا 2003) فدولة إسرائيل تعتبر نفسها إثنيّة وبذلك ترى بالجماهير العربيّة خطرًا ديمغرافيًا، وهي إسبارطية عسكريًا وقامعة لشعبنا الفلسطيني، وتاتشريّة اقتصاديًا قامعة جماهيرنا العربيّة، ونحن لا نستطيع أن نخدم هاتين الصيغتين أو نتساوى في حمل هذا العبء، ناهيك عن موقفنا الديمقراطي العام الذي يرى بهاتين الصيغتين بمثابة مأساة، إن عاجلا أو آجلا، للشعبين وليس لأحدهما فقط.

المشروع يقتنص الأفراد ويضرب وحدة المواطنين العرب

* مشروع "الخدمة القومية" يتعامل معنا كأفراد وليس كمجموعة، أي مَن يخدم يحصل على كذا وكذا! ومن الواضح أنّ هذا الطرح يسيء إلى نضالنا كأقليّة قوميّة لها حقوقها الجماعيّة بدون علاقة بمسألة "الواجبات" وهو سيسيء في آخر الأمر للفرد أيضًا، كونه ابن المجموعة المميّز ضدّها، فلا فصل في حالة الفلسطينيّين في إسرائيل بين الوضع الفردي والانتماء القومي لأنّه بالرغم من عدم الاعتراف بالعرب كأقليّة قوميّة، إلا أنّها تعترف بهم وتضطهدهم على أساس قومي وليس على أساس فردي.
* سياسة المشروع الهادفة إلى اقتناص الأفراد تقطع مسيرة الجماهير العربيّة لتنظيم وتدعيم ذاتها وبناء أطرها الوحدويّة، وهو أحد مشاريع الجماهير العربيّة الأكثر جِديّة والمنطلق منذ أواسط السبعينيّات وهو اليوم على شفا انطلاقة مجدّدة تواكب الأفكار المطروحة لتطوير أدوات النضال.
* يعمل هذا المشروع على ملاءمة الأفراد الفلسطينيّين (وليس المجموعة) لبرامج الحكومات التي تهدف إلى الدمج (والدمج الفردي بدايةً) بدون مساواة حقيقيّة.
* إنّ تطبيق هذا المشروع، كما يحصل اليوم من اقتناص الأفراد وليس فرض "الخدمة القوميّة" على العرب بشكلٍ مباشر هو بهدف تصنيف
الشباب (الشبان والصبايا) إلى معتدلين ومتطرّفين، ويفضي ذلك إلى التعامل معهم بـ "سيف المعتصم وذهبه"، ترغيبًا أو ترهيبًا، وعدًا ووعيدًا، جزءًا من مخطّط سلطوي، منذ الخمسينيّات، وضع فكرة "الإيجابيين والسلبيين" من خلال فرض الخدمة العسكرية (عصام أبو ريّا، خدمة قوميّة للعرب في إسرائيل، ياعر 1994، ص 13).

العقليّةالإسرائيليّة إسبارطيّة وتمجّد العسكرة دون غيرها

• يربّي المجتمع الإسرائيلي على عقليّة العسكرة التي تميّز حتى بين مجالات العسكرة ذاتها، فالفرق كبير جدًا بين الطيّار والعامل في مطبخ الجيش أو سائق الشاحنة العسكريّة ( أي تميّز بين اليهودي واليهودي)، ولعلّ أبرز المقولات تعبيرًا عن هذا الموقف تلك الصيحة المنتشية "الجيّدون للطيران" "הטובים לטייס" (وأضاف على ذلك عيزر فايتسمان "والجيّدات للطيّارين""והטובות לטייסים" بمزيج معبّر جدًا عن العلاقة بين العقلية العسكريّة وعقليّة أسياد الجواري..) هذا التصنيف والتمييز يحصل داخل الجيش الواحد، فكيف يكون التصنيف بين المقاتلين (اليهود) الذين يضحّون بأرواحهم "من أجل الوطن" وبين العرب الذين ينظّفون المراحيض (ربّما) ضمن "الخدمة القوميّة"؟! أي أن "الخدمة القوميّة" هي تكريس للعقليّة الفوقيّة والاستعلاء والتمييز والتعامل معنا كمواطنين درجة ثانية (ولعلّ أبرز تعبير لذلك ما نفثه مشجعو فريق بيتار يروشليم ضد فريق أبناء سخنين في لعبة كرة القدم بينها يوم 07.01.2005 حيث أنشدو "פאטמה תנקי שירותים" أي "فاطمة، نظّفي المراحيض"، كما أنّ تطبيق "الخدمة القوميّة" يحمل أبعادًا
رمزيّة لنظريّة المؤسّسة على لسان لوبراني "سقاة الماء والحطابين" (عوزي بنزيمن وعطا الله منصور "ديّري مشني: عربي يسرائيل فهمدينيوت كلبيهم" سكّان ثانويّون: عرب إسرائيل والسياسة اتجاههم، القدس، كتر، 1992 ص 120).
* في هذا الوقت الذي تتم فيه بلورة هيكلية جديدة لبُنية الجيش الإسرائيلي، تقود إلى تقليص فترة الخدمة النظاميّة من ثلاث سنوات الى سنتين، وتقليص عدد المجندين ضمن مشروع بناء "الجيش الصغير والحذق" (צבא קטן וחכם )، الذي وضعه دان شومرون (1987 – 1991) وتطوّر بشكلٍ جدي في فترة رئاسة براك للأركان، واليوم يُعكف على تنفيذه، ليفقد صفة "جيش الشعب"! (צבא העם) أو "شعب يلبس البزّة العسكريّة" "עם במדים".
في هذه الفترة، بالذات، تحيك الحكومة مشروع زج الشباب العرب في "الخدمة القوميّة"!!.
* بغض النظر عن فكرة "الجيش الصغير والحذق"، فإنّ نصف المجتمع اليهودي لا يخدم في الجيش لأسبابٍ شتّى ولا يعاني من التمييز (على هذه الخلفية) أبدًا (رَ مادّة مهمّة حول ذلك في هآرتس 7 أيلول 1998). كما أنّ عدد المجندين ولأسبابٍ عدّة، من المتوقّع أن يقل كلما تقدم الوقت (عصام أبو ريا، خدمة قومية للعرب في إسرائيل؟ ياعر يهود – عرب1994 ص 7 )
* "الخدمة القوميّة" هي عبارة عن توزيع مهام حسب السلّم العسكري، فاليهودي في دولة إسبارطة اليهوديّة يخدم في الجيش، وبدلا من إضاعة وقت وطاقات بعض اليهود في "الخدمة القوميّة" والتي هي حتى الآن جزء من الخدمة الإلزاميّة (فكثير من الجنود يخدمون في الداخل) فيعمل في هذه الوظيفة العرب (والذين لا يُثق بهم في الجيش للأسباب الواردة آنفًا) إذًا فهي تقسيم وظائف، فكلا الخدمتين – عمليا- جزءًا من الخدمة في الجيش الإسرائيلي.( لا مجال للخوض هنا حول فكرة تنوّع الخدمة العسكريّة وإدراج العمل الزراعي، على سبيل المثال، كجزء من مشهد صهيوني كلاسيكي للجندي اليهودي المقاتل والمزارع (القوي بالأساس) نقيض اليهودي الضعيف في أوروبا، يُذكر أن قانون الخدمة العسكرية الأوّل (1949) شمل العمل الزراعي..كتعبير عن هذه النفسيّة)
ومثال عملي على "تقسيم الوظائف" بين الخدمتين هو ما قامت به أمريكا، وبواسطة الخدمة القوميّة، من تجنيد قوّة عمل مدنيّة من أجل أعمال حيويّة للجهد العسكري (عصام أبو ريا، خدمة قومية للعرب في إسرائيل؟ ياعر يهود – عرب1994 ص 17 )
ونجد تعبيرًا صارخًا لهذا التوجّه في اقتراح قانون "الخدمة المدنيّة" الذي قدّمته مجموعة من اليسار الصهيوني وجاء فيه:" تشترط الخدمة المدنيّة لاعتبارات جهاز الأمن وتخضع لاحتياجات الجيش" (اقتراح قانون 2155004، ف\2381 اقتراح قانون الخدمة المدنيّة، 2004، مقدّم من إليعزر كوهن، أفيشالوم فيلان، ران كوهن وآخرين ص 31)
فهل نحن مستعدّون أن نكون قوّة احتياط للجيش الإسرائيلي!.

الربط بين "الخدمة القوميّة" والعسكريّة

* لماذا تشدّد الحكومة على أنّ من يطرح بدائل الخدمة العسكريّة يجب أن يكون رجلا عسكريًا!؟ (كان آخرها لجنة دافيد عبري الجنرال ورجل المخابرات)؟ قد يكون الجواب على ذلك أنّ الكثير من الشخصيات المركزيّة في إسرائيل هي شخصيات عسكريّة (حاليًا أو في السابق) ولكن في هذه الحالة التي يجري فيها الحديث عن "بدائل" فلماذا لا يعدّ المشروع شخصيات مهنية في التربية والرفاه وعلم الاجتماع؟ ولماذا يكون الوزير المعالج لهذه المسألة هو وزير "الأمن (موفاز اليوم) ويكون الجهاز المعد لتطبيق "الخدمة القوميّة هو "مجلس الأمن القومي" (هآرتس 04.02.2004) ولماذا التشديد على كلمة خدمة (أبعاد كلمة شيروت (שירות) بالعبريّة أقوى من كلمة "خدمة" بالعربية وهي تفيد الطاعة والانضباط والجيش..ولا تستخدم كلمة أرقى مثل התנדבות
(تطوّع) والسبب واضح هو أنّ الحكومة مصمّمة على الربط بين الجيش وبدائله.
وإذا بقينا في عالم المصطلحات فيكفي أن أذكّر بالعنوان "خدمة قوميّة"! أو "وطنيّة"! أو "مدنيّة" فلأي قوم تكون الخدمة؟ للشعب اليهودي صاحب الدولة الأوحد؟! أم هي خدمة للوطنيّة الإسرائيليّة! أم هي خدمة مدنيّة في دولة غير مدنيّة وترفض تعريف نفسها بدولة مدنيّة؟! من الواضح أنّ الحكومة تعيد إلى الجماهير العربيّة لغة الحكم العسكري البائد والتي تمحو هويّتها وانتمائها وقامتها.
وتجدر الإشارة هنا أن بعض الأوساط التي تعمل على فرض "الخدمة القوميّة" قد طالبت بتغيير الإسم من "خدمة قوميّة" إلى "مدنيّة" (هآرتس 04.02.2004) من أجل تسهيل عمليّة هضمها كجزء من الخطّة "المحكمة"، ولكن المشروع يبقى ذات المشروع.
* ثًمة جهات ترى في "الخدمة القوميّة" خطوة أولى نحو التجنيد في الجيش، وتذكر ذلك بشكلٍ واضح (يُنظر إلى تقرير "لجنة لبيد" ص 12) ومن الواضح أنّ "من يهن يسهل الهوان عليه" وعند اجتياز الخطوط الوطنية الحمراء فيسهل اجتياز باقي الخطوط، وعندها فالعربي الذي يخدم بالجيش سيطالَب (أو بالأحرى يؤمر) بالقيام بالمهمّات السوداء، فعندها هل سنطالب بالمساواة التامّة في.. جيش الاحتلال؟!، ولذا فلا قرار لهذا المستنقع.
الالتزام في أطر يُطلب منها القمع أحيانًا
• ثمّة إشكاليّة حقيقيّة وعميقة في العمل ضمن أطر تستوجب الالتزام في دول قمعيّة، فليس صدفة أن يرى الفكر الماركسي بالشرطة في الدول الرأسماليّة قبضة الحكومة ضدّ العمّال ونقابات العمّال، وهل نتصرّف كأحرار، فكرًا، إذا خدمنا في هذه الأطر الإلزاميّة؟! وقد بيّن الفيلسوف والمؤرّخ ميشيل فوكوأنّ مفهوم القوّة الذي يحكم مؤسّسة ما يتحكّم بوعي أفرادها أيضًا. وهذه مسألة مهمّة جدًا فمن الواضح أن الشرطي اليهودي يستطيع أن ينتخب "موليدت" و "إيحود لئومي" بينما المجنّد العربي لا يستطيع أن يكون – بشكل عام- جزءًا أو حتى منتخِبًا للأطر الوطنيّة (أي حتى على مستوى الرأي مع العلم أنّه يمنع من الإدلاء بموقفه السياسي، ومثال جيّد على النفسيّة المقموعة في هذه الأطر هي أنّ
ضمن مئات رافضي الخدمة أو منفذي الأوامر في الجيش الإسرائيلي قد لا تجد عربيًا رافضًا!! وهو قد يرفض فكرة الخدمة في الجيش قبل دخوله، ولكن بعد ذلك تراه منصاعًا تمامًا وذلك بخلاف بعض اليهود! وقد نتساءل، لماذا لم يستقل أي شرطي عربي من الشرطة في أحداث أكتوبر 2000 وهي (وليس الجيش) قتلت الضحايا الـ13 العرب؟! لأنّهم مقموعون.

أين نخدم؟

* أين نخدم؟ هل في قرانا المعدومة من المؤسّسات المدنيّة والحكوميّة ومن المرافق والخدمات العامّة؟ أم في المجمعات اليهوديّة العامرة بهذه المنشآت والمؤسّسات؟ أين سيخدم 2000 شابٍ من مدينة سخنين مثلا؟ هل في كرميئيل؟ أم أنّ الحكومة تعرف هذه المسألة ولذا تهدف إلى اقتناص أفراد! ولذا يحق لنا أن نسأل سؤالا (هو في الحقيقة استنكاريّ): أين نخدم؟

المؤسّسة تعادي الجيل الذي تطلب منه الخدمة

* نتيجة التمييز المنهجي والذي يطال الشباب العرب بشكلٍ كبير تزداد نسبة البطالة (أوّل 30 تجمّع منكوب بالبطالة هي تجمّعات عربيّة!) وبدلاً من إيجاد عمل لهؤلاء الشباب يُزجّ بهم في أعمال السخرة أو ما يسمّى "بالخدمة القوميّة"، وهم بدورهم يخرجون الشباب الذين يعملون بأجرة! فإذا كان هناك من يعمل العمل ذاته تطوّعًا فما الحاجة إلى عمّال بالأجرة! وهذا ما حدث في "غفعات أولغا" على سبيل المثال (هآرتس 16.12.2003)
* تعكف الحكومة على وضع العراقيل في وجه الطلاب العرب، فبعد إلغاء طريقة احتساب معدّل الطالب (المتسراف) والذي زاد من عدد العرب في الجامعات نتيجة إمكانية تحييد امتحان البسيخومتري المعيق للعرب، بادرت المؤسسات التعليمية إلى رفع
جيل القبول للجامعات من 18 إلى 20 سنة، وقد أقرّ العديد من المواضيع، وذلك بالرغم من أن الدول الأوروبية تتبنى اليوم فكرة تخفيض جيل القبول.
من
أنّ المتضرّر الأول والأخير من هذه السياسة المنهجية هو الطالب العربي، فماذا يفعل من جيل 18 – 20، إمّا أن يعمل وإمّا أن يكون عاطلا عن العمل، وربّما يفقد الجاهزيّة للتعليم، وإمّا أن يهاجر! فبالإضافة إلى الأعباء العديدة التي تواجه الشاب العربي داخل إسرائيل، فإن فكرة "الخدمة القوميّة" التي تنتظره بعد انهائه التعليم الثانوي ستضيف عليه عبئًا ثقيلا. وبعض هذه الأعباء ناتجة عن شعور العربي بأنّ دولة إسرائيل ومؤسّساتها ليست له ومستقبله غير مضمون، وتجدر الإشارة إلى أن أحد الأهداف لفكرة فرض الخدمة العسكرية على العرب في الخمسينيّات كانت لدفعهم لمغادرة البلاد (عوزي بنزيمن وعطا الله منصور "ديّري مشني: عربي يسرائيل فهمدينيوت كلبيهم" سكّان ثانويّون: عرب إسرائيل والسياسة اتجاههم، القدس، كتر، 1992 ص118 )

نتشبّث بالموقف الديمقراطي

* يجب أن لا نخدم في "الخدمة القوميّة" لأنّنا نحمل رسالة للمجتمع الإسرائيلي بأسره، وهي رسالة ديمقراطيّة في جوهرها ترفض تمجيد عقليّة العسكرة، كما ترفض عقليّة خدمة الدولة بهذه الطقوس الوثنيّة (ربّما كانت "الاولمبيادة الأخيرة فرصة لمشاهدة هذا الطقس عند الحديث عن ممثّل الدولة والفخر للدولة، ولكن الأنكى من ذلك عند الحديث عن الدولة داخليًا فهذا "كشك الدولة" والآخر "مقصف الدولة" (يبيع فلافل مثلا) وهذه "جريدة الدولة" وتلك "مسابقة الدولة" وهي مسابقة خاصّة غير رسميّة).
نحن أقليّة قوميّة تمسّكت منذ اليوم الأوّل بالفكر الديمقراطي المتنوّر وتهدف، بدون تصغير أكتاف، إلى إشاعته في مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي وليس التماشي بحسب طقوسه الوثنيّة، والتي يعود جزء منها في هذا السياق إلى فكرة "الدولة اليهوديّة""מדינת היהודים" ومنها القيمة العليا لكلمة الدولة "המדינה" وبالتالي "خدمة الدولة" "שירות המדינה".

نعم للخدمة القوميّة والوطنيّة والمدنيّة

*
نحن لا نهاب التطوّع ولسنا انتهازيّين أو طفيليّين في المجتمع وعالة عليه، بل نحن الذين ندعو جماهيرنا إلى التطوّع أكبر وقت ممكن وعلى مدار حياتهم كلّها (وليس لثلاث سنوات فقط) ولذلك فنحن دعوناهم وندعوهم للقيام بأعظم خدمة قوميّة ووطنيّة ومدنيّة كالتي كانت تقوم بها بلديّة الناصرة بقيادتها الجبهويّة، وكانت الحكومة تقوم... بقمعها! وندعوهم إلى القيام بمظاهرات ضد سياسة الحكومة العنصرية وإعادة أيّام العمل التطوّعي والقيام بمختلف النضالات الوطنيّة (التطوعيّة) في معركة تطوّعيّة مفتوحة حتى انتزاع الرمق الأخير من عقليّة "الخدمة القوميّة".

النضال أصدق إنباءً..

• الحل الوحيد هو النضال ثمّ النضال ثمّ النضال وأهم وأشرف درجات النضال هو النضال الجماهيري، فقد أثبتت تجارب الشعوب ومنها تجربتنا داخل إسرائيل أنّنا لم نحصل على أي انجاز إلا بالنضال، كما أثبتت التجربة أن العلاقة طرديّة بين النضال الوطني والنضال المدني، فحيث يوجد نضال ومواقف وطنية واعية يوجد تقدّم على المستوى الحياتي اليومي وهذا واضح تمامًا بعد مقارنة سريعة في قرانا ومدننا، (والتجربة تعلّمنا أنّ المناضلين وطنيًا هم نفس الأشخاص المناضلين مدنيًا وحياتيًا) ولذا فإنّ "الخدمة القوميّة" هي بالإضافة إلى تشويه انتماءاتنا، تكريس لوضعنا المدني والحقوقي الدوني.
__________________

اقتراح عملي

أقترح أن تُعِدّ الهيئات القطريّة عريضة رفْضٍ لهذا المشروع الزائف والمزيّف يوقّع عليها الطلاب الثانويّون (الاقتراح عملي جدًا كوْن عدد المدارس العربية الثانوية يكاد يصل إلى المائة مدرسة، فيكفي وجود طالبين في كل مدرسة، منها أو مبعوثين إليها، ليقوموا بتوقيع الطلاب ساعة واحدة قبل بداية الدروس). وأهميّة المشروع تكمن في أخذ الشباب زمام المبادرة بأيديهم وتفاعلهم بشكل جماعي مع قضاياهم، وهي رسالة واضحة من جميع الطلاب العرب (الجيل المهدّد "بالخدمة القوميّة") إلى حكومة إسرائيل أنّهم يرفضون هذه الحلول الزائفة والمراوغة ويناضلون من أجل حقوقهم الكاملة وغير مشروطة.
* * *
قبل خمسين سنة بالتحديد ناضل الشيوعيون ضد بدائل الخدمة العسكريّة (ضريبة الرأس) وشهيرة هي قضيّة أو بالأحرى قضايا، السجن والتعذيب والمحكمة والسابقة القانونيّة لتوفيق زيّاد المصلوب في طبريا وفي وطنه، ثمنًا "للجريمة" التي ارتكبها في اجتماع عرابة البطوف..
أكتب هذا ليس ذكرى لأبطال وحسب، بل للإشارة إلى مدرسة يجب المضي فيها وتطويرها، مدرسة الكرامة والحقوق، المدرسة التي تنتزع الحقوق وبكرامة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق