السبت، 18 يونيو، 2011

النُخَب ليسوا عنوانًا! أو "لازم نشوف مشاكلنا الحقيقية"


في الذكرى الـ37 لوفاة عبد الناصر

النُخَب ليسوا عنوانًا! أو "لازم نشوف مشاكلنا الحقيقية"





أيمن عودة

في عيد الثورة المصرية عام 1959 بيّن الرئيس جمال عبد الناصر دور الصحافة بقوله: "الصحافة بتهمل العمل اللي ناس بعملوه.. العامل اللي بعمل.. مهتمين جدًا بإخواننا العاطلين بالوراثة... إحنا النهاردة عايزين الرجل اللي شايل شوال والرجل اللي بنى مصنع... ولكن ما ينشر في الصحف شيء لا يمثل هذا المجتمع الاشتراكي اللي احنا عايزين نبنيه.. طبعًا ممكن الكلام ده بنوقفه بالاوامر ولكن مش حنوقفه بالأوامر، لازم يقف بالوعي".
في بداية الستينيات اجتمع ناصر بمجلس إدارات الصحف وقال لهم: "هذا هو الموضوع الأساسي، المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، المجتمع الذي نريد أن نبنيه. هذا المجتمع هو بالقطع مش مجتمع القاهرة... ولا السهرات بتاع الليل... بلدنا هي كفر البطيخ، القرية، أيّ قرية... اللي عاوز يكتب عن بلدنا يروح هناك... لازم نشوف مشاكلنا الحقيقية".

* * *

هاتان المقطوعتان تمثّلان بجدارة انحياز النظام الناصري الصميمي للطبقة العاملة الذي تجسّد بشكل قاطع في قوانين 1961 الاشتراكية التي أُقرّت تتويجًا لتراكم الوعي الناصري وفكر ثورة يوليو التي استندت إلى مبادئ عُمّالية ستّة أبرزها القضاء على الإقطاع وإقامة عدالة اجتماعية، وقد أََقرّت الثورة قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمر 1952 (أي بعد 50 يومًا من الثورة فقط) وحسبنا إلقاء نظرة خاطفة على تصريحات عبد الناصر في منتصف الخمسينيات لنرى صورة لا لبس فيها عن الانحياز الصادق للعمّال والكادحين. ومن هذه التصريحات:

- "لن يكون الفقر إرثًا.. والغنى إرثًا والجوع إرثًا.. والشبع إرثًا.. والنفوذ إرثًا"
- "لن ننام على ذلّ اجتماعي".
- "لقد قامت الثورة لتدافع عن الفلاح والعامل".
- "ثورتنا اجتماعية وسياسية واقتصادية".
- "ان توزيع الأرض على الفلاحين هو الدعّامة الأولى للثورة ولأهداف الثورة ولآمال الثورة".
- "لقد قمنا من أجل ثورتين: ثورة سياسية وثورة اجتماعية.. ولا يمكن أن نقبل انتكاسا لأحدهما"
- "من أجل هؤلاء سنطبّق العدالة الاجتماعية وسنقيم نظامًا اشتراكيا يُعطي كل ذي حق حقّه"

وقد وُظّف الإعلام بقوّة من أجل زرع القيم الاشتراكية في وجدان الشعب المصري، وأشير هُنا إلى بعض مقاطع الأغاني الوطنية مثل: "ثورتنا المصرية أهدافها الحرية وعدالة اجتماعية" (أغنية "ثورتنا المصرية") أو "وانت يا عامل وانت يا فلاح خلّيك صاحي إوْعى تنام.. أدّي ما تدّي (بقدر ما تعطي) أدّي ما تاخذ أدّي ما تضحك لك الأيام(إغنية "صورة") أو "وبقِرْش الإدّخار نتحدّى الاستعمار ونقيم جدار جبّار يحمي حياة العاملين" (أغنية "يا أهلا بالمعارك") أو "وان خدت (أخذت) المركز جاه ولعبت اللعب اياه ولا همك غير مصلحتك وظلمت فـ خلق الله حنقولك يا عديم الاشتراكية" (أغنية "بلدي")

* * *

عبد الناصر زاوج التصريحات والدعاية المكثّفة للمجتمع الاشتراكي بالانجازات الحقيقية كالتصنيع وتمصير الشركات الأجنبية والتعليم المجاني وبناء السد وكهربة الريف وغيرها الكثير التي لا مجال لذكرها هُنا.. وكذلك المساهمة الفعالة والحاسمة في تحرير عدّة بلدان عربية، وكذلك التحالف مع الاتحاد السوفييتي وبناء دول عدم الانحياز التي اتبعت الحياد الايجابي وعادَت أمريكا والدول الغربيةـ وباختصار شديد يكفي ذكر احصاء رسميا بيّن أن 90% من الشعب المصري كان من الحفاة قبل الثورة وأن نسبة الأمية تجاوزت 90% وغيرها من المعطيات المذهلة لنبرز مدى القفزة المعنوية والماديّة الجبّارة التي قفزها الشعب المصري والشعوب العربية أبّان المرحلة الناصرية.
المقال ليس مخصصًا لذكر الانجازات الناصرية، ولكنّه تذكارٌ للأجيال الشابّة التي لم تعش الحلم ولم تعش الخيبة، التي تعمل أمريكا وحلفاؤها الساداتيون ويعمل الإخوان المسلمون بمختلف أسمائهم على تشويهها، ويعمل القوميون النّخبيّون على حذفها عن مسارها الاشتراكي الشعبي. المقال جاء ليؤكّد للمرّة الألف أن الطرح الذي يحمل همّ الناس ستحمله الناس وتخوض المعارك وتقدّم التضحيات الجسام أو كما قال عبد الناصر: " إذا وَجَد إنّك بتناضل في سبيل مشاكله الحقيقية.. تجده على طول جُند ليسير معك في الثورة ويؤمن بها" (1966).
أكتب هذا لأؤكّد أن البديل لأنظمة التواطؤ مع امريكا ولمرتدين الجلباب الديني من السياسيّين هو النظام الوطني سياسيًا والمتنوّر اجتماعيًا والذي لن تقوم له قائمة إن لم يعتمد التجربة الناصرية مستخلصًا العبر منها بانجازاتها الرائعة وبخيباتها التي لا نغفل عنها.
وحسبنا نحن الفلسطينيين أن الثورة المصرية قامت – من مجمل مسبّباتها- ردًا على نكبة فلسطين وأن ألوف المصريين استشهدوا من أجل شعب فلسطين وقضيّته في المعارك المختلفة، من السويس إلى النكسة إلى الاستنزاف، وأن عبد الناصر استشهد وهو يحقن الدم الفلسطيني النازف في عمّان، فكيف لا نحفظ العهد، عهد جمال عبد الناصر، الإنسان والمرحلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق