الاثنين، 20 يونيو، 2011

وتبقى الناصرية أبهى مراحل العصر العربي الحديث




الأثنين 23/6/2008

* لا يستطيع الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية أن يستمرّ في لعب دور الذي يتجنّب فيه الاختلافات والنقاشات الفكرية والحزبيّة ليحظى بأكبر اجماع، بينما نائبه الشيخ خطيب هو ذراع الحركة بالهجوم المنفلت على الحركات والمؤسسات التقدميّة *

في حزيران يحبّ الشيخ كمال خطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية، أن يكتب عن مناسبتين، الأولى "فتح القسطنطينية" قبل مئات السنين (وبالتحديد قبل 555 سنة) والثانية هزيمة حزيران 1967، وقبل أسبوع تصفّحت "صوت الحق والحرية" و"الصنارة" فإذا به يكتب عن فتح القسطنطينية متجاهلا هزيمة حزيران، فوجدتني أبتسم "وين الدنيا ووين أهلها، ولكن هذا أفضل من الطعن في عبد الناصر والناصرية كما عوّدنا"، ولكنه لم يطق صبرًا طويلا، ففي الأسبوع الذي تلاه خصّص مقاله للطعن الأعمى ضد عبد الناصر والناصرية مستخدمًا نكتًا غير ظريفة وغير مضحكة ومستوردة بأغلبها من أمريكا وعملائها ليتشفّى بعبد الناصر والناصرية، وبلغ به التشفي بهزيمة حزيران إلى أن يقول: "نعيش في رحاب ذكرى نكسة الخامس من حزيران 1967 (أنظروا إلى كلمة "رحاب" وكأنه يتحدّث عن ذكرى عطرة!- أ.ع) والتي رفعت فيها بعض الأنظمة شعارات برّاقة كالقومية والثورية والاشتراكية في الوقت الذي أعلنت فيه هذه الأنظمة الحرب على دين الأمة وحضارتها وعقيدتها وكل من دعا إلى المشروع الإسلامي، فكانت خيبة هؤلاء وخزيهم حين مرّغت إسرائيل كرامة الأمة كلّها في التراب"، وتحسب أن استشراقيًا يتحدّث بمنتهى التشفّي، وهل أصبحت إسرائيل هي الردّ والقضاء والقدر على الأنظمة التي "أعلنت الحرب على دين الأمّة"؟! ويواصل الكتابة عن كراهية الشعب المصري لعبد الناصر في الستينيات، متجاهلا أكبر المظاهرات الشعبيّة في التاريخ الحديث ردًا على خطاب التنحّي في أحلك الظروف، وجنازة عبد الناصر التي أغرقت شوارع العالم العربي، ولم تقفز عن قرانا، وفاءً وعهدًا للقائد والمرحلة.
الشيخ خطيب كان قد وصف عبد الناصر بأقذع الألفاظ كـ"القزم وأنذل القوم وأرذلهم"، هكذا بالحرف الواضح، والحقيقة أنني تردّدت هذه المرّة: هل أردّ عليه، ام تجاهله؟ خاصّة أنني رددت عليه في الموضوع ذاته قبل عام، ولكن أمريْن حسما تردّدي: الأوّل، أن المرحلة الناصرية هي التجربة الأهم عربيًا في التاريخ الحديث، وناصر أبرز الرموز الوطنيّة على الإطلاق والطعن بهما بهذا الشكل الحاقد هو خدمة مباشرة لمؤسسات أمريكا وإسرائيل والنظام العربي الرسمي وهو تشويه فظ للتجربة الأهم التي يجب أن تُنقل للأجيال الشابّة بشكلّ نقديّ بنّاء، والثاني أن كمال خطيب نائب رئيس حركة إسلامية ليست هامشية ولها مؤيّدون، وأن السكوت عنّ ترّهاته يمدّه في عبثه؛ والحقيقة أن الإشكاليّة هي في قلّة الذين يردّون على تشويهات قيادة الحركة الإسلامية ضد من يختلف معهم وليس في ضرورة الردّ عليهم.
وعندما أقول التجربة الأهم في التاريخ الحديث، أقصد هذه التجربة التي جمعت بين العزّة القومية في مواجهة المستعمر والانفتاح على الشعوب المستضعفة والتحالف معها ضدّ امريكا والبعد الطبقي الصميميّ والبعد الاجتماعي في العلاقة بين المرأة والرجل وسائر القضايا الاجتماعية والانجازات الماديّة الحقيقيّة.
ويكفي أن أذكر عن صدق وصميميّة البعد الطبقي أن مبادئ الثورة الستّة استندت الى أربعة مبادئ طبقيّة، وأن قانون الإصلاح الزراعي الثوري والشهير قد طبّق  في 9 سبتمر 1952، أي بعد 50 يومًا من الثورة فقط، وهذه معجزة نظرًا الى تلك الظروف وتدلّ على الانحياز البنيوي والحقيقي للعمال والفلاحين، وكم تهزّ كلَّ حرّ صدقُ الكلمات التي وجّهها في عيد الثورة (1959) إلى الصحفيّين: "الصحافة بتهمل العمل اللي ناس بعملوه.. العامل اللي بعمل.. مهتمّين جدًا بإخواننا العاطلين بالوراثة... إحنا النهاردة عايزين الرجل اللي شايل شوال والرجل اللي بنى مصنع" ويقول في موضع آخر  "هذا هو الموضوع الأساسي، المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، المجتمع الذي نريد أن نبنيه. هذا المجتمع هو بالقطع مش مجتمع القاهرة... ولا السهرات بتاع الليل... بلدنا هي كفر البطيخ، القرية، أيّ قرية... اللي عاوز يكتب عن بلدنا يروح هناك... لازم نشوف مشاكلنا الحقيقية". وفي العام 61 طبّق القوانين الاشتراكية- وهي ثورة شجاعة وعميقة بكلّ المقاييس.
نحن نتحدّث عن مرحلة تماهى فيها الشعب المصري مع هموم الأمة العربية في معركتها ضدّ الاستعمار وعملائه، وأرسل عشرات ألوف الجنود المصريين إلى اليمن ومساندته الفعلية في تحرير الجزائر وتونس وليبيا، وصداقته مع الاتحاد السوفييتي ودول عدم الانحياز في مواجهة أمريكا التي كرّر فيها قولَه: "بالحقيقة والمنطق والدليل فأمريكا، أمريكا، أمريكا هي عدوّنا الأكبر".

نحن نتحدّث عن مرحلة زاوجت بين الكرامة الوطنية وتحقيق الانجازات المادية الملموسة كتأميم قناة السويس وتمصير الشركات الأجنبية والتعليم المجاني وبناء السدّ العالي وكهربة الريف وبناء مصانع الحديد والصلب وغيرها الكثير، ويكفي ذكر احصاء رسميّ بيّن أن 90% من الشعب المصري كان من الحفاة قبل الثورة وأن نسبة الأمية تجاوزت 92% وغيرها من المعطيات المذهلة لنبرز مدى القفزة المعنوية والماديّة الجبّارة التي قفزها الشعب المصري والشعوب العربية أبّان المرحلة الناصرية، وهي القفزة الأكبر من الانجازات الماديّة الملموسة في العصر العربي الحديث قياسًا بالظروف المصريّة العسيرة.
نحن نتحدّث عن مرحلة صنعت الوحدة الوطنية الكفاحية والنسيج الاجتماعي المتماسك بين المسلمين والمسيحيين والدروز، المرحلة الأرقى من حيث العلاقة الطبيعية والإنسانية بين المرأة والرجل، المرحلة الأرقى في الأدب والشعر والصحافة والموسيقى والغناء والمسرح والسينما، وهل تأتى القفزة الفنيّة دون الكرامة الوطنيّة؟!
وحسبي أنا الفلسطيني، أن الثورة المصرية كانت الردّ القومي على نكبة فلسطين، أو كما قال ناصر: "في الفالوجة وُلدت فكرة الثورة المصرية" وقد قدّمت مصر عبد الناصر آلاف الشهداء على مذبح فلسطين، وقد قضى القائد الكبير وهو يحقن الدمّ الفلسطيني في أيلول 1970، فأي فلسطينيّ جاحد هذا الذي يتهجّم على ناصر؟!

أكتب هذا لأؤكّد أن الخروج من بين كّماشتي جورج بن لادن وأسامة بن بوش هو تحالف القومي المتنوّر مع اليساريّ، وهما المعادين للمشروع الأمريكي وهما المتقدّمين اجتماعيًا، وأن أي انطلاقة للعالم العربي لن تتحقّق إن لم تعتمد التجربة الناصرية، وأن تأخذ من ايجابيّاتها، وهي الأساس، وأن تتعلّم من أخطائها التي لا نَغفل عنها، وأن من حقّنا على الأجيال الشابّة التي لم تعش الحلم ولم تُطعن بخيبته، أن لا نحقنها أننا أمّة مقهورة منذ مئات السنين، بل إننا حقّقنا انجازات حقيقيّة، مرحلة من الكرامة والانجازات، وإذا كانت مناهج التعليم الإسرائيلية تتجاهل الحقبة الناصرية عن سبق إصرار وتخطيط لتُنشئ أجيالا لا يعرفون إلا النزر اليسير والمشوّه عن تلك المرحلة، فإنّ كمال خطيب قد تجاوز مناهج التعليم الإسرائيلية وانضمّ الى جوقة أمريكا والساداتيين و"الليبراليين الجدد" وغالبيّة الحركات الإخوانية التي تريد أن تطعن في المرحلة الناصرية بتناغم مخيف، معادٍ لشعبنا ولشبابه.
وهنا أريد أن أضع "مبدئية" و"جرأة" الشيخ كمال خطيب على محكّ، فما لك لم تهاجم أنظمة الخليج العميلة باسمها، وأطرح امامك تحدٍ أن تهاجم النظام السعودي العميل والرجعي بكلمة واحدة، والذي تختلف معه، أنت، حتى عقائديًا، أم أنّك لا تجرؤ؟ أم أن مصالحك المتعدّدة تمنعك؟ هيّا أجب يا شيخ!

* همسة للشيخ رائد صلاح


لا يستطيع الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية أن يستمرّ في لعب دور الذي يتجنّب فيه الاختلافات والنقاشات الفكرية والحزبيّة ليحظى بأكبر اجماع، بينما نائبه الشيخ خطيب هو ذراع الحركة بالهجوم المنفلت على الحركات والمؤسسات التقدميّة، فإذا كان الصوتُ صوتَ الشيخ خطيب فاليدان يدا الحركة الإسلامية، والشيخ رائد صلاح يجب أن لا يختبئ وراء نائبه خطيب، آن الآوان للحركة الإسلامية والشيخ رائد صلاح ان يستنكرا هذه الأقوال – ولا أظنّهما فاعلان –  فهذه مواقفهما التي يجب أن يعرفها شعبُنا الطيّب والأصيل الذي عشق عبد الناصر ومرحلته، وآن للعبة تقاسم الأدوار أن تنتهي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق