الاثنين، 20 يونيو، 2011

بين "حل الدولتين" و "حل الدولة الواحدة"









السبت 24/10/2009

المتصفحون الكرام،

ننشر، فيما يلي، الدراسة الثانية التي قام بهذا سكرتير الجبهة أيمن عودة، حول: "بين "حل الدولتين" و "حل الدولة الواحدة". وهي مادّة تنشر الآن في ستّ حلقات في صحيفة "الاتحاد"، لذا فهي مادّة طويلة لأنها تهدف إلى تقديم موقف جبهوي شامل ومؤسس لموضوع الدراسة. ونحن في موقع الجبهة ننشر هذه المادّة ونخزّنها من أجل أن تكون بمتناول المتصفحين أطول وقت ممكن، ولإثارة النقاش حول هذه القضايا الهامة.
"إدارة الموقع"


( 1 – 6)

* مقدّمة:
إن طرح فكرة إقامة "دولة واحدة" في فلسطين التاريخية، وبأشكال دستورية مختلفة ليس طرحًا جديدًا، ولكنّه طفا على السطح مؤخرًا، على خلفية التنكّر الإسرائيلي لاستحقاقات "عملية السلام" وزرْع وقائع على الأرض أبرزها المستوطنات والجدار العنصري العازل والتهويد الحثيث لمدينة القدس، واختلاق "مرجعيات" تفاوضية عوضًا عن المرجعيات الدولية، وحالة الانقسام الداخلي الفلسطيني منذ حزيران 2007.
ألفكرة جديرة بالنقاش لثلاثة أسباب: أولا: استنادها إلى فكرة أخلاقية مفادها وحدة أرض فلسطين التاريخية وإيجاد حلّ ديمقراطي، جذري ونهائي للشعبين. ثانيًا، جِديّة طارحي الفكرة من مُفكرين وسياسيين وحركات سياسية وفكرية. وثالثًا، أبعاد هذه الفكرة التي أراها، من وجهة نظري، خطيرة على القضية الفلسطينية. وهذا ما سأبيّنه في الدراسة التي قسّمتها إلى ثلاثة أجزاء:
- الجزء الأوّل يتناول الخلفية التاريخية للدرب الطويل والمتعرّج الذي اجترحه الشعب
    الفلسطيني إلى أن رسا عند معادلة الدولتين.
- الجزء الثاني يطرح إدعاءات مؤيّدي الدولة الواحدة، ومن ثَم ناقدًا وناقضًا لها.
- الجزء الثالث يبحث في الإجابة على سؤالين شائكين في هذا الصدد: الأوّل هو مصير قضيّة اللاجئين في ظلّ "حل الدولتين"، والثاني هو مدى إمكانية إقامة الدولة الواحدة بعد تحقيق فكرة الدولتين.
____________


ألجزء الأوّل:

ألمسيرة السياسية الفلسطينية
من "حلّ الدولة الواحدة"  إلى "حلّ الدولتين"


* نشوء فكرة الدولة الديمقراطية
إن جذور فكرة الدولة الديمقراطية المستقلّة الواحدة أو العَلمانية أو الدولة ثنائية القومية لدى الفِلسطينيين، نشأت قبل قيام دولة إسرائيل لدى "عصبة التحرّر الوطني" (الشيوعيين الفلسطينيين العرب) التي طالبت بإقامة دولة ديمقراطية عَلمانية على كافّة الأراضي الفلسطينية، بينما الحزب الشيوعي الفلسطيني (وأعضاؤه من الشيوعيين اليهود فقط) فقد طالب بإقامة دولة ثنائية القومية. والفرق بين الطرحين واضح، وهو أن الشيوعيين اليهود قد رأوا بالسكان اليهود في فلسطين مجموعة قومية في طور التكوّن والحلّ الأمثل هو إقامة دولة ثنائية القومية، بينما الشيوعيون الفلسطينيون اعتبروهم مجموعة سكانية لم تستوفِ شروط تعريفها كمجموعة قومية، لذا فالحل الأمثل هو إقامة دولة علمانية ديمقراطية.
وليس أدلّ على موقف "عصبة التحرّر الوطني" من الكرّاس الذي أعدّته كرسالة شاملة إلى حكومة بريطانيا ورئيس وزرائها المستر إتلي بعنوان "العقدة الفلسطينية والطريق إلى حلّها"1 وفيه طرحت "العصبة" موقفها بشأن الدولة الديمقراطية المستقلة لسكان فلسطين جميعًا.
وكذلك مذكرة "العصبة" إلى الأمم المتحدة المُوجّهة إلى لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، وعُرفت بإسم "طريق فلسطين إلى الحريّة".2
وتجدر هنا قراءة موقف الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي اقتصرت عضويّته على الشيوعيين اليهود، حيث مَثلَ أعضاؤه أمام لجنة التحقيق الدولية ولم يعرضوا موقفهم المؤيّد للدولة ثنائية القومية وحسب، وإنّما فَصّلوا موقف الحزب الداعي إلى "حقوق متساوية لكلّ مواطن" و"حقوق متساوية للشعبين" وإقامة برلمان بمجلسيْن: مجلس للنوّاب يُنتخب ديمقراطيًا على قاعدة التمثيل النسبي، ومجلس قوميات (أو شعوب) يتمّ انتخابه ديمقراطيًا على القاعدة الإقليمية، ويضمّ 50% من اليهود و50% من العرب. ورغم أن "العصبة" لم توافق على هذا الحلّ باعتباره يُعرِّف اليهود كشعب، إلا أن موقفها الداعي إلى حلّ ديمقراطيّ يكفل الحقوق للسكان اليهود، كان طرحًا متقدمًا ومتحديًا لكلّ ما هو سائد.


* ألقيادة الفلسطينية بُعيْد النكبة

بعد النكبة وقيام دولة إسرائيل على مساحة 78% من أراضي فلسطين، وتشريد 800 ألف فلسطيني إلى الدول العربية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقّه في تقرير المصير، وإلحاق الضفّة الغربية بالمملكة الأردنية وقطاع غزّة بمصر، اختفت القيادة الفلسطينية، سوى محاولة لإقامة "حكومة عموم فلسطين" في غزّة، هذه المحاولة لم تحصل على اعتراف الدول العربية ولم تعمّر إلا شهورًا، وكذلك وجود إسمي على شكل يافطة في لبنان بعنوان مكاتب "الهيئة العربية العليا"، وقد أصدرت بيانات في حالات متباعدة حتى انتهائها رسميًا سنة 1968.
نستطيع أن نسجّل محاولة هامّة في تنظيم الفلسطينيين في سنوات الخمسينيات الأولى، وهي إقامة "اتحاد طلاب فلسطين" الذي نشأ في سنة 51 وترك أثرًا أكثر من غيره، وقد نشط في القاهرة بالأساس، وساهم في التأكيد على الهوية القومية والعمل على إقامة أُطر فلسطينية مختلفة.3 وعدا عن هذه التحرّكات المتواضعة يمكن القوْل إنّه منذ نهاية الأربعينيات حتى النصف الثاني من الخمسينيات لم يكن حراكٌ فِلسطينيٌ جِديٌ4، ويخطئ الباحثون في عدم الالتفات الكافي إلى هذا الفراغ الناشئ، رغم كارثيته في تلك المرحلة الحاسمة من اشتداد عود إسرائيل وبلورة توجّهها الحاسم نحو المعسكر الغربي والأمريكي، وسبب ذلك يعود إلى مواصلة الأنظمة العربية مؤامرتها على قضيّة فلسطين ومواصلة تعويل الشعب الفلسطيني عليها، وصدمة الشعب الفلسطيني وانهيار كلّ مقوماته المؤسساتية والاقتصادية، وانتظاره تنفيذ الوعود بعودته القريبة إلى الوطن.
___________

* ألحركة الوطنية الفلسطينية

في نهاية الخمسينيات انخرط معظم الوطنيين الفلسطينيين في التنظيمات القومية العربية، وأبرزها حركة القوميين العرب، حزب البعث والحركة الناصرية، معتقدين أن حقّ الشعب الفلسطيني يمرّ عبر الوحدة العربية، لكن سرعان ما اكتشفوا عُقم هذا التوجّه فاتجهوا نحو تنظيم أُطر فلسطينية مقتنعين أن تجسيد حقوق الشعب الفلسطيني هو الجسر المؤدّي للوحدة العربية. وبموازاة هذين التوجّهيْن وتعزيزًا للثاني بدأت تحرّكات في نهاية الخمسينيات لتأسيس الحركة الفلسطينية الأرسخ تنظيميًا والأكثر تأثيرًا وهي حركة التحرير الفلسطينية- "فتح".
التوجّه الثاني- الذي أكّد على البُعد الوطني الفلسطيني- هو الذي أشاع المناخ وأدّى إلى بناء منظمة التحرير الفلسطينية "م.ت.ف" سنة 1964، ورغم أن الأنظمة العربية كانت القابلة لهذا الناشئ الجديد، إلا أنه تحرّر منها نتيجة لعاملين: الأوّل العمل السياسي والعسكري المستقلّ لـ"فتح" التي أُنشئت قبل "م.ت.ف". والثاني، هزيمة الأنظمة العربية في حزيران 67، وولوج التنظيمات الفلسطينية المعارك العسكرية ضد إسرائيل على محدوديّتها، ولكن بمعنويات عالية ودلالات كبيرة.
____________



تطوّر الخطاب السياسي لدى "م.ت.ف"

- ألحلّ الديمقراطي.

إنسجم موقف "فتح" المعادي للوجود الإسرائيلي مع الموقف الفلسطيني التقليدي قبل عام 48 ومع مواقف "م.ت.ف" وقد بقي على حاله لدى كليهما- "فتح" و"م.ت.ف"- حتى سنة 1968، حيث غادرت "فتح" عنوان الدولة العربية على كامل تراب فلسطين التاريخية5 إلى مشروع الحل الديمقراطي على امتداد أرض فلسطين التاريخية، وذلك في سياق النقاشات التي شهدتها أعمال المؤتمر العام الثاني لحركة "فتح" المنعقد في سوريا. وأصبح هذا هو موقف "م.ت.ف" حيث أصبحت "فتح" القوّة الأكثر تأثيرًا فيها، وذلك في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في 10 تشرين الاول 1968، وقد حدّدت "فتح" هدفها الاستراتيجي وهو إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في مساواة تامة وتكافؤ كامل. وهو ما تم تبنيه في المجلس الوطني الخامس لـ "م.ت.ف" في شباط 1969. ويعني ذلك أن الفلسطينيين لم يعودوا يُصّرون على الموقف التقليدي من أجل خروج المهاجرين اليهود من فلسطين، مهما كان عددهم وسنة هجرتهم، مع إعطائهم حق المواطنة الكاملة فيها.
هذا الموقف الأكثر مرونة وديمقراطية من الموقف التقليدي، والذي جاء أساسًا لدرء تهمة العداء لليهود، فُسّر لدى جهات واسعة وذات اتجاهات مختلفة، بأنه ذات الموقف التقليدي الهادف إلى القضاء على دولة إسرائيل ولكن بلغة موائمة للعصر وبأسلوب متكيّفٍ مع التطوّرات العالمية والإقليمية والمحلية.

( 2-6 )
- ألحلّ المرحلي والنقاط العشر.

حدثت تطوّرات هامّة على مختلف الصُعد والاتجاهات منذ تأسيس "م.ت.ف" وحتى سنة 1974 جعلتها تتبنّى حلا مرحليا، مرنًا وبراغماتيًا، وهذه التطورات هي:
- هزيمة الـ67 التي كانت بمثابة نكبة ثانية6.
- المجازر الرهيبة التي ارتكبها النظام الأردني ضدّ الفلسطينيين في أيلول 1970 وتمّوز 1971، حيث غادرت قيادة "م.ت.ف" الأردن، البلد الذي يضمّ أكبر تجمّع للاجئين الفلسطينيين وهو "دولة المواجهة" المتاخمة للحدود الأطول مع دولة إسرائيل، ناهيك عن تصفية القيادات والمقوّمات التنظيمية والتقنية7.
- بدايات قبول عربي رسمي وعلني لمبادرات تسووية مثل قبول الرئيس المصري جمال عبد الناصر لمبادرة روجرز (1970)8، بغضّ النظر هنا إن كان موقف عبد الناصر تكتيكيًا أو استراتيجيًا.
- وفاة القائد العربي الكبير جمال عبد الناصر (1970)، وهو الذي شكّل ظاهرة فريدة في وحدة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج وفي مركزية القضية الفلسطينية، عدا عن كونه محورًا مؤسسًا في حركات التحرّر الوطني، ودول "عدم الانحياز" والصداقة مع الاتحاد السوفييتي. 
- إطلاق الملك حسين مبادرة "المملكة العربية المتحدة" (1972) استثمارًا لـ"انتصاراته" على الفلسطينيين، وفي جوهرها إقامة فدرالية للقطريْن الأردني والفلسطيني تحت سيطرته، فأرادت "فتح" و"م.ت.ف" قطع الطريق عليه.
- أظهرت القرارات الدولية مواقفَ متقدّمة عن سابقاتها، وبرز ذلك بشكل واضح منذ العام 69 وطيلة سنوات السبعينيات، ولكن بشكل مكثّف بين السنوات 69 إلى 74.
-  تعزيز مكانة "م.ت.ف" فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا في الطريق للاعتراف بها ممثلا شرعيًا ووحيدًا للشعب العربي الفلسطيني وفْق مؤتمر الجامعة العربية في الرباط 91974. وممثلا مراقبًا في الأمم المتحدة، وبهذا أصبحت "م.ت.ف" أول حركة تحرّر وطني تشارك رسميًا في الأمم المتحدة وتحصل على مركز مماثل لمركز دول أخرى مثل سويسرا والكوريتيْن والفاتيكان ألخ.. .
- لقد وجدت "م.ت.ف" أن العديد من الدول الداعمة لها كالمنظومة الاشتراكية والعديد من دول عدم الانحياز لا يؤيّدون "حل الدولة الواحدة"، وقد مارسوا ضغوطًا عليها من أجل برنامج براغماتيّ أكثر.
- بقدر ما كان بوسع حرب 1973 أن تعيد الثقة للموقف العربي إلا أنّها سرعان ما تحوّلت إلى أرضية صلبة للتدخّل الأمريكي في المنطقة، فمباشرة بعد انتهاء الحرب جرى توقيع اتفاق مصري- إسرائيلي في الكيلومتر 101 في سيناء الذي تتضمّن مشروع "الخطوة خطوة" و"الاتفاقيات الجزئية المؤقتة" وتلاه "محادثات جنيف" ومن ثمّ "اتفاق سيناء" (أيلول 1975) الذي أخرج مصر من "دول المواجهة" وعمّق الخلاف بين مصر وسوريا ناهيك عن "م.ت.ف".
- ما كان القرار ليمرّ لولا أن وضعت "فتح" وياسر عرفات كل ثقلهما من أجل مروره، فقد انشقّت من جرّائه فصائل مركزية عن "م.ت.ف"10.
هذه التطوّرات الكبيرة جعلت "فتح" تتبنّى شعارًا مرحليًا يقضي بالعمل من أجل إقامة سلطة فلسطينية مستقلة على كل أرض محرّرة من أراضي فلسطين، وجعلت السياسية التفاوضية استراتيجية جديدة إلى جانب العمل المسلح لقوات "العاصفة"، معتبرة بأن مراكمة النتائج على الأرض وحصدها سياسيا خيرٌ من تفويت الفرص، ومن التمترس وراء شعارات الرفض اللفظي- هذه المواقف عُرفت بـ"الحلّ المرحلي" و"النقاط العشر".
وقد أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشر و"البرنامج السياسي المرحلي" في دورته الثانية عشرة في حزيران 1974 في القاهرة. وقد أفسح هذا البرنامج مجالاً هاما للتحرك السياسي الفلسطيني11.

* طريق متعرّج في اتجاه واحد.

سمح المجلس الوطني الفلسطيني الثالث عشر (القاهرة، آذار 1977) بإقامة اتصالات مع يهود مواطني دولة إسرائيل، مؤكدا على "أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة"12.

ومنذ بداية الثمانينيات صدرت تصريحات مختلفة داخل "فتح" تدل على نقاشات وديناميكية داخلية باتجاه موافقة "فتح" على حلّ الدولتين13.

- مبادرات مختلفة.

إزدحمت المبادرات في تلك المرحلة نظرًا لتداعيات الاجتياح الإسرائيلي على لبنان، وتدمير معظم البنية التحتية لـ "م.ت.ف"، وإجبار نحو عشرة آلاف من مقاتليها على الخروج من لبنان. ووجدت القيادة الفلسطينية نفسها في تونس معزولة عن فِلسطين، محرومة من أي قاعدة استراتيجية أو لوجستية جِديّة. فكان مشروع ريجان 1982، ومن ثَم مشروع السلام العربي (مشروع فاس) 1982، وبعده المشروع الذي طرحه الرئيس السوفييتي ليونيد بريجينيف في 15 أيلول 1982 وركّز فيه على حق شعب فلسطين في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة في حدود الـ67 وبضمنها القدس الشرقية. وأكد على حق جميع دول المنطقة في الوجود والتطور السلمييْن والأمنييْن، وعلى إنهاء حالة الحرب، وإحلال السلام بين الدول العربية وإسرائيل، وعلى إيجاد ضمانات دولية للتسوية.
والمهم في الأمر أن "م.ت.ف" قد رحّبت بهذا المشروع، وقد أيَّد المجلس الوطني الفلسطيني السادس عشر (الجزائر، شباط 1983) مشروع فاس ومشروع بريجينيف، ورفض مشروع ريجان14.

* ألانتفاضة الفلسطينية.

إن انفجار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في 9 كانون الاول 1987 التي اكتسحت الشارع الفلسطيني، وتميّزت بشعبيتها ومشاركة كافة الفئات الاجتماعية قد حقّقت انجازات وعلامات هامّة، أهمّها:
- مشاركة كل أبناء الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الشعبية تعبيرًا عن موقف كاسح ضدّ الاحتلال.
- تميّزت بالنفس الشعبي الطويل وبمخاطبة المجتمع الإسرائيلي اليهودي ممّا أحدث تصدّعات هامّة فيه.
- إبراز الوجه القبيح للاحتلال الإسرائيلي، ومعاناة شعب يرزح تحت الاحتلال، وهذا ما برز جليًّا في مختلف وسائل الإعلام وبشكل متواصل لبضع سنوات.
- تصدرت القضية الفلسطينية مرة أخرى جدول أعمال الأمم المتحدة والقوى الكبرى والبلاد العربية ووسائل الإعلام العالمية.
- إن مناطق الـ67 التي تفجّرت فيها الانتفاضة والمواجهات، عزّزت الموقع الجغرافي الذي يتمّ النضال من أجل تحريره.

* "حلّ الدولتين".

عملت "م.ت.ف" على استثمار الانتفاضة سياسيا، فشكلت "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة" لينضبط إيقاع المقاومة مع إيقاع تحركها السياسي.
 وعند انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في 12-15 تشرين الثاني 1988 في الجزائر تم وضع برنامج جديد بناءً على التطوّرات الجديدة، محليًا وإقليميًا وعالميًا15. وفي صُلب البرنامج الجديد اعترفت "م.ت.ف" رسميا لأول مرة بقرار الأمم المتحدة 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين16، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة سنة 1967، وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة.
وفي هذا المؤتمر تمّ الإعلان عن إقامة دولة فلسطين، وشكّل المؤتمر انتصارًا سياسيًا بارزًا إذ اعترفت 120 دولة بقيام الدولة الفلسطينية مما خلق وقائع سياسية جديدة لا يمكن لأمريكا17وإسرائيل تجاهلها أو تجاوزها. 
___________

* تلخيص الجزء الأوّل

الشعب الفلسطيني كان ضحيّة مؤامرات عالمية وإقليمية عاتية، وصولاً إلى النكبة الكبرى، ومن ثَمّ هزيمة 67 الكاسحة، فالمجازر المروّعة وطرد "م.ت.ف" من الأردن (1970) وبعدها التسوية الانفرادية (1978) التي قامت بها مصر، أكبر الدول العربية والسند الأساسي للقضيّة الفلسطينية في العقديْن اللذين سبقاها، ومن ثمّ المؤامرة الخطيرة عليه في لبنان، حتى انتقلت "م.ت.ف" ومقاتلوها إلى تونس وسط مؤامرات عدّة أنظمة عربية بغضّ النظر عن مدى تقدميّتها أو رجعيّتها. وإذا أمعنّا النظر في عمق المحطات المذكورة وعمْق أثرها لأدركنا معنى التوجّه الواقعي القاضي بقبول "حلّ الدولتين" في العام 1988.
وأكثر من ذلك، فمنذ بداية التسعينيّات- أي بعد القبول بـ"حلّ الدولتين"- ضُربت قضيّة الشعب الفلسطيني ببُعدين عميقين: انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية (1989 – 1991) وحرب الخليج الثانية (1991)، حيث تفرّق الموقف العربي بشكلٍ لم يسبق له مثيل منذ بداية الستينيات، ومن أبرز التطوّرات بؤسًا هو مشاركة الجيشين السوري والمصري وسواهما إلى جانب الأمريكي في الحرب على العراق.
في نهاية العام 1991 عُقد مؤتمر مدريد، وقد شاركت سوريا ولبنان والأردن بالإضافة إلى الفلسطينيين (لم تشارك "م.ت.ف" بشكل رسمي) في مفاوضات مع إسرائيل.
لقد كان من العبثي حقًا أن تستمرّ "م.ت.ف" في طرح موقف الدولة الواحدة رسميًا، وكان لا بدّ من قراءة مجدّدة للتطوّرات العاصفة، واختيار الموقف الواقعي القادر على تحقيق انجاز كبير، خيرًا من طرح الشعار الكبير من دون أيّ أُفق لتحقيق انجاز على أرض الواقع.

( 3-6 )

الجزء الثاني

بين "حلّ الدولتين" و "حلّ الدولة الواحدة"


* فكرة الدولة الواحدة، مجددًا.

لا شكّ أن "اتفاقيات أوسلو" التي أجهز عليها الجانب الإسرائيلي بالأساس، ومسار المفاوضات الذي جعلته حكومات إسرائيل المتعاقبة أداة لانتزاع تنازلات فلسطينية إضافيّة، إلى جانب صعود اليمين الإسرائيلي المتنكّر أصلا لحقوق الشعب الفلسطيني، التي عارضت "اتفاقيات السلام"، بالإضافة إلى تكثيف الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، والعمل الحثيث على تهويد القدس وتقطيع أوصالها وإدراج ما يُسمى بـ"المناطق الخضراء" الشاسعة في الضفة الغربية، وبالإضافة إلى الضغط الأمريكي على القيادات الفلسطينية واختلاق مرجعيّات أخرى كـ"خارطة الطريق" بديلا لمرجعيات الأمم المتحدة؛ وكذلك صعود القوى الإسلامية الفلسطينية ووجود قيادة فلسطينية براغماتية لا تُجيد، دائمًا، التوازن بين ضرورة المقاومة الشعبية إلى جانب المفاوضات. وكان الانقسام الفلسطيني الذي بدأ في حزيران 2007 وما زال يطعن في وحدانية واستقلالية القرار الفلسطيني ويحرِف الأولويات بشكل متطرّف عن مسارها الصحيح ضدّ العدو المركزي وهو الاحتلال الإسرائيلي. كلّ هذه الأسباب عزّزت التوجّه اليائس من إمكانية "حلّ الدولتين". ولكن من باب الإنصاف نذكر أنّ بعض القوى رفعت شعار "الدولة الواحدة" بشكل مثابر منذ عقود. هذه المجموعات التي ثابرت في رفع هذا الشعار تختلف عن مجموعات من الأثرياء أو المثقفين في أمريكا والدول الغربية حيث تحكم مواقفهم أبعادٌ طبقية وسيكولوجية ليس من الصحيح، علميًا، عدم الالتفات إليها. فيحملون "شعارات ثورية" وهم خارج دائرة الصراع وبعيدون عن دفع الثمن المباشر، وقد أشار إلى هذه الحالة المناضل صلاح خلف (أبو أياد) في كتابه "فلسطيني بلا هوية" حين قال: " الغريب أنه (الشعار الثوري- أ.ع) كان يصل إلى الفلسطينيين الأثرياء أو الميسورين من فلسطينيي المنفى، خاصّة أولئك المقيمين في بلدان بعيدة عن ساحات المعركة، فهؤلاء لا يتعرّضون لأيّة مخاطر ماديّة، ويعيشون في ظروف اجتماعية مثالية لا يعوزهم فيها أي شيء، ولهذا فإن بوسعهم أن يسمحوا لأنفسهم بترف التصلّب دون أن يخشوا الوقوع في النفي الأزلي! وكذلك الأمر بالنسبة لبعض المثقفين الذين ينصرفون في صالوناتهم إلى لذاذات التحاليل المتحذلقة المنقطعة عن الواقع والتي تفضي كلها إلى سلبية محزنة"18

* إدعاءات مؤيدي فكرة الدولة الواحدة.

لعلّي أختصر منطلقات وادعاءات الداعين إلى موقف العودة إلى "حلّ الدولة الواحدة"، بإيراد المقتطفات الأساسية من البيان الذي أصدره مثقفون فلسطينيون في مدينة بوسطن  الأمريكية يوم 22 حزيران 2009 وذلك في "المؤتمر الأول لتدارس "حل الدولة الواحدة" في فلسطين/ إسرائيل" وأسموه "إعلان بوسطن". وقد جاء استمرارًا لمؤتمريْ لندن ومدريد، وجاء فيه19:

"إنّ "حل الدولتين" ـ حتى إذا سلمنا بأنه حل محتمل ـ مصمم لكي تكون إسرائيل دولة ذات غالبية يهودية، ولهذا لن يفلح في تحقيق أي من الحقوق والمصالح الفلسطينية بل انه سيمنح إسرائيل تفويضا مطلقا للتمييز ضد المواطنين الفلسطينيين. ثم أن إنشاء "دولة" فلسطينية على شظايا متناثرة في الضفة الغربية ولا تتصل بغزة بصلة حقيقية سيلغي، عمليا، حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
ومما يزداد وضوحا يوما بعد يوم أن هناك عوامل مختلفة حوّلت "حل الدولتين" إلى سراب يغوي ولكنه سراب خلّب. من أهم هذه العوامل قسوة الاستعمار الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد آن الأوان للاعتراف بأن تقسيم فلسطين إلى كيانين سياسيين ليس عدلا ولا عمليا، وانه كان على مدى العقود ملهاة تحرف الأنظار عما يحتاجه السلام العادل والدائم. إن المؤتمرين، عوضا عن اللهاث وراء سراب "حل الدولتين"، صاغوا رؤية لدولة تقوم على مبادئ الديمقراطية والمساواة، دولة لكل مواطنيها".
وخلص البيان إلى القول: "وعلى الرغم من وجود تحديات لا ريب فيها، فقد أضاء المؤتمر بعض مؤشرات القوة لدى حركة الدولة الواحدة. من هذه المؤشرات مثابرة الشعب الفلسطيني ودأبه على طلب العدل والسلام والحقوق المتساوية، وتزايد العدد القليل من الإسرائيليين اليهود العازمين على إيجاد سبيل للعيش مع الفلسطينيين بديمقراطية واحترام متبادل، والنضال من اجل الشرعية حيث شرعت المبادئ العامة للعدل والديمقراطية تقلب ظهر المجنّ للنزعات الشوفينية والحصرية، وحركة تضامن دولية استجابت لنداء العدالة بمساندة مقاطعة إسرائيل وتجريدها وفرض الحصار عليها لكي تجبرها على الإذعان للقانون الدولي. إن معظم المؤتمرين يعتقدون أن رؤية الدولة الواحدة هي الفكرة الوحيدة التي تتمتع بالقوة والوضوح الأخلاقي لتجاوز ما يحيط بالأزمة حاليا وتقدم للمنطقة سلاما عادلا لا بد بالتالي أن يكون سلاما دائما".
______________


نقض فكرة "خيار الدولة الواحدة"

بعد التجربة الطويلة التي اجترحها الشعب الفلسطيني وقيادته يمكن الملاحظة أنّه في كل عشرين عاما ينشأ تيّار فلسطيني نافيًا التجربة التي سبقته، ويمكن الملاحظة أيضًا أن كلّ تيّار يبدأ بطرح "الدولة الواحدة" وينتهي إلى طرح "الدولتين". هكذا كانت تجربة القيادة التقليدية ومن ثمّ تجربة "فتح" و"م.ت.ف"، ولعلّ أسرع هذه التحوّلات نشهدها لدى حركة "حماس" التي تأسّست نهاية الثمانينيات بطرح إسلامي شموليّ، وبعد عشرين عاما دخلت الانتخابات وفْق مقاسات "أوسلو" وتميّزت ببراغماتية نسبية في خطابها وتعتمد المفاهيم السياسية والمدنية، وأوقفت العمليات التي استهدفت مدنيين إسرائيليين، ويصرّح قادتها بقبول فكرة إقامة الدولة الفلسطينية في حدود الـ6720، لا بل وقّعت رسميًا على "اتفاق مكّة" الذي في صُلبه "حلّ الدولتين". ويعود ذلك لأسباب عدّة منها الواقعية، وحاجات الناس، الضغط الدولي، وكذلك فهذا نهج إخواني تقليدي يتكيّف مع المتغيّرات.
هذه التجارب التي تنفي سابقاتها ثمّ ترتطم بوقائع لتعود اكثر براغماتية، ولكنّ بعد دفع ثمن فلسطيني بالغ، وبعد غرس وقائع إسرائيلية على الأرض، يبعد "خيار الدولتين" عن التطبيق ناهيك عن "خيار الدولة الواحدة".
لنقد ونقض فكرة "خيار الدولة الواحدة" أورد الحقائق التالية:

* إسرائيل في المعادلة الإمبريالية.

في مؤتمر العقبة 4.6.2003 وقف جورج بوش أمام الرؤساء العرب وقال بوضوح ثاقب: "أمريكا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة"، وقد سبقته وزيرة خارجيّته كوندوليسا رايس أن قالت بأيديولوجية شمولية: "هذه الإدارة (الأمريكية أ.ع) تعتقد أن أمن إسرائيل هو المفتاح المطلق ليس فقط لأمن المنطقة، وإنما لأمن العالم كله، إسرائيل ستكون دولة يهودية وستكون محميّة"، ولكنّ سياق الرئيس براك أوباما بَزّ أقرانه بتاريخ 04.06.2009 حيث قدّم خطابًا مميزًا بثلاثة أبعاد:
- أراده تغييرًا جوهريًا في التعامل الأمريكي مع "العالمين العربي والإسلامي".
- أراده موجّهًا للعالمين "العربي والإسلامي".
- أراده أن يتمّ بدعوة من "الأزهر" و"جامعة القاهرة"، ولكنّ "الأزهر" في هذه الحالة ذو مغزى أهمّ.
ورغم التعقّل والأسلوب الاستشراقي باستخدام آيات قرآنية وغيرها من الإشارات الإسلامية والشرقية لتقريب "العالميْن العربي والإسلامي" إلا أّنه لم يستطع إلا أن يقول في خطابه "الودود" لمئات ملايين المشاهدين العرب والمسلمين: "إن متانة الأواصر الرابطة بين أمريكا وإسرائيل معروفة على نطاق واسع. ولا يمكن قطع هذه الأواصر أبدًا".
والسؤال هو: لماذا لا تعتمد أمريكا على دولة أخرى في الشرق الأوسط كاعتمادها على إسرائيل؟ للإجابة على هذا السؤال يُبيّن لنا الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابة "مدافع آية الله" أن "أمريكا استخلصت الدرس بصورة حاسمة بعد سقوط الشاه 1979 وهو أنها لا تستطيع الاعتماد كليًا في الشرق إلا على إسرائيل". ويقف وراء هذا المنطق الإدعاءات التالية:
- تتميّز إسرائيل عن باقي دول الشرق بأنه توجد فيها قاعدة سياسية وجماهيرية واسعة وثابتة مؤيدة للامبريالية الأمريكية. فجميع القوى السياسية الصهيونية من أقصى اليمين إلى أقصى "اليسار الصهيوني" تؤيد بحماس الامبريالية الأمريكية، ومن الأمور الغرائبية أن "اليسار الصهيوني" موالٍ لأمريكا أكثر من اليمين، وكذلك الإدارة الأمريكية أقرب إلى "اليسار الصهيوني" بشكل دائم إذا استثنينا ولاية بوش الابن، بل يصطدم هذا "اليسار" مع اليمين مدعيًا أن اليمين لا يفقه أهمية العلاقة مع أمريكا. وكذلك المجتمع الإسرائيلي المغسول دماغه بالمفاهيم الأمريكية- الإسرائيلية. ومن المَشاهد المثيرة أن ترى العلم الأمريكي إلى جانب الإسرائيلي معلقًا على العديد من السيارات الإسرائيلية احتفاءً باستقلال دولة إسرائيل.
- العلاقات الأمريكية العربية تبقى مهدَّدة في بلاد الشرق لأن شعوب الشرق ترى أن مصالحها في تناقض تناحريّ مع أمريكا، وقد تقوم بثورة أو انقلاب أو تغيير سياسي داخل بلدانها ويكون معاديًا لأمريكا ومصالحها.
- اعتماد إسرائيل على نظام "ديمقراطي برلماني إجرائي"، بخلاف الأنظمة العربيّة، ممّا يُضفي ثباتًا للمؤسسة الإسرائيلية في هذا الجانب.
- الرأسمال الأمريكي والصهيوني الأمريكي يتغلغل في جميع حلقات التطور الاقتصادي والثقافي الإسرائيلي.
- منذ قيام إسرائيل، وخاصة بعد توقيع التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأمريكا، ودخول إسرائيل عضوا في "برنامج الدفاع الاستراتيجي الامريكي" – حرب النجوم – فان إسرائيل قد تحولت إلى جزء عضوي من برامج التسلح الأمريكية ومن خططها الاستراتيجية.
من هذا المنطق نفهم أن الحفاظ على "أغلبية يهودية" في إسرائيل، وتاليًا رفض المقترحات حول "الدولة الواحدة" هو ليس مصلحة إسرائيلية حصرًا وإنما مصلحة إمبريالية وأمريكية بشكل مباشر، والحفاظ على إسرائيل يهودية وذات أغلبية يهودية واضحة هو جزء من "الأمن القومي الأمريكي".

للتدليل أكثر على هذا الموقف الذي يتدخّل في طبيعة الدولة وقوميّة سكّانها والتطوّرات الجغرافية أورد مثالا غرائبيًا آخر وهو كتاب الضمانات الأمريكية الذي قدّمه الرئيس الأمريكي جورج بوش لحكومة إسرائيل يوم 14.04.2004، حيث أورد بوش اهتمامه واستعداداته المالية للمساندة الفعلية في تهويد الجليل والنقب. وهذه ضمانات لقضايا من المفترض أن تكون "إسرائيلية داخلية"، إلا أن أمريكا ترى بقضايا "الأمن القومي الإسرائيلي" قضايا "أمن قومي أمريكي" حتى لو بدت داخلية، وفي صلبها الحفاظ على أغلبية يهودية وتحديد المناطق الجغرافية وصياغة الأولويات داخل إسرائيل نفسها.
هذا الاعتماد الأمريكي يلقى تقبلا إسرائيليا بنيويًا وجوهرانيًا، وهو جزءٌ من جوهر الصهيونية ودورها، ومنذ نشأتها نجد أن مؤسسها هرتسل كتب في كتابه المؤسّس "دولة اليهود" أن "دولة اليهود": "ستكون جزءًا من السور ضدّ آسيا.. وستكون الطلائع الثقافية ضد البربرية" وهذا هو الدور الإمبريالي المناط بإسرائيل. وهذا هو دورها في السعي المحموم في الخمسينيات والستينيات لتقطيع أواصر أيّة وحدة عربية تشكّل تحديًا للامبريالية بتجلّياتها المختلفة، والهجوم الإمبريالي في حرب السويس وسنان رمحه إسرائيل ضدّ النظام الوطني المصري ورأس الحربة ضدّ الإمبريالية، مرورًا بكلّ المعارك وآخرها حرب لبنان 2006 التي أرادت إسرائيل وقفها بعد أن تبيّن إمكانية الخسارة الفادحة، فرفضت أمريكا ذلك وأصرّت على أن تواصل إسرائيل الحرب، ممّا جعلها حربًا أمريكية بامتياز وإن تمّت بأيدٍ إسرائيلية. وفي زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليسا رايس إلى لبنان في وقت الحرب التقت رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة وقالت له: "من هنا يبدأ بناء الشرق الأوسط الجديد"! 
 فقط دولة ذات أغلبية يهودية واضحة تستطيع أن تقوم بهذا الدور الأمريكي المطلق، ولذا فليس عبثًا أن إسرائيل تحتل المكان الأوّل في قائمة المساعدات الأمريكية الخارجية، بثبات ومسافة كبيرة عن الدولة المناوبة التي تليها.

* ألدولة الإسرائيلية قامت منذ أكثر من 60 عامًا.

يجدر التأكيد على أنّ المصطلح الأكاديمي "خيار الدولتين" هو مصطلح مغلوط ومضلِّل، فلسنا بصدد إقامة دولتين، فالأولى قد قامت وتورّمت في أكثر من جانب. وطرح "الدولتين" اليوم له معنى واحد وهو تحرير الشعب الفلسطيني من نير الاحتلال وإقامة دولته المستقلة.

* ألمؤسسة الإسرائيلية تقوّض الحلّ لأنه واقعيّ.



يجدر التأكيد أيضًا، أن تصعيد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وإقامة المستوطنات والجدار العازل وتهويد القدس ألخ.. لا يعني أن "حل الدولتين" قد أُسقِط أو أنه غير واقعيّ، ولكنّ معناه أن حكّام إسرائيل أدركوا واقعية هذا الشعار والالتفاف الفلسطيني والعربي والعالمي حوله فيريدون تقويضه. وبهذا المنطق يتمّ زرع وقائع إضافية وتهويد القدس بهذه الفظاظة في سباق مع الزمن 21.

* رأي الشعبيْن.



ألسؤال الأساسي، المبدئي والمشتقّ من مفهوم حق تقرير المصير هو: هل سُئل الشعبان عن رأيهما؟ فالشعب الفلسطيني وصل إلى قناعة بضرورة إقامة دولته في حدود الـ67، وقد عبّر عن ذلك بوسائل انتخابية واستطلاعية22 وبواسطة ممثليه في أكثر من مناسبة. والشعب الإسرائيلي أخذ ينضج ببطء ولكن بوضوح باتجاه الموافقة على إقامة دولة فلسطينية، حتى غدت كل استطلاعات الرأي تٌشير إلى أغلبية طفيفة تؤيّد قيام الدولة الفلسطينية في حدود الـ6723. ومن نافل القوْل إن هذا الاختراق للجمهور اليهودي لم يحدث إلا بعد عناء شديد خاصّة لدى شعبٍ مشحون بالكثير من الرواسب القومية (أنظر/ي الدراسة الخاصّة بالشراكة العربية اليهودية) ولم يسر المجتمع الإسرائيلي باتجاه النضوج لولا التضحيات الجسام الذي قدّمها الشعب الفلسطيني، ولولا النضال الديمقراطي داخل إسرائيل.

(4 – 6 )
* شعار بدون برنامج للتطبيق!



إن كل شعار يُطرح يجب إسناده إلى برنامج تطبيقي قابل للتنفيذ، وعندما يجتمع في بوسطن ومدريد ولندن وغيرها بعض الأكاديميين والانتلكتواليين ويقدّمون شعارًا ثوريًا ولا يرفقونه ببرنامج عملي أو تطبيقي، ينقلب إلى شيء منفصم عن الواقع ومسيء لحامليه وقضيّتهم.
من الإنصاف القوْل إن د. إيلان بابيه كان أوّل من اقترح المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل وسيلةً لفرض واقع "الدولة الديمقراطية الواحدة" وتبنّى الاقتراح "إعلان بوسطن" بالصيغة التالية: " .. وحركة تضامن دولية استجابت لنداء العدالة بمساندة مقاطعة إسرائيل وتجريدها وفرض الحصار عليها لكي تجبرها على الإذعان للقانون الدولي".
إن هذا الطرح القاطع "لإذعان إسرائيل" بعيدٌ كلّ البعد عن الواقع ويدّل على عدم قراءة الواقع ودور إسرائيل وأهميّتها في المعادلة الإمبريالية وكذلك حصانتها الاقتصادية، وسأبيّن ذلك لاحقًا.
كما نلاحظ أن "إعلان بوسطن" يطرح المقاطعة من أجل "إذعان إسرائيل للقانون الدولي". والقانون الدولي لا يكفل أبدًا قضيّة الدولة الواحدة، بالعكس تمامًا فالإذعان للقانون الدولي وللقرارات الدولية يعني إقامة دولتين وليس دولة واحدة. 


* أداة تسويغية ومهربيّة وفرصة لإدارة الصراع.



إن الشعار المنقطع عن تخطيط استراتيجي عملي يوفّر للمؤسسة الإسرائيلية مسوّغ استخدامه سياسيًا وتضخيمه والتخويف منه، وحتى البناء عليه. وتتسابق الحكومة الإسرائيلية من جهة والمؤتمرات الفلسطينية النُخبوية من جهة أٌخرى، الثانية تنظّر للشعار، والأولى تستثمره سياسيًا كفزّاعة في وجه المجتمع الإسرائيلي والعالمي، وتُراكم وقائع على الأرض من مستوطنات و"مناطق أمنية" وغيرها.
إن هجر مطلب إقامة دولة فلسطينية في حدود الـ67 لحساب مطلب "الدولة الواحدة" يوفّر لإسرائيل إدارة الصراع وليس حلّه. فهي في الوقت الذي ستقول للعالم إنه عندما اقتنعت هي (اسرائيل) بالقرارات الدولية وتفاوضت مع الفلسطينيين حتى على الانسحاب من أجزاء من القدس كما في "كامب ديفيد" 2000 وطابا 2000 ومحادثات أبو مازن – أولمرت 2006 – 2009 إلا أن الفلسطينيين قلبوا الطاولة في المرحلة الأخيرة وقرّروا التراجع عن مواقفهم.
هذا الوضع سيُوفِّر لإسرائيل انحياز عالمي ساحق، وحتى عربي وإسلامي. والأرجح أن يَرجع الفلسطينيون، مرّة أُخرى - بعد تيهٍ طويل أو قصير- إلى فكرة الدولة في حدود الـ67، ولكن هذه العودة لن تتمّ إلا بعد أن زرعت إسرائيل وقائع مجدّدة لتقويض إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية في حدود الـ67. ومهم التذكير هنا بما قاله رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بوغي يعلون بأن "الحلّ الأمثل مع الفلسطينيين هو إدارة الصراع وليس حلّه"24. ومن نافل القول أن الوقت الإضافي يحمل معه المزيد من عناء الفلسطينيين والمزيد من الوقائع على الأرض. 


* الشريك الإسرائيلي



إن أي حلّ بخلاف "الدولة العربية" أو "الدولة الإسلامية" يقتضي وجود شريك إسرائيلي يهودي. فلا يمكن أن تقوم الدولة "الديمقراطية" أو "ثنائية القومية" بموافقة الجانب الفلسطيني فقط.
وليس جِديًّا أن يُقترح التخلّي عن إقامة الدولة الفلسطينية وتخليص الشعب الفلسطيني من عذابات الاحتلال اليومية حتى أجلٍ غير مسمّى تقتنع فيه إسرائيل - وكذلك القوى الامبريالية- بالتنازل عن يهودية الدولة وعن الأغلبية اليهودية وقانون العودة والجنسية واحتكار القوّة العسكرية وعن إعلان إسرائيل الرسمي بأنّ المشروع الصهيوني قد أفلس.
أي يُقترح التخلّي عن مطلب واقعي مقابل فكرة غير مرتبطة بأي واقع مرئي. 

* الموقف الرسمي الإسرائيلي آخذ بالنضوج



رغم التراجعات الحادّة عالميًا وعربيًا وفِلسطينيًا كما بيّنّا، إلا أن الشعب الفلسطيني استطاع أن يفرض على الموقف الرسمي الإسرائيلي الموافقةَ على صيغة "الدولتين". فالخارطة السياسية الإسرائيلية من اليسار إلى الوسط مقتنعة بأشكال مختلفة بذلك، وحتى اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفًا لم يعد يستطيع التهرّب من معادلة "الدولتين" تصريحًا، فبنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل صرّح بمناسبة 100 يوم على حكومته "أن "دولتين لشعبين" هي محطّ "إجماع قومي" في إسرائيل"25، كما أن رئيسة المعارضة تسيبي ليفني وزعيمة حزب "كاديما" المنشقّ أساسًا عن الليكود، رفضت الدخول في الائتلاف الحكومي بإدّعاء أن الحكومة ترفض حلّ "دولتين لشعبين".
كلّنا ندرك أن الدولة الفلسطينية وفْق مقاس تسيبي ليفني وبنيامين نتنياهو هي دولة مشوّهة، وأنّهما يهدفان من مقولة "دولتين لشعبيْن" أن دولةَ إسرائيل دولةٌ يهوديّة وما يترتّب على هذا الاعتراف من إلغاء حقوق اللاجئين وكذلك إلغاء حقوق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل وغيرها. ولكنّا في الوقت ذاته لا يمكن أن لا نرى التطوّر الهائل من مرحلة كانت الحكومة الإسرائيلية لا تعترف بوجود شعب فلسطيني أصلا26، ومن مرحلة كان يزجّ بنا في السجن ونُضرب في الشوارع عندما كنّا نرفع هذه الشعارات إلى هذه المرحلة التي  أصبحت الخارطة السياسية لا تستطيع التهرّب منها، ومن مرحلة كانت تصرّ فيها حكومة إسرائيل أن مشكلة الفلسطينيين تُحلّ في الأردنّ كما في مؤتمر مدريد (1991) حيث اشترطت حكومة إسرائيل وجود "وفدٍ فلسطينيّ- أردنيّ مشترك" إلى مرحلة بات العنوان الفلسطيني واضحًا وإطار الحلّ واضحًا، وإن اختلفت المضامين. 
بعد هذا الانجاز التراكمي والبطيء، ليس من الحكمة التراجع عن هذا الإنجاز، وإنّما المثابرة والتركيز على تحديد مضمون الدولة الفلسطينية. 

* بين الديمغرافيا والجغرافيا.



عندما تتعارض الجغرافيا مع الديمغرافيا في إسرائيل فالنصرة للديمغرافيا بشكل حاسم. هكذا يبرّر حكام إسرائيل، بعنصرية جليّة، ضرورة الانسحاب من أراضٍ محتلّة، وهذا هو جوهر الفكر الصهيوني.
لا تنتهي الأدلّة على ذلك، ولكن أكتفي بالقول الفصل لـ"بن غوريون" حين حاججته كتلة حيروت على أنه لم يستكمل احتلال الأراضي الفلسطينية سنة 48، ووافق على تسليم الضفّة للأردن. فأجاب: "كل البلاد من دون دولة يهودية، مقابل دولة يهودية من دون كل البلاد"، وهذا الذي جعل الوكالة اليهودية توافق، لفظيًا وظاهريًا، على قراريْ لجنة بيل (1937) والتقسيم (1947). واليوم أصبحت قضيّة الديمغرافيا حتى بأبعادها الفردية تثير هوسًا إسرائيليًا27.
لذا فعندما قام أريئيل شارون (الملقّب بـ"أب الاستيطان") وصاحب مقولة "حُكْم نيتسريم كحكم تل أبيب28) بإخلاء مستوطنات غزّة وشمال الضفّة والقضاء على مقولة "أرض إسرائيل الكاملة"، فقد كان التبرير الأساسي لإخلاء المستوطنات هو التخلّص من مليون وثلاثمئة ألف فلسطيني في غزّة من أجل الحفاظ على دولة يهودية.
هذا الحقيقة لا تأتي لتقول أي الأمريْن – الدولة أو الدولتين- أصح مبدئيًا، ولكن جاءت لتقول أن إقامة دولة واحدة أصعب بكثير من إقامة دولة إلى جانب دولة.  

* إجماع دولي وعربي


لقد بيّنا الطريق الطويل الذي خاضه الشعب الفلسطيني، والذي تعرّض فيه لمحاولات إبادة وجودية وسياسية مخلِّفًا عشرات آلاف الشهداء وعشرات أضعافهم من الجرحى، وقد لاحق الشعبَ الفلسطيني على طول مسيرته أعداؤه الثلاثة: الصهيونية بتساوق مع الإمبريالية العالمية وتواطؤ خياني رسمي عربي. وبعد عقود من حمل راية "الدولة الواحدة" وصل إلى قناعة بضرورة إقامة دولته الفلسطينية المستقلّة على حدود الـ67. ومنذ ذلك الحين ازداد الوضع الدولي سوءًا بانهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الحليفة الاستراتيجية لقضية الشعب الفلسطيني، وعلى المستوى الإقليمي والعربي انهارت آخر جدران التضامن العربي – على هشاشته- في حرب الخليج الأولى (1980 – 1988) فالثانية (1991) فالثالثة (2003) فحرب تمّوز 2006، وعلى المستوى الفلسطيني أدّى الانقسام الفلسطيني (حزيران 2007) إلى طعن وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني، وبعثرت أولويّاته وأهدافه، وأقامت بدلا من دولة فلسطينية دويلتين محتلتين الأولى بزعامة "فتح" والثانية بزعامة حماس.
أي أنه في السابق، حيث كان الوضع الدولي والعربي والفلسطيني أفضل بكثير، وحيث كانت إسرائيل أقلّ مناعة وثباتًا، لم تكن فكرة "الدولة الواحدة" قريبة من التحقيق، فكيف اليوم؟!
إنّ الميزة الأساسية لتحرّك المجتمع الدولي هو أنّه بعيدٌ عن التحرّك الكافي لإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني، ولهذا أسباب واضحة أبرزها مصالح الدول وعدم استخدام كل وسائل الضغط على المجتمع الدولي لكي يتحرّك بالاتجاه الصحيح نتيجة للتواطؤ الرسمي العربي أساسًا. ورغم التراجعات العالمية والإقليمية المذكورة في البند السابق إلا أن الشعب الفلسطيني استطاع أن يفرض قضيّته. والمتابع للتطوّرات العالمية الأخيرة (2009) يلاحظ نشوء بيئة مناخية سياسية دولية لم تعد تتقبل التضليل الإسرائيلي كما في الماضي، والحراك السياسي والدبلوماسي النشيط منذ خطاب الرئيس الأمريكي براك أوباما في القاهرة  في 4.6.2009 يصب في بلورة ضغط دولي وعربي مناصر ومؤيد لتسوية سياسية للصراع يكون في مركزها إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويمكن ملاحظة اللهجة المختلفة في "الأمم المتحدة" و"الاتحاد الأوروبي" ومجموعة الثماني دول الصناعية الرأسمالية الكبرى، ناهيك عن الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، وجميعهم يوجهون أصبع الاتهام إلى حكومة إسرائيل، ويطالبونها  بوقف  الاستيطان والإقرار بحق إقامة الدولة الفلسطينية، حتى أن مسألة إيقاف الاستيطان أصبحت مطلبًا مثابرًا وعنيدًا لدى كل دول العالم.
هذا التطوّر هام، ولكنّ لا ضمان لمثابرته إن لم يثابر الفلسطينيون أساسًا في نضالهم الشعبي والسياسي من أجل محاصرة إسرائيل.
إن طرح شعار "الدولة الواحدة" يشكّل تراجعًا عن القرارات الفلسطينية، و"يكشف نوايا الفلسطينيين"، ممّّا يعيد الوضع إلى ما لم يكن مثله في السابق، فالشعب الفلسطيني غير مقتنع به، والشعب الإسرائيلي سيغلق على نفسه كليًا. كما أنّه يشكّل تحدّيًا للعالم ومواقفه قاطبة، في وقت يكون الشعب الفلسطيني- وهو الأضعف في المعادلة- بحاجة لكلّ دعم عالمي، وقد أحرز انجازات لا يُستهان بها في هذا المضمار. 

* الهروب.. إلى الأمام.


إن الارتفاع الجديد بالمطالبة بحلّ "الدولة الواحدة" جاء تعبيرًا عن اليأس من إقامة دولة فلسطينية في الـ67 نتيجة للتنكّر الإسرائيلي بالأساس لحقوق الشعب الفلسطيني والاستيطان والجدار العازل، ونتيجة لحالة الانقسام الفلسطينية وتعزيز قوّة الحركات الأصولية، وهذه المعوقات صحيحة كلّها. ولكنّ الكلّ يجمع أنّه رغم كلّ المعوقات فإن إقامة دولة فلسطينية على حدود الـ67 تتطلّب جهدًا أقلّ بكثير من المعركة طويلة الأمد والتي لا يضمن نتائجها أحد. فما معنى الهروب من المعركة الأصغر التي نُظهر يأسنا من نجاحنا فيها إلى معركة أكبر وأصعب وأطول وغير مضمونة النتائج أبدًا؟!
اليأس وصفة التطرّف، فإذا كان مطلب العدل النسبي غير مُلبّى، فيتمّ المطالبة بالعدل المطلق وبهذا يتمّ الحفاظ على الضمائر نقيّة، ولكن دون برنامج أو أٌفق للتطبيق.
* الهيمنة الإسرائيلية في الدولة الواحدة

إن "الدولة الواحدة" حتى في تحقيقها النظري، ليست وصفة سحرية لحل مشاكل ستبقى كُبرى، ومنها أن الاقتصاد والهيمنة سيبقيان بيد القيادة الإسرائيلية اليهودية، وحتى في "جنوب إفريقيا"- وقد زرتُها نهاية العام السابق (2008)- لا يمكن تجاهل البؤس الشعبي نتيجة لإبقاء مفاتيح الاقتصاد والهيمنة بيد المواطنين البيض الذين يشكّلون أقلّ من 15% من المواطنين، وهنا لا أقلّل أبدًا من "المساواة المدنية"، ولكنّها غير كافية لإحداث تغيير ثوري في المساواة والديمقراطية والعدل الإجتماعي، وربّما تكون الدولة على نسق الاقتراحات الإسرائيلية في منتصف الثمانينيات مثل مشروع "التقاسم الوظيفي" المقترح من قبل شمعون بيرس أو "تحسين شروط المعيشة" المقترح من قبل موشيه آرنس في منتصف الثمانينيات أو التقليعة الأخيرة  لبنيامين نتنياهو المسمّاة  بـ"السلام الاقتصادي" (2009).
إن المعركة من أجل العدل الاجتماعي وتقاسم الموارد والهيمنة هي معركة الغالبية الساحقة من المواطنين، وتُكلّف الشعوب عشرات السنين من الكفاح ودفع الأثمان الباهظة في الأرواح والمقدّرات. وفي إسرائيل حيث يتشابك البعد الطبقي بالقومي فالمعركة أضنى ومعقّدة أكثر بكثير من دولة أُحاديّة القومية.  

* أولويّة قضيّة اللاجئين على الدولة الواحدة.


الذين يطرحون "حلّ الدولة الواحدة" يتنازلون مسبقًا عن قرارات دولية التي لو تُطبّق تتحقّق "الدولة الواحدة" من مدخل آخر، وفي صُلب هذه القرارات الإقرار بحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة المتكرّرة وأساسها القرار 194.
من الواضح أن عودة اللاجئين ستجعل من إسرائيل دولة ثنائية أكثر ويهودية أقلّ، وهذا يمهّد الطريق بقوّة إلى حلّ "الدولة الواحدة". فلماذا يَستبدل هؤلاء المثقفون أولوية هذا المطلب العادل والذي يحوز على شرعية دوليّة كبيرة بأولوية "الدولة الواحدة" التي لا يؤيّدها أحد في المجتمع الدولي؟! ألمجرّد لمعان فكرة "الدولة الواحدة"، هل هذا وحده يكفي؟! 



( 5 – 6 )
* أين إسرائيل من هذا النقاش؟

لا يخفى هذا النقاش الدائر على المؤسسة الإسرائيلية، وقد طُرحت فكرة "الدولة الواحدة" من قبل المفكّر الفلسطيني والعالمي إدوارد سعيد24، واقترح لها الرئيس الليبي معمّر القذّافي إسمًا هو "إسراطين"25 أمّا رئيس الوزراء الفلسطيني السابق أحمد قريع، فقد هدّد إسرائيل بأنّها إن لم تؤدِّ استحقاقاتها تجاه الشعب الفلسطيني فسوف يطالب بـ"الدولة الواحدة"26، هذا عدا بعض المثقفين الفلسطينيين.
 نقاش على هذا المستوى الثقافي والرسمي الفلسطيني والعربي لا يُخفى على إسرائيل، فلماذا تستمرّ في تكريس الاحتلال؟ ألا تهاب حكومتها، باحثوها، مخابراتها من البديل الآخر الذي يهدّدها؟!
الأرجح أن إسرائيل معنيّة بـ"طرح الدولة الواحدة" الذي يبعثر الأولويات الفلسطينية، وينقذ إسرائيل من دفع استحقاقات وإزالة الاستيطان وإنهاء الاحتلال والانسحاب من  الأراضي المحتلة وعلى رأسها القدس الشرقية وغيرها. هي معنيّة بـ"بديل شامل" ولكنّه وهميٌّ ولا يكلّفها ثمنًا، مقابل بديل جزئي ولكنّه واقعيّ ويكلّفها ثمنًا حقيقيًا.

* ألطروحات غير الواقعية تُثير اليأس من النضال.

ألمعركة اليوم ليست بين "دولة واحدة" أو "دولتين"، فالصيغة الأولى غير مطروحة واقعيًا. وإنما هي بين دولة فلسطينية أو مسخ فلسطيني، دولة على المقاس الأدنى للشعب الفلسطيني أم دولة على مقاس أمريكا وإسرائيل، هذه هي معركة اليوم والتي هي معركة ضارية تتطلّب مقاومةً شعبية وإدارة وطنية ومهنية للمفاوضات، وهي بحاجة إلى تفاؤل ثوري وليس إلى طروحات غير واقعيّة، فالطرح غير الواقعي يُيئس من المُضيّ في النضال.
__________________

أجد من الأهمية بمكان مناقشة فكرتين يثيرهما أصحاب رأي "الدولة الواحدة" وهما تجربة "جنوب إفريقيا"، وكذلك سلاح المقاطعة الاقتصادية ضدّ إسرائيل، وهما مرتبطان تاريخيًا حيث انّ من أهمّ الأسلحة ضدّ نظام الابارتهايد (نظام الفصل العنصري بين السود والبيض في "جنوب إفريقيا") كان سلاح المقاطعة العالمية ضدّ "جنوب إفريقيا"، ولكنّ الرؤية الدولية للدولتين (إسرائيل وجنوب إفريقيا) والوقائع السياسية والتاريخية تختلف في أبعاد لا يمكن تجاهلها، إذا أردنا قراءة علمية للحالتين بحيث تفيد نضال الشعب الفلسطيني. 

* "جنوب إفريقيا"- النموذج الملهم.

تجربة "جنوب إفريقيا" والتخلّص من الأبارتهايد كانت النموذج الملهم للكثيرين من طارحي فكرة "حل الدولة الواحدة" ودولة جنوب إفريقيا تحرّرت من الأبارتهايد وأقامت دولة واحدة يعيش فيها السود والبيض بـ"مساواة"، ولكن هذا الطرح يتجاهل خمسة أبعاد رئيسية، يكفي كلّ واحد منها لنسف المقارنة كليًا بين الحالتين، الجنوب إفريقية والفلسطينية. وهي:
- دور إسرائيل في المعادلة الإمبريالية يختلف عن "جنوب إفريقيا" بعد "الحرب الباردة". ففي زمن "الحرب الباردة" كانت أمريكا تتصدّى بقوّة لتغيير النظام في "جنوب إفريقيا" وذلك من منطلق إمبريالي متخوّف من انضمامها للمعسكر الاشتراكي، لا سيّما أن الشيوعيين والاشتراكيين كانوا قوّة مركزيّة في "المؤتمر الوطني الإفريقي" (anc) قائد النضال ضدّ الابرتهايد. وما أن انتهت الحرب الباردة حتى ساهمت الأغلبية الساحقة من الدول، وباختلاف أيديولوجياتها، في إسقاط نظام الأبرتهايد. مع التأكيد على أن النضال العظيم الذي قاده السود في أمريكا، وبمساندة الشيوعيين البيض، كان العامل الأساس.
- التوازن الديمغرافي في "جنوب إفريقيا" يلعب دورًا حاسمًا حيث ان البيض شكّلوا 14% من السكان فقط والباقي سود البشرة. كما أن البيض لم يستطيعوا في أيّ وقت التخلّي عن العمالة السوداء، وهذا بخلاف جذري مع إسرائيل حيث انها تستطيع التخلي عن العمالة العربية بكلّ سهولة، وتتفوّق عليها في كافّة المجالات الاقتصادية.
- ألفرق كبير بين المقاطعة عامّة والاقتصادية خاصّة ضد نظام الأبارتهايد، والتي شملت الدول الإفريقية و"منظمة الوحدة الإفريقية"، دول عدم الانحياز، الدول الاشتراكية، الكنيسة العالمية وتأثيرها الكبير، القوى الديمقراطية في العالم الغربي وحتى قوى الاشتراكية الديمقراطية، السود الأمريكيين بمختلف طبقاتهم. هذا الأمر لا يمكن أن يحدث مع إسرائيل ولن تسمح به أمريكا والعالم الغربي، لكنّه هام جدًا وضروري أخلاقيًا واقتصاديا وسأناقشه بتوسّع أكثر لاحقًا.
- لم ينحُ الموقف العالمي نحو الدولتين في "جنوب إفريقيا" كما في الحالة الإسرائيلية الفلسطينية، ولم يكن في "جنوب إفريقيا" كيانان منفصلان في أي وقت من الأوقات، ولم يكن التباعد الجغرافي بين البيض والسود منفصلا في يوم ما ومؤسِسًا لكيانيْن.
- بدأت الرؤية العالمية حول مشروع الدولة الإسرائيلية باختلاف جوهري عن نظام الأبرتهايد الذي أيّد النازية في الحرب العالمية الثانية، أمّا الوكالة اليهودية فهي لم تقف ضدّ النازية ومع دول التحالف المنتصرة - إن كانت أمريكا أو الاتحاد السوفييتي أو بريطانيا أو فرنسا- وحسب. وإنّما كانت ضحيّة أساسية للنازية ممّا جلب تعاطفًا عالميًا شاملا، وربّما من المفارقات البائسة أن القيادة الفلسطينية بزعامة المفتي هي التي أيّدت النازية27.
_________________

* سلاح المقاطعة.

يطرح الكثير من المنادين بفكرة "الدولة الواحدة" آلية إضافية لفرض حل "الدولة الواحدة" غير النضال الفلسطيني على أرضه وهي سلاح المقاطعة، ممّا يقتضي مناقشة هذه الأداة بشكل علمي لتقرير جدواها.  
ويجدر التأكيد على الأهمية الأخلاقية والسياسية والاقتصادية لسلاح المقاطعة الذي ترفعه بعض الدول العربية والإسلامية وما تبقّى من الدول الاشتراكية ككوبا أو دولة كفنزويلا، وحركات شعبية وأهلية في عدد قليل من الدول الغربية.
ويمتدّ هذا الشعار الهام بعد كل عدوان إسرائيلي إلى مناطق أوسع، ثمّ يتراجع في الأوضاع العادية، كما حدث في تركيا بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة (2009) وكذلك في بعض الأوساط اليسارية الأوروبية خاصّة في بريطانيا، مع التأكيد على أن النرويج هي أكثر الدول مثابرة في هذا المجال، ففي عام 2002 قاطعت أكبر شركة للصناعات الغذائية بالنرويج المنتجات الزراعية الإسرائيلية، كما استخدم عمال الجمعيات المهنية المختلفة أجسادهم لمنع الشاحنات التي تحمل الثمار الإسرائيلية المصدّرة إلى النرويج.
 وفي عام 2005 قرر إقليم "سور- ترونديلج" النرويجي فرض مقاطعة رسمية على إسرائيل، وأصدر تعليمات لمواطنيه بعدم شراء أي منتجات إسرائيلية، وبعدها بعام واحد دعت وزيرة المالية النرويجية "كريستيان هالبورسون" إلى فرض مقاطعة على إسرائيل.

 أما "الاتحاد الأوروبي" فقد شهد نقاشات وقرارات بمقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1967، وليس المنتجات الإسرائيلية. وهو ينسجم مع موجات المقاطعة التي تحتجّ على وجود الاحتلال وممارساته وليس ضدّ وجود إسرائيل كدولة.
من المهمّ التذكير أن المقاطعة ضدّ إسرائيل في تراجع، حتى وهي في ذروتها تبقى أضعف ممّا كانت عليه قبل تسعينيّات القرن الماضي. ففي الماضي كانت تُقاطع إسرائيلَ كلُّ الدول العربية، والغالبية الساحقة من الدول الإسلامية، وكذلك معظم الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز بنسب مختلفة، ورغم المقاطعة الكبيرة إقليميًا وعالميًا آنذاك انتعش الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير لا سيّما بعد العام 67.

ولكنّ الوضع العالمي بعيدٌ جدًا عن اتخاذ مواقف مقاطعة لدولة إسرائيل وقادرة على فرض "حلّ الدولة الواحدة" وذلك للأسباب التالية:
1. المقاطعة العربية ضدّ إسرائيل كانت جارفة حتى "كامب ديفيد" 1978 وقد بدأت ضد "اليشوف العبري" قبل قيام الدولة28، وربّما بسبب جارفيّتها طالت حتى المواطنين العرب المواطنين في إسرائيل29،  ولكن هذه المقاطعة الهامّة أخلاقيًا وسياسيًا واقتصاديًا لم تكفِ لضرب السياسة أو الاقتصاد الإسرائيليين. والواقع يُشير أن الاقتصاد الإسرائيلي حقّق انجازات هائلة رغم تلك المقاطعة. أي أن المقاطعة التي شملت الدول العربية وجزءا كبير من الدول الإسلامية والاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية والكثير من "دول عدم الانحياز" لم تكفِ لإقناع إسرائيل بحلّ ما وليس حصرًا "حلّ الدولة الواحدة" لأن الكثير من الدول المساندة للقضية الفلسطينية كانت تؤمن بـ"حلّ الدولتين". والوضع العالمي والإقليمي اليوم في تراجع كبير خاصّة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وعقد اتفاقية كامب ديفيد (1978) وحروب الخليج المختلفة.
 ومن تجلّيات تردّي الوضع العربي أنه في قمّة الغضب الشعبي العربي بعد العدوان على غزّة (2009) تنادت الدول العربية لمقاطعة إسرائيل فلم يحضر ممثلون سوى من بعض الدول التي لم تعقد "اتفاقيات سلام" مع إسرائيل، أي لم تشارك أكبر دولة عربية (مصر) وأكبر دولة حدودية مع إسرائيل (الأردن) وغيرهما.
2. مارست إسرائيل، في بداياتها، الاستيطان الزراعي كتطبيق لرؤية أيديولوجية، وبدأ اقتصادها كاقتصاد تقشّفي مُسيْطر عليه بشكل شبه كلّي من قبل قطاع الدولة العام30، وقد كانت هذه "قيمًا صهيونية" ساعية إلى تقدير العمل اليدوي والزراعي وخلق يهوديّ آخر نقيض اليهوديّ في أوروبا اللاسامية، وقد استمرّ هذا الوضع حتى منتصف السبعينيات31، وهذا الأمر يشكّل أرضيّة لما يمكن أن تستوعبه إسرائيل (نظريًا) من مقاطعات، ففي أقصى الظروف يمكنها الرجوع إلى وضعيتها الأوّلى. رغم أن هذا الوضع انقلب على رأسه مرّتين الأولى مع اعتلاء الليكود الحكم في الـ77 والثانية في التسعينيات بغضّ النظر عن الحزب الحاكم، وقد شكّل هذا التوجّه الليبرالي ومن ثمّ النيوليبرالي ضربة إلى مفاهيم حركة العمل الصهيونية، وإلى "الأخلاقيات" التي يشهد عليها من عايش الخمسينيات والستينيات، حيث القيادة السياسية التي تلبس البنطلون الكاكي والقميص الأبيض وحيث النفور من البرجزة. كل هذا صحيح، ولكنّ المجتمع الإسرائيلي يبقى، ربّما أكثر المجتمعات في العالم، تقاربًا وتماسكًا وقت الأزمات ومتخندقًا في الغيتو وملتفًا حول نفسه إزاء العدوّ الخارجي، حتى ان بعض المنظّرين الجادّين ذهبوا إلى أن سرّ التماسك الإسرائيلي هو وجود (أو اختلاق) عدوّ خارجي.
3. من المهم قراءة المعطييْن التاليين: (1) 30% من الصادرات الإسرائيلية تصل أمريكا (2) الصناعة العسكرية تشكّل الصادرات الإسرائيلية الأكبر وتصل  2.5 مليار دولار سنويًا.
هذان المعطيان (التصدير إلى أمريكا والصناعات العسكرية) هما الأبعد عن التأثّر في حالات المقاطعة، كون أمريكا وكذلك الجهات التي تحصل على سلاح من إسرائيل، هي الأبعد سياسيًا وأخلاقيًا عن المقاطعة.
4. يمكن للصناعات التقليدية الإسرائيلية أن تصمد لمدى طويل جدًا في حالات مقاطعة، حيث انّها لا تحتاج الأسواق العالمية إلا لـ12% منها، فـ 88% منها يُستهلك داخل إسرائيل.
5. مهم الإشارة هنا إلى أنّه في حالة المقاطعة للشركات الخاصّة، فإنّ هذه الشركات هي الأقدر على المراوغة حتى بتغيير اسمها. وأذكر كيف كنّا نزور مصنعًا للأحذية في الضفّة الغربية ونقرأ على ظهر كل حذاء MADE IN ITALY بكلّ فخر واعتداد! ولا حدود للإبداع في القطاع الخاص. فنذكر أنه بعد عمليّة "السور الواقي" (2002) والغضب الشعبي المتراكم ضدّ أمريكا، أن طالبت القوى الوطنية في الدولة العربية مقاطعة المنتجات الأمريكية، ولم يمضِ شهر إلا وامتلأت الأسواق بـ"مكّة كولا" لا أكثر ولا أقلّ، ونوع آخر من "الكوكا كولا" كتب على عِلَبه "صُنعت بكل فخر بأيد فلسطينية". وهذا تمامًا ما يحدث مع بعض المنتجات الإسرائيلية في بعض الدول الأوروبية التي تشهد بعض المقاطعات للمنتجات الاستيطانية، فيُغيَّر اسمُ الشركة بكلّ سهولة، وإذا كانت تريد المحافظة على اسمها ورصيدها فتُبدع في أساليب الجلب الأخرى كما ذُكر آنفًا.
6. الامبريالية العالمية ستُقاوم بشدّة لأنّ حل "الدولة الواحدة" يتناقض بشكل مباشر وتناحري مع مصالحها، وقد شرحت ذلك سابقًا.
 هذا لا يعني الاستسلام للامبريالية، بالعكس تمامًا وسأذكر لاحقًا أن المقاطعة يجب أن تطال أمريكا، ولكن هذا معناه أن من واجب المناضلين أن يدرسوا ميزان القوى ووزن القوى المضادّة.
7. أوّل من لا يملك خطّة لمقاطعة إسرائيل هو الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وقد ارتبط اقتصاده كليًا بدولة إسرائيل.

- من أجل مقاطعة فعّالة

ما ورد أعلاه يقودنا إلى أنّه سوى الموقف السياسي والأخلاقي الهام من المقاطعة، فإنّها قادرة على تكون فعّالة ومفيدة في الحالات المجتمعة التالية:
1. أن تكون المقاطعة ضدّ أمريكا وإسرائيل، وليس ضدّ إسرائيل وحدها. وذلك لضلوع أمريكا في جوهر سياسات إسرائيل، ولأنّ الشركات الأمريكية متواجدة في الأماكن المقاطِعة لإسرائيل أصلاً مثل بعض الدول العربية التي فيها تربة خصبة للمقاطعة أكثر من غيرها لاعتبارات قومية إضافة للأممية والأخلاقية. ولأن الشركات الأمريكية أكثر حساسيّة وتفاعلا مع مواقف المقاطعة بخلاف الإسرائيلية التي تتميّز ببُعدٍ أيديولوجي وسيكولوجي يجعلها متماسكة أكثر في حالات المقاطعة. ويُذكر هنا أن الشركات الأمريكية مثل "ماكدونالد" و"كوكا كولا" و"ستاربكس" وحتى "ماك أرابيا" تلقّت ضربات مقاطعة شعبية هامّة في أماكن تُقاطِع إسرائيل رسميًا مثل بعض دول الخليج.
2. أن يشهد العالم العربي أساسًا تحرّكًا بهذا الاتجاه، وقد أبرز العالم العربي نجاحات في هذا المجال، أذكر منها أنه في سنة 65 أعلنت ألمانيا الغربية رغبتها في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل فقاطعتها عشر دول عربية أبرزها مصر عبد الناصر. ممّا أدى بألمانيا إلى وقف دعمها إسرائيلَ في السلاح، وهنا تدّخلت أمريكا عبر مندوب الرئيس جونسون أفريل هاريمان ليعوّض إسرائيل عن وقف المدّ الألماني لإسرائيل بالسلاح32. ولكن العبرة في هذه الحادثة هو التأثير الفعلي للدول العربية على ألمانيا، كما يجدر لفت الانتباه إلى حظر البترول السعودي عن بريطانيا والولايات المتحدة في أعقاب حرب 1973 على يد الملك فيصل (وكان الملك فيصل قد أعلن حظر البترول في سنة 67 ولكنّ بشكلٍ غير ملموس) وحتى تلك المقاطعة (فرضًا أنها كانت حقيقية أو غير منسّقة مع أمريكا أصلا) قد انتهت في السياسة الخليجية، أو كما قال وزير خارجية السعودية سعود الفيصل قاطعًا النقاش: "النفط للتنمية وليس للعقوبات".
من المؤكّد أن الالتزام العربي تجاه القضيّة الفلسطينية أقلّ من مراحل سابقة، والمصالح الأمريكية أعمق، ولكن هذا يجب أن لا يمنع التحرّك الشعبي بهذا الاتجاه.
3. ممّا أوردته آنفًا نصل إلى قناعة مؤكّدة أنّ فكرة تفعيل سلاح للمقاطعة لا يمكن أن تحقّق مشروع "الدولة الواحدة" وإنّما يجب أن تتركّز في النضال ضد احتلال الـ67، وهذا يضمن خلق قاعدة عريضة جدًا للمقاطعة، وقادرة على التأثير، إضافة للنضال الفلسطيني الشعبي والسياسي.
__________



( 6 – 6 )
الجزء الثالث
ألتركيز على بؤرة واحدة: إقامة الدولة



* ألدولتان وآفاق حلّ قضيّة اللاجئين.

من الأسئلة الجِديّة والتي تستدعي المواجهة والتفكيك هي آفاق حل قضيّة اللاجئين، خاصّة أن طرح الدولتين بحدّ ذاته لا يشمل حلّ قضيّة اللاجئين. وخاصّة أنّ طرح "الدولتين" يُفسَّر إسرائيليًا وأمريكيًا بأنّ الحقوق القومية للشعب الفلسطيني (ومن ضمنها مسألة اللاجئين) تُحلّ في "الدولة القومية" لكلّ شعب.
 ليس من المنطقي أن يتبنّى الفلسطينيون طرح إسرائيل، فاللاجئ الذي هُجّر من شمال الجليل -على سبيل المثال- يملك حقوقًا في شمال الجليل، وقد حرم من وطنه وبيته وبيئته الطبيعية دون جرمٍ ارتكبه، فله حقوق ولا سبب لتنازله عنها.
الموافقة الفلسطينية على "حلّ الدولتين" والتي تشكّل تنازلا غير سهلٍ في المنظور التاريخي لا تشمل تنازلا عن حقوق اللاجئين، وهكذا هي مواقف كل المقرّرات الدولية التي تحاول أمريكا وإسرائيل استبدالها بالمرجعيات الجديدة مثل "خارطة الطريق" أو "توجّه كلينتون" أو "أنابوليس" وغيرها، حيث  تتحوّل هذه "المرجعيّات" الجديدة المتنازِلة أصلا ( في مسألة اللاجئين على وجه الخصوص) إلى نقطة البداية في المفاوضات من أجل تنازلات إضافية.
إن قضيّة اللاجئين تحمل بعض المقوّمات العربية أكثر من قضيّة الدولة، حيث ان عدّة دول عربية تعجّ بمئات آلاف اللاجئين، وترى في حل القضيّة انعكاسًا مباشرًا عليها. وإذا أُحسن استعمال هذا البُعد فمن شأنه أن يُعزّز القضية بعامل قوّة إضافي له مصلحة محلية خاصّة وليس مجرّد قومية وأخلاقيّة عامّة، وهذا عامل هام لأنّ قضيّة اللاجئين ستصطدم بالمصالح الإمبريالية وخاصّة الأمريكية، وليس فقط الإسرائيلية كما بيّنا. وإن كانت الدولة الفلسطينية في حدود الـ67 قد تندرج بشكل أو بآخر ضمن الأمور القابلة للاستيعاب أمريكيًا إلا أن مسألة اللاجئين تختلف كليًا لأنّ من شأنها تغيير إسرائيل الحالية بمفاهيم ليست ديمغرافية وحسب كما بيّنا سابقًا. ومن هنا فالمعركة على تجسيد حقّ اللاجئين هو جزء من المعركة على تفكيك البُنى الاستعمارية في إسرائيل نفسها وهي معركة بحاجة إلى استراتيجية طويلة النفس. وفي نهاية المطاف فإن الحركة الوطنية الفلسطينية هي حركة ثورية بمفهوم التصدّي للمشروع الاستعماري في الشرق. وتاليًا فهي، أيضًا، معركة على تحرير اليهود من الدور الاستعماري الذي يجعل من إسرائيل مجرّد ثكنة عسكرية - أو "أكبر حاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط" حسب تعريف زعيم اليمين والحركة التنقيحية مناحم بيغين- إلى دولة طبيعية في الشرق، وهذه هي المصلحة الحقيقية لليهود في نهاية المطاف.

* ألتسوية والمصالحة

يجب التفريق بين التسوية والمصالحة، فالنضال اليوم يتركّز في إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وفْق القانون الدولي، وهذه هي التسوية التي تختلف عن المصالحة بين الشعبين. والموقف الرسمي الفلسطيني صائب حين يعتبر اعتراف إسرائيل عن مسؤوليتها تجاه قضيّة اللاجئين وتحمّلها المسؤولية هي القاعدة التي يجب أن ترتكز عليها حلّ قضية اللاجئين. يستطيع البعض اعتبار ذلك مستحيلا (وهذا الاعتبار ليس من حق المؤمنين بإمكانية "حل الدولة الواحدة") ولكن هذا الأمر لن يكون بمثل هذه الاستحالة إذا لاحظنا الفرق النوعي في الوعي الإسرائيلي بين "إنكار النكبة" وبين الاعتراف بها وبدور الحركة الصهيونية في نتائجها.33
إن المتابع للحركة الثقافية والسياسية في إسرائيل يلاحظ التطوّر الهام الذي اخترق الأكاديميا الإسرائيلية عن طريق "المؤرخين الجدد" الذين وجهوا أصابع الاتهام للحركة الصهيونية بأنها تعمّد إحداث التطهير العرقي للشعب الفلسطيني، وكذلك قرارات وزارة التعليم الإسرائيلية بتعلّم النكبة، وإن جاءت مخفّفة ومشوّهة للوقائع، إلا أن الوزارة أُجبرت على التعامل مع الموضوع.
ليس صحيحًا أن لا نصارح ذاتنا وشعبنا بأن حل مشكلة اللاجئين حلا حقيقيًا (أي عودة ملايين اللاجئين إلى الجليل والمدن الساحلية والمثلث والنقب) ليس بالأمر السهل وليس بالأمر الذي سيُحقّق خلال بضع سنوات قريبة، إلا إذا حدثت تغييرات عالمية وإقليمية خارقة.  وقد نجد طروحات يائسة تجعل الدولة الفلسطينية بديلا عن قضيّة اللاجئين، وطروحات أخرى تريد وضع قضيّة اللاجئين في موضع متقدّم عن إقامة الدولة. لا هذا صحيح ولا ذاك. والحل الصحيح هو تكريس كل الجهود لإقامة الدولة الفلسطينية كمحطّة تسوية رئيسية في الطريق إلى المصالحة، التي لن تتمّ دون اعتراف إسرائيل بدورها الحاسم في "مشكلة اللاجئين" وتحمُّل المسؤولية في الطريق إلى تجسيد الحق وفْق القرار الدولي 194.
إن محكّ جعل إسرائيل دولة طبيعيّة في محيطها وآمنة بشكل حقيقي هو عدم التهرّب من الجريمة الكبرى التي رافقت إقامتها لأنّها ستلاحقها دائمًا، وإنّما إعطاء الأجوبة الحقيقية التي تصبّ في النهاية في مصلحة الشعبين.

* آفاق مستقبلية.

كتب أمنون كابليوك في كتابه "عرفات الذي لا يقهر" أنه "حتى بعد أن قبل عرفات عام 1988 بوجود دولة إسرائيل، سيبقى عرفات يردد أمنيته بإقامة دولة ديمقراطية على كامل الأرض الفلسطينية - التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود –تتم إقامتها سلميا".
 إن الجملة الأخيرة "تتمّ إقامتها سلميًا" هي التي تجعل موقف عرفات يختلف جوهريًا عن موقف بن غوريون في حزيران 1938 حين خاطب قيادة الوكالة اليهودية، بشأن اقتراح آخر لتقسيم فلسطين، عن نيّته إزالة التقسيم العربي-اليهودي والاستيلاء على كلّ فلسطين بعد أن تقوى شوكة اليهود بتأسيس وطن لهم.
هذان الموقفان لأهم قائد فلسطيني وأهم قائد صهيوني يختلفان كليًا في السياق، فالأوّل يجسّد الضحيّة والطرف الأضعف والذي يطرح بديلا سلاميًا للشعبين. والثاني يطرح بديلا كولونياليًا إحتلاليًا وبالقوّة، ولكنّهما يجتمعان في طموحهما لـ"مكان تحت الشمس" وموطئ قدم، إلى دولة.
هذا التنازل الفلسطيني المؤلم أصاب العديد من القوى الثورية في العالم، بل القوى التي تعتبر النموذج الثوري المثالي مثل قيادة الثورة الفيتنامية، وقد قبلت أثناء مؤتمر جنيف (1954) تقسيم وطنها إلى دولتين، وتلك هي حالة الكوريّيِن الشماليين والجنوبيين. والثائر الشيوعي الأكبر ف. إ لينين ضحّى بجزء كبير من الأراضي السوفييتية في معاهدة "برست ليتفوسك" لينقذ السلطة البلشفية. وبغضّ النظر إذا كان تنازلهم الكبير تكتيكيًا أم استراتيجيًا نتيجة لتوازن قوى طاغٍ ضدّهم، إلا أن هذه التجارب الثورية يجب أن تشكّل موضعًا للدراسة الموضوعية.
الدولة الديمقراطية الواحدة (بمسمّياتها المختلفة) هي دولة ديمقراطية وتعايشية في جوهرها، لذا فهي تتطلّب موافقة الشعبيْن الطوعية لأنّها ليست دولة يهودية فقط أو عربية أو إسلامية فقط.
إن الدولتين لا تملكان إمكانية عدم الارتباط الاقتصادي وإقامة علاقات بينهما، وفي ظروف الليبرالية والانفتاح والعولمة يبدأ "الغيتو اليهودي" بالتداعي، حيث ان ركائز سور الغيتو هو الشعور بالإحاطة من الأعداء والإحساس بالغربة، وفي اللحظة التي سيبدأ فيها هذا السور بالتداعي هي اللحظة التي يبدأ فيها المشروع الكولينيالي الصهيوني بالتداعي.
إن توحيد الدولتين بأشكال مختلفة كالكونفدرالية أو حتى الوحدة، أشبه بالزواج الطوعي وهو يتمّ بين متكافئيْن، ومن الواضح أن قيام دولة فلسطين يجعلها أكثر نديّة ولديها ما تقدّمه للحلّ المشترك أكثر من شعب واقع تحت الاحتلال.
إن الحزب الشيوعي في مؤتمره السابع عشر (1972) تعرض لهذه المسألة بالسطور التالية: "لا يُستبعد في المستقبل البعيد إمكان حدوث تطورات في اتجاهات مختلفة ومنها إقامة اتحاد فدرالي بين الدول في منطقتنا. ولكن مهما تكن التطورات، فإنّ ارتباط الدول مع بعضها البعض على هذا الشكل أو ذاك لا يمكن أن يتم إلا نتيجة رغبة الشعوب الحرة. ولقد أكد الحزب الشيوعي دائمًا على الطريق التي يجب اتّباعها حتى تبلغ دولة إسرائيل السلام والتعاون مع الشعوب العربية وبضمنها الشعب العربي الفلسطيني، ويتلخص هذا الطريق بالشعار "مع الشعوب العربية ضد الإمبريالية وليس مع الإمبريالية ضد الشعوب العربية"34
وبهذا وضع الحزب الشيوعي الشروط الثلاثة التالية لخلق تحالف أو وحدة، وهي:
1. أن تقوم دولة فلسطينية.
2. أن تتمّ الاتحادات أو الوحدات بناء على رغبة الشعوب الحرّة.
3. مواجهة الإمبريالية.
كل ما ذكر أعلاه يحتمل تطوّرات باتجاهات مختلفة في المستقبل، ولكنّ ليس من المسؤولية الوطنية طرح أفكار غير مرتبطة بالواقع الآني، وكلّ تطوّر مستقبلي يجب أن يكون مرتبطًا على الأساس الصلب وهو قيام دولة فلسطين في حدود الـ67.
___________

* بدلا من الخاتمة.

بعد هذه المسيرة الطويلة من واجبنا تقييمها، وسأقوم بذلك من خلال مقارنة مع الطريق السياسي الذي طرح بديلا آخر رفضه البنّاؤون طويلا إلى أن أصبح رأس الزاوية وهو الطريق الذي اختطّه الشيوعيّون.
- قبل العام 47 وضع الشيوعيون معادلة تضمن الحقوق القومية للفلسطينيين كمجموعة قومية ولكلّ السكان اليهود، بينما وضعت الحركة الوطنية التقليدية طرحًا مناقضًا لإمكانية العيش المشترك بين العرب واليهود، واستمرّت بهذا الطرح حتى العام 68 حيث طرحت "الحلّ الديمقراطي الذي يعيش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود".
- قبل النكبة طرح الشيوعيون مطلب التعاون بين الفلسطينيين واليهود المعادين للصهيونية، ورفضت ذلك الحركة الوطنية التقليدية، وواظبت على رفض هذا الطرح، ويروي صلاح خلف (أبو إياد) كيف أن القوى الوطنية رفضت التعامل مع الشيوعيين في غزّة، رغم أنّهم (أي الشيوعيين) كانوا القوّة المركزية في النضال ضدّ توطين اللاجئين35، وذلك لسبب واحد وهو تأييدهم للشراكة مع اليهود المعادين للصهيونية"36. وفقط في العام 77 أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة عشرة أهمية العلاقة والتنسيق مع اليهود مواطنين دولة إسرائيل والمعادين للصهيونية.
- يكتب د. إميل توما عن مرحلة ما بعد النكبة التي تميّزت بفراغ نسبي في العمل الوطني الفلسطيني، فيقول: "ومن الحق أن نقرّر دون فخر أن بين الفترة الممتدّة ما بين عام 1948 و 1964 (سنة قيام منظمة التحرير الفلسطينية) أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي حظي بتأييد محافل واسعة من المواطنين العرب في إسرائيل انفرد في تأكيد ضرورة حلّ القضية الفلسطينية، التي اعتقدت المحافل الإسرائيلية الحاكمة أنها انتهت بانتساب إسرائيل إلى الأمم المتحدة، على أساس الاعتراف بحقّ الشعبين العربي واليهودي في تقرير مصيرهما"37
المواقف الواقعية للشيوعيين، تقاس مصداقيّتها بأنّها لم تثبت صحّتها وحسب، وإنّما عندما رفعها أصحابُها كانوا صوتًا صارخًا في البراري اليهودية والفلسطينية والعربية، فلوحقوا من قبل حكّام إسرائيل ومن قبل القيادة التقليدية الفلسطينية38 ومن قبل الأنظمة العربية.
لقد رفع الشيوعيون شعار الدولة الواحدة كطرحٍ نافٍ للاستعمار البريطاني وتجسيد حق الشعب الفلسطيني وكافة السكان اليهود، أما في هذه المرحلة فشعار الدولة الواحدة له معنى واحد وهو عدم إقامة الدولة الفلسطينية في حدود الـ67.
أردت كتابة هذه المداخلة الأخيرة عن الطرح السياسي للشيوعيين للتأكيد على أنّه ليس من حقّ أحد جعل القضية الفلسطينية النازفة آلاف الشهداء والجرحى مسيرة سيزيفية، وهو يقترح على الشعب الفلسطيني "دولة واحدة" وغيرها من الطروحات النُخبوية، ويقترح بدائل أو طرقا التفافية للمعركة الضارية من أجل دولة فلسطينية في حدود الـ67.
يجب أن تتركّز كل الجهود والطاقات، الشعبية والرسمية، على بؤرة واحدة وهي إقامة الدولة الفلسطينية في حدود الـ67. لأن قيام دولة فلسطينية وتشييد قوام هذه الدولة فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا هو ليس فقط حقّا أساسيّا للشعب الفلسطيني، وإنما هو نقطة أرخميديس التي ترفع العديد من القضايا الجسام على مستوى شعوب المنطقة ووجهتها.

الهوامش:


1  ننصح بقراءة مقدّمة هذه المذكرة التي وضعها مكتب سكرتارية "العصبة" في سنة 1945، وجاء فيها: " غير أن الذي نريد أن نبحثه في هذه الإلمامة، هو تلك الشعارات غير العملية التي تحملها أوساطنا الوطنية، والتي تقود آخر الأمر إلى التقسيم. نعني: إعلان هذه الأوساط أنها لا يمكن أبدًا أن تعيش مع السكان اليهود في فلسطين، أو أن تؤمّن لهم أي حقّ ديمقراطي من حقوقهم، أو الوصول إلى أي نوع من التفاهم معهم، وهذا التفاهم لا يعني أبدًا التفاهم مع الحركة الصهيونية نفسها، ولكنّه الاستعداد للتفاهم على تأمين حقوقنا الوطنية العادلة، والاعتراف بأن الحركة الوطنية العربية تريد وتستطيع أن تؤمّن حقوق السكّان اليهود الديمقراطية دون وجود الاستعمار البريطاني، بل على أساس عدم وجود الاستعمار البريطاني". وتكمل المذكّرة: "إننا نرفض التقسيم ولذلك نشجب كلّ رأي يقول إن العرب لا يستطيعون العيش بسلام مع السكان اليهود في فلسطين. إننا نريد فضح الصهيونية والاستعمار، لذلك نعلن أن الحركة الوطنية في فلسطين، بنضالها لتحرير فلسطين، تؤمّن حقوق اليهود الديمقراطية فيها."
2  لجنة التحقيق الدولية اجتمعت في القدس في تمّوز 1947، إلا أن الفلسطينيين لم يشاركوا في جلساتها بناءً على قرار "الهيئة العربية العليا" بزعامة المفتي الحاج محمد أمين الحسيني، هذا الموقف المُقاطع لم يرُق للعصبة خاصّة لوجود دول صديقة للشعب الفلسطيني ممثلة في اللجنة مثل الهند، يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، ولكنّها لم تشأ اختراق الصفّ الفلسطيني فلم تمْثل أمام اللجنة، ولكنّها أرسلت مذكرتها إلى اللجنة لإسماع موقفها، وقد تمّ نشرها، تباعًا، في صحيفة "الاتحاد". وقد انتقدت "العصبة" قرار "الهيئة العربية العليا" بالمقاطعة تاركة اللجنة لتأثير الحركات الصهيونية المختلفة، وللوكالة اليهودية بشكلٍ خاص. وقد نشرت "العصبة" موقفها الناقد للمقاطعة بجرأة في صحيفة "الاتحاد".
ننصح القرّاء بقراءة المذكّرة ليس فقط لموقفها السياسي العميق والمسؤول، وإنما لأن موادها تشكّل أحد المراجع الأكثر أهمية ودقّة للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فلسطين إذّاك.
 
3  أريك رولو "فلسطيني بلا هوية" (لقاءات مع صلاح خلف "أبو إياد")  ص 50.
4  يمكن ذكر بعض التنظيمات الفلسطينية مثل "كتائب الفداء العربي" التي أقامتها مجموعة شباب ونشطت في تفجير مواقع يهودية في بيروت وغيرها، وآمنت بالأعمال البطولية الفردية والتضحية بالنفس، وقد قال أحد قادتها: "كنا ساذجين إذ اعتقدنا بأن بضع رصاصات في رؤوس خونة أمثال الملك عبد الله كافية لخلق موقف ثوري" واختفت الكتائب سنة 1950. وحركة أُخرى بإسم "مقاومة الصلح مع إسرائيل" وأصدرت مجلة أسبوعية بإسم الثأر ولكنّ هذا المنظّمة سريعًا ما انحلّت. (لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى كتاب "حركة القوميين العرب" لباسل الكبيسي).
5   وضعت حركة "فتح" في نهاية الخمسينيات برنامجًا أوليًا عريضًا من ثلاث نقاط: "(1) تحرير فلسطين. (2) الكفاح المسلح هو أسلوب التحرير. (3) الاستقلالية التنظيمية عن أي نظام عربي أو دولي. "ثمّ طوّرت برنامجًا أكثر تحديدًا جاء في بنده الثامن: "الوجود الإسرائيلي في فلسطين غزو صهيوني عدواني قاعدته استعمارية توسعية، وهو حليف طبيعي للاستعمار والامبريالية العالمية".
6    عدا عن الانتصار العسكري الساحق واحتلال باقي الوطن الفلسطيني وأراضٍ مصرية وسورية، أفرزت النكسة النتائج الكارثية الأساسية التالية:
- ضرب فكرة الوحدة العربية بشكل قويّ عبر الانتصار على قائدة المشروع، مصر عبد الناصر.
- إذا كانت حرب الـ48 قد ضربت الأنظمة العربية الرجعية وفجّرت براكين غضب شعبية عليها، فقد ضربت حرب 67 النظام العربي الوطني والتقدّمي الأبرز في مصر ورأس حربة حركة التحرر الوطني العربي، وكذلك النظام الوطني في سوريا.
- إذا كانت حرب 48 قد أحدثت تراجعًا للأنظمة العربية الرجعية لصالح الأنظمة الأكثر تقدمية، فإن حرب 67 قد سجّلت تراجعَ وصاية الأنظمة العربية لقضية فلسطين لصالح "م.ت.ف"، التي اُُُعترف بها لاحقًا ممثلا شرعيًا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
- تعمّق الارتباط الإسرائيلي بأمريكا، وقد حصلت إسرائيل سنة 68 على دعم أمريكي بقيمة مليار دولار، وهو أكثر ممّا حصلت عليه في السنوات العشرين الأولى مجتمعة معًا.
- إحداث تطوّر كبير على القطاع الخاص في إسرائيل بعد أن اطمأنّ الرأسمال العالمي على أهميّة الاستثمار في إسرائيل التي خرجت من الحرب ثابتة ومنتصرة.
- انتصار الصهيونية كفكرة وكمشروع بين الجاليات اليهودية في العالم، خاصّة بأمريكا حيث تمتلك نفوذًا كبيرًا ممّا عقّّد القضيّة الفلسطينية أكثر.

7  لتفاصيل وافية عن الأبعاد السياسية للمجازر الرهيبة في الأردن ننصح بقراءة كتاب "دراسة نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية" لـد. صادق جلال العظم،. وكذلك كتاب "فلسطيني بلا هوية" (مصدر سبق ذكره)
8  مبادرة قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وليم روجرز وزير الخارجية الأمريكي في عهد ريتشارد نيكسون، وقد جاءت هذه المبادرة لوقف إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية، وكان روجرز قد صرّح، قبل ذلك، أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تشجيع العرب على قبول سلام دائم وفي الوقت نفسه تشجع إسرائيل على قبول الانسحاب من أراض محتلة بعد توفير ضمانات الأمن اللازمة. عبد الناصر التزم الصمت منتظرًا موقف إسرائيل التي رفضت المبادرة، فأعلن عن موافقته لها! هذه الموافقة أحدثت مفاجأة في العالم العربي وهاجمتها "م.ت.ف" بشدّة.
9  أرى أن قرار الجامعة العربية باعتبار "م.ت.ف" الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني صحيح في جوهره ولكنّه اُتّخذ بنوايا مبيّتة من قبل بعض القادة العرب وعلى رأسهم السادات، حيث ان القرار اتُخذ في  26 - 28/11/73 وقد وافقت عليه جميع الدول العربية باستثناء الملك حسين لهذا لم يُعتمد القرار وبقي "سرا"! وسبق ذلك في 18.07.1974 أن وقّع الملك حسين والرئيس السادات على بيان مشترك يعترف فيه السادات ويقر للملك حسين بأحقيته بالتحدث باسم الفلسطينيين المقيمين في الأردن ويزيد عددهم علي المليون نسمة. وقد رافق ذلك حملة إعلامية غير مسبوقة في الصحافة المصرية على "م.ت.ف" تمهيدًا لتهيئة الأجواء من أجل تنصيب الملك حسين متحدثا باسم الشعب الفلسطيني، واعتماد ذلك بقرار عربي في القمة العربية التالية والتي ستعقد في المغرب في 26/10/74، هذا الموقف لم يبقِ "م.ت.ف" ورئيسها ساكنيْن فقاموا بإجراءات دبلوماسية وعسكرية حتى قلبوا ظهر المجنّ في تلك الشهور الهامّة، ولكنّي أردت بهذا الملاحظة أن أقول إن بعض الأمور مازالت خفيّة خاصّة حيال موقف الرئيس السادات الذي يبدو أنّه أراد التخلّص من العبء الفلسطيني وإلقائه كاملا على "م.ت.ف" تمهيدًا لمشروعه الانفرادي في التسوية مع إسرائيل- أي كجزء من نهجه للتحرّر من القضيّة الفلسطينية.
10 عارضته عدّة فصائل سُمّيت بـ"جبهة الرفض" وهي: الجبهة الشعبية، الجبهة الشعبية - القيادة العامة، جبهة التحرير العربية، جبهة النضال الفلسطيني، وانشقّت عن "م.ت.ف" حتى 1979 بعد المصالحة السورية - العراقية وتوقيع الميثاق القومي عام 1978، فانفرط عقد جبهة الرفض وعادت الفصائل المذكورة إلى منظمة التحرير بدورة المجلس الوطني المنعقد بدمشق عام 1979 .
11 .  أدخلت "م.ت.ف" عبارات مبهمة في برنامجها تُهيِّئ لاحتمال المشاركة في التسويات السياسية. فقد نصَّ ميثاق "م.ت.ف" على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، بينما ذكر برنامج "النقاط العشر" أن "منظمة التحرير تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كلّ جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها". فلم يعد الكفاح المسلح طريقاً وحيداً للتحرير، كما وافق البرنامج لأول مرة على تجزئة مشروع التحرير خطوة خطوة، ورفض المنهج السابق الذي يؤكد على شمولية التحرير كأمر لا يقبل التنازل عنه.
12   هذا هو القرار الرسمي ولكن قيادة "م.ت.ف" اجتمعت مع يهود إسرائيليين قبل ذلك. وقد حدّثني الرفيق بنيامين غونين (تمّوز 2009) أنه التقى بياسر عرفات في حزيران 1973، وكان الشاعر محمود درويش هو الذي رتّب اللقاء في قرية نائية خارج العاصمة الألمانية برلين. وقد ضمّ وفد الحزب الشيوعي توفيق زيّاد وجورج طوبي بالإضافة إلى بنيامين غونين (الرفيق اليهودي في هذا السياق) وضمّ وفد "م.ت.ف" ياسر عرفات، فاروق القدّومي ومحمود درويش.
13   للوقوف على الديناميكية والنقاشات داخل "فتح" وتاليًا داخل "م.ت.ف" أذكر المشروع الذي تقدّم به خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك في 14 أيّار 1982، وأسماه "أفكار للنقاش لحل النـزاع"، حيث دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة سنة 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية على تلك الأراضي، وأن تكون أحكام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة هي المرجع القانوني.
14 .  إمعانًا في توضيح مآلات "م.ت.ف" أسوق مثلا إضافيًا وهو الاتفاق بينها وبين الملك حسين على إقامة كونفدرالية أردنية فلسطينية في سنة 84 – 85 وقد أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني في الدورة السابعة عشرة المنعقدة في عمَّان في 22 تشرين الثاني 1984، وإن كانت "م.ت.ف" والملك حسين قد أجريا مباحثات أردنية - فلسطينية مشتركة تم في ختامها إقرار الاتفاق الأردني - الفلسطيني في 11 شباط 1985، وكان من أبرز أفكاره:
الموافقة على قرارات 242 و338 والاعتراف بمبدأ السلام مقابل الأرض، وانسحاب إسرائيل الكامل من الأرضي المحتلة عام 1967، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتكون العلاقة المستقبلية بين الأردن و "م.ت.ف" علاقة كونفدرالية فيما إذا قامت الدولة الفلسطينية، ونصّ المشروع أنه في حالة نجاح مفاوضات الملك فهد في واشنطن وقبول الإدارة الأمريكية بمقترحاته، أن تقوم "م.ت.ف" بخطوات متقدمة نحو الاقتراح الأمريكي القاضي بالاعتراف المتبادل مع إسرائيل.
يشي هذا الاتفاق بالوضع المأزوم الذي وصلت إليه "م.ت.ف" بعد حرب لبنان، ويعكس أيضًا الطريق المتعرّج الذي خطّته "م.ت.ف". وقد فشل الاتفاق في النهاية نتيجة للمعارضة الداخلية الفلسطينية القوية لهذا الاتفاق. وقام الملك حسين بإيقاف المشروع في 19 شباط 1986.
لقد رفض الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة هذا الاتفاق الذي عُرف بإسم "اتفاق عمّان"، حيث اعتبر الحزب أن هذا المشروع جاء متوافقا مع مشروع ريغان الذي يتنكر لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة، ويحصر حق تقرير مصيره في إطار الاتحاد الكونفدرالي العربي، وبسبب الموقف الشعبي العام فشل الاتفاق، وبعد حين اعترفت قيادة "م.ت.ف" بموقفها الخاطئ.
15   سبق ذلك أن صدرت عن بسام أبو شريف مستشار رئيس "م.ت.ف" ياسر عرفات احد مؤشرات الاستعداد للتسوية في الرسالة التي نشرها في حزيران 1988 ودعا إلى السلام والتعايش بين الدولتين: فلسطين وإسرائيل. وقد استفادت "م.ت.ف" من قرار الأردن في 31 تموز 1988 فك روابطه الإدارية والقانونية مع الضفة الغربية، فأكدت بذلك تمثيلها الرسمي الوحيد لأهل الضفة الغربية. وقد سعى الأردن من خلال فك روابطه مع الضفة إلى إفشال الاقتراحات والأفكار التي كثُر الحديث عنه إسرائيليا والتي طرحت "الخيار الأردني"، وأن الأردن هي وطن الفلسطينيين، بل واجترأ بعضها ليتحدث عن إمكانية تغيير نظام الحكم في الأردن بحيث يتولى الحكم فلسطيني في محاولة لإنهاء القضية الفلسطينية، وهذا شكّل خطرًا على النظام الهاشمي.
16  وكذلك وثيقة إعلان دولة فلسطين تضمّنت الاعتراف بقرار التقسيم، وقد جاء فيها: "ومع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب العربي الفلسطيني بتشريده وبحرمانه من حق تقرير المصير، إثر قرار الجمعية العامة رقم 181 عام 1947م الذي قسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، فإن هذا القرار ما زال يوفر شروطًا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني".
17  رغم التنازل الفلسطيني وجرأة القرار إلا أن أمريكا رفضت استقبال ياسر عرفات على أراضيها مما اضطر الأمم المتحدة إلى نقل اجتماعاتها إلى جنيف حيث ألقى عرفات خطابًا في 14 كانون الاول 1988. وبعد يومٍ واحد أعاد عرفات الاعتراف بإسرائيل بعبارات صريحة، وفقط بعد ذلك بساعات أعلنت أمريكا "فتح" الحوار مع "م.ت.ف" حيث بدأ في 16 كانون الاول  1988 في تونس، ومثَّل أمريكا فيه سفيرها في تونس روبرت بليترو.
18 "فلسطيني بلا هوية"، مصدر سبق ذكره، ص 225 – 226.
19  يُمكن مراجعة النصّ الكامل للبيان في موقع صحيفة "القدس العربي" على شبكة الانترنت.
20  يمكن رصد ذلك في التصريحات السياسية المتكررة لخالد مشعل وإسماعيل هنية-  نيويورك تايمز 5.5.2009.
21    لقد صرّح مستشار وزير الجيش لشؤون "البنية التحتية" حغاي ألون:"إن الجيش الإسرائيلي إنما يعمل لخدمة المستوطنين في تنفيذ سياسة عنصرية، تجعل من إمكانية إقامة دولة فلسطينية أمرًا مستحيلا" (هآرتس 20.05.2007) وهذا التصريح ليس إلا مقولة إضافيّة لسياسة واضحة تمام الوضوح.
22  لا يمكن اعتماد استطلاعات الرأي بشكل مطلق خاصّة أنها تجري في ظروف غير مستقرّة، ويمكن قراءة توجّهات الشعب الفلسطيني الواضحة بصدد إقامة دولة فلسطينية في حدود الـ67 كمطلب واقعي مقابل دولة واحدة كأُمنية جميلة ولكن غير واقعية، وذلك من خلال وقائع معبّرة أكثر عن استطلاعات الرأي. ومع ذلك أورد بعض الاستطلاعات التي أُجريت خلال السنة الأخيرة (2008 - 2009) وكلّها تُشير بمثابرة إلى موقف الفلسطينيين ومنها:
74% من الفلسطينيين يؤيّدون حلّ الدولتين وفق مؤسسة صوتنا فلسطين (الاتحاد 24.4.2009).
استطلاع "كول إحاد" يُظهر أن 74% من الفلسطينيين يؤيّدون حل الدولتين.
استطلاع "نير إيست كونسالتينغ" يُظهر أن 65% من الفلسطينيين يؤيّدون حلّ الدولتين.
نشرت صحيفة القدس في 5.11.2008 أن استطلاع معهد نيس أظهر أن 71% من الفلسطينيين يؤيّدون حلّ الدولتين.
استطلاع "نير إيست مونسليتينغ أظهر أن 73% من الفلسطينيين يؤيّدون حلّ الدولتين. 
 
23   أُشير إلى بعض استطلاعات الرأي من قبل معاهد جديّة لاستطلاعات الرأي، وتنشر في العديد من وسائل الإعلام في إسرائيل، ومن هذه الاستطلاعات أورد الأمثلة التالية: معهد ترومان (2009) أظهر أن 63% من الإسرائيليين يؤيّدون حلّ الدولتين. استطلاع "كول احاد" الإسرائيلي (2009) أظهر أن 78% من الإسرائيليين يؤيّدون حل الدولتين. استطلاع Jstreet (2009) يظهر أن غالبية يهود أمريكا تؤيّد التوصّل إلى اتفاق دائم مع الفلسطينيين على مبدأ الدولتين. استطلاع ماركت ووتش (2009) يُظهر أن 57% من اليهود الإسرائيليين (بدون المواطنين العرب) يؤيّدون حل الدولتين. استطلاع نير إيست كونسالتينغ (2008) يظهر أن 55% من الإسرائيليين يؤيّدون التفاوض على قضايا الحل الدائم مع الفلسطينيين. استطلاع لمعهد ترومان (2008) يُظهر أن 53% من الإسرائيليين موافقون على حل الصراع وفْق اقتراح "توجّه كلينتون" القاضي بتقسيم القدس.
24  نشر بروفيسور إدوار سعيد مقالا يوم 2.2.1999 في صحيفة "الحياة" ونقلته "الأيّام" و"القدس" في اليوم ذاته، بعنوان: "خيار الدولة ثنائية القومية".
25  معمّر القذافي، "الكتاب الأبيض لحلّ المشكلة الإسرائيلية – الفلسطينية".
26 هأرتس 09.01.2004
27   هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني وحركاته السياسية وقفت مع النازية، فآلاف الفلسطينيين قاتلوا في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، وذلك رغم أن بريطانيا هي المحتلّة وهي العدوّ المباشر.
28  بدأت المقاطعة العربية للـ"يشوف العبري" رسميا في العام 1945، عندما اتخذت جامعة الدول العربية قرارات بضرورة مقاطعته اقتصاديًا.
29  في سنة 1951 أنشأت جامعة الدول العربية مكتب مقاطعة إسرائيل، ووضعت لائحة سوداء بأسماء شركات أجنبية، وأخرى تعمل في إسرائيل. وتجدر الإشارة هنا إلى القانون السعودي حيث جاء في مادّة مقاطعة إسرائيل ما يلي: مادة (1) : أ) يحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقا مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسياتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها.." .
30   حتى سنة 59 كانت توزّع في إسرائيل المواد الغذائية وفْق البطاقة التموينية ، ووضعت المؤسسة رقابة صارمة على الاستثمار الخاص واستيراد السلع ومنعت التداول بالعملة الصعبة.
31  أنظر/ي إلى باول سوميلسون في كتابه الهام حول "اللامساواة في أسس الاقتصاد" وقد وجد أن إسرائيل في العام 73 هي أقل الدول فروقات اقتصادية- عدا الدول الشيوعية"
32  أميل توما، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، الأعمال الكاملة، المجلد 3 ص 54.
33 يمكن قراءة مادّة مفيدة في هذا الجانب للصحفي هشام نفّاع، الاتحاد 26.6.2009
34  المؤتمر 17 للحزب الشيوعي، ص. 168-169. (سنة 1972).
35  لمعلومات إضافية عن دور الشيوعيين يمكن قراءة "الحركة الوطنية الفلسطينية 1948 – 1970" بين ص 80 إلى 90 (مصدر سبق ذكره)
36  " فلسطيني بلا هويّة ص 52. (مصدر سبق ذكره).
37   د. إميل توما، منظمة التحرير الفلسطينية ص 38 و39.
38  في نهاية السبعينيات وبالتقاطع بين دور الجماهير الفلسطينية داخل إسرائيل من شعر مقاومة و"يوم الأرض" بالأساس واللذين قادهما الحزب الشيوعي، ونضوج مواقف "م.ت.ف" منذ "الحلّ المرحلي" (1974) والموافقة على الحوار مع قوى ديمقراطية يهودية (1977) انفجر تعاطف بين "م.ت.ف" والجماهير الفلسطينية في إسرائيل بعد ثلاثة عقود من الجفاء، وقد تميّزت بعض التصريحات بالرومانسية ولكنّ لها دلالات واضحة، فمثلا قال الكاتب ماجد أبو شرار مسؤول الإعلام الموحّد في منظمة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح": "إلى راكح (الحزب الشيوعي) وإلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة: إنّكم أشرف من في هذه الأمّة لأنكم صامدون صابرون، ولأنّكم تعرفون أنّكم تتحمّلون عبء التصدّي والتحدّي عن هذه الأمّة من محيطها إلى خليجها" (الاتحاد 31.3.1981) ولقد بلغ هذا التعاطف من قبل "م.ت.ف" إلى أن تؤيّد الجبهة في انتخابات الهستدروت والكنيست! وأن يُوزّع نشطاء الجبهة هذا التأييد من منشور ممّا جعل الشرطة الإسرائيلية تعتقل بعض الرفاق من الطيبة (الاتحاد 31.3.1981).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق