الاثنين، 20 يونيو، 2011

فــؤاد خــوري... سـيــرة مـَسـيــرة


طريقُ فؤاد طريقُ الشعب. طُرِدَ من سلك تعليم التلاميذ فإذا هو معلّمُ شعب

فــؤاد خــوري... سـيــرة مـَسـيــرة





الخميس 6/3/2008
في مثل هذا اليوم، السادس من آذار، قبل أربعين عامًا، وُورِيَ ثرى الناصرة جسدُ فؤاد جابر خوري.
في الذكرى الستّين للنكبة نراه في المجلس البلديّ في الناصرة، رافضًا مشروع الحكومة للاحتفال بالعاشور الأوّل على "استقلالها"، فجاء ردّه واثقًا من صواب قلبه: "إنّ الجماهير العربيّة تَذكر في هذه المناسبة المآسيَ الدمويّة التي أحاقت بالشعب العربيّ الفِلسطيني سنة 1948". وأضاف: "إنّ سَوْق هذه الجماهير العربيّة للاحتفال والابتهاج ليس إلاّ سَوْقَها إلى الكذب والرِّياء، فكيف تستطيع تجريد نفسها من الواقع المرّ والرقص على قبور ضحاياها وأنقاض حقوقها المهضومة؟!"- هذا ما نقلته "الاتّحاد" في عددها الصادر في 28.2.1958.
جواب أبي جابر كان إيذانًا بحملة التصدّي للمشروع الحكوميّ، فهي- الحكومة- أضافت وصماتٍ سوداءَ على جبينها من جرّاء مجزرة كَفرَ قاسمَ الرهيبة والعدوان الثلاثيّ على مصر عبد الناصر. أرادت تسويقَ ذاتِها من خلال المقارنة بين المواطنين العرب الذين يرفـُـلون بنعيم ديمقراطيّتِها واللاجئين الفِلَسطينيّين في الخِيَام السوداء، وأرادت أن تحاصر سؤالنا الوطنيّ بأسئلة العيش وأبجديّة البقاء؛ لكنّ فؤاد ورفاقَه أبَوْا إلاّ التأكيدَ على جدليّة البقاء والكرامة، فقلَبوا الاحتفال على رأس الحاكم العسكريّ وأعوانِه رافضين الرقصَ على أنقاض الضحايا، فاعتقلت الشرطة 400 رفيق. ذلك اليوم عُرف بأيّار 58.
"لقد كانت حياتُك غنيّة حتّى لـََيَعجبُ المرء كيف اتّسع لصاحبها هذا الضريحُ"- هكذا أَبّنَ توفيقُ زيّاد رفيقَـه فؤاد جابر خوري قبل 40 عامًا بالتمام والكمال.
فؤاد خوري ورفاقه حافظوا على حبل السُّرّة بين ما قبل الـ 48، وما بعدها، وبوهج جَذْوةِ نضالهم حوّلوا رمادَ النكبة إلى جمرة بقاء، أشهروا الأمل في وجه الألم ورفضوا الانزواء في مَحارة قوميّة- رغم حميميّتها- لأنّهم أدركوا أنّه خيرٌ للضحيّة أن تعلّم جلاّدَها من أن تتعلّم منه. ناضَلوا من أجل الحياة، وأحبّوها بفجورها وتقواها.
فؤاد خوري رفض معادلة السلطة: إمّا القطيع وإمّا.. القطيعة! فإذا طريقُ فؤاد طريقُ الشعب. طُرِدَ من سلك تعليم التلاميذ فإذا هو معلّمُ شعب.
سيبقى فينا للذكرى مَسرّةً وللنضال سيرةً ومَسيرة.

وتبقى سخنين



قدّم ليَ الرفيق ماجد أبو يونس عدّة نُسَخ من العرائض من أجل "لجنة تحقيق حيادية بمشاركة مختصّين دوليّين"، وقد جمعها من بيت المُسنّين، فإذا جدّاتُنا (عِيشة، ضُحى، لبيبة، بدريّة، نعمة، أسماء، وغيرُهُنّ من ذواتِ الأسماء الجميلة) يَبهَرْنَني ببساطتهنّ المركّبة، وقد بصمنَ على العرائض؛ فشظَفُ العيش والبُعد، غيرِ البريء، عن المراكز والمدن، لم يُتِحْ لهنّ تعلُّم كتابة أسمائهنّ، ولكنّهنّ مدرسة نضال وكرامة.
في العام 1956، قِيلَ لراعٍ من قرية "عرب النعيم": "ما بك ترعى ولا تسأل عن حال الدنيا؟! ألم تسمع أنّ بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هاجمت مصرَ وعبدَ الناصر؟!". الصدمة أرخت فم الراعي فانزلق من شفته السفلى سؤالٌ حَرِج: "وسخنين؟ ما فزعت؟!"
بقَدْر ما رأى ابنُ "عرب النعيم" سخنينَ كبيرة، وبقَدْرِ ما عوّل عليها، كذلك شعبُنا. فالحكايات الشعبيّة لا تقفز من حائط، ولا نغالي إذا قلنا إنّ كلّ شعبِنا يعوّل على هذا البلد الذي جُبِل من طينة طيّبة... ونضال.
جدّاتنا في سخنين لم يَخَفْنَ أن "يَقْطعوا" عنهنّ التأمين الوطنيّ إن هنّ بَصَمْنَ على مطلبِهنّ العادل! فكلُّ بَصْمة عِزٍّ من أيديهنّ هي بصمة عار في جبين حكّام إسرئيل.
جدّاتُنا في سخنينَ يرفضنَ الضَّيْمَ، ويحلُمْنَ بحياة لأحفادهنّ وضَآضِئِهنّ بعيدًا عن تربّص الدوائر، كلِّ الدوائر -والحكوميّة منها على وجه الخصوص.
هي صرخةُ جدّات من أجل مَيْعة الصبا، فكيف يتوانى الشباب؟! وهل يقول غيرَ قولِ أبي الطيّب لجدّته:
"فلا عَبَرَتْ بي ساعةٌ لا تُعِزّني ولا صَحِبَتْني مُهجةٌ تقبلُ الظُّلما"
لعيون جدّاتنا التي تصرّ على بريق الحياة، وسْط تجاعيد السِّنين... سنواصل جمعَ التواقيع بهِمّة أعلى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق