الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة: الموجود، المنقوص وحدود الطابو


الأربعاء 2/3/2005
(الحلقة الأولى)
 د. ايلان سابان (٭)
ترجمة  بتصرّف: المحامي أيمن عودة

٭٭ تقديم:

ممّا لا شكّ فيه أنّ مسألة حقوق الأقليّات قد اتّخذت أهميّة خاصّة على المستوى القانوني الدولي لا سيّما بعد معاهدتي 1992 و 1998 وهذا انعكس على تناول الموضوع أكاديميًا في إسرائيل، وانعكس على الأطر السياسيّة والمنظّمات غير الحكوميّة الفاعلة في هذا المجال، لينضمّ الى "الثورة الدستوريّة" وبعض التشريعات الليبراليّة في المحكمة العليا بخصوص الأقليّة القوميّة ويُذكر منها قوانين الأساس وقرارات المحكمة "كتسير" و "عدالة" وغيرهما.
هذا الأمر أدّى الى ازدياد الاهتمام والتطلّع إلى الحقوق الجماعيّة في المضمار القانوني المجرّد، ولكن يضاف اليه وبقوّة أنّه في التسعينيات اتخذ الإهتمام بموضوع المواطنة وتوسيعها بُعدًا إجماعيًا لدى الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل، ولهذا عوامل خارجيّة أوجزها بأنّ حركة التحرّر الوطني الفلسطيني حصرت مشروع المراحل الى مشروع اقامة دولة فلسطينيّة الى جانب اسرائيل عبر اتفاقيّات "أوسلو"، وأزمة الفكر القومي الذي بلغ أوجه في حرب الخليج 91 وهرولة الأنظمة العربيّة للتطبيع مع اسرائيل.. وعوامل داخليّة أوجزها بتحسّن الوضع الاقتصادي لدى الفلسطينيّين في إسرائيل والذين يعيشون على هامش الاقتصاد الإسرائيلي ويستفيدون من اسقاطات المركز على الهامش، وفتور حدّة العلاقات الإسرائيليّة الفلسطينيّة ممّا انعكس إيجابًا على العلاقات اليهوديّة- الفلسطينيّة داخل اسرائيل، والشعور العام أنّ القضيّة الفلسطينيّة على أبواب الحل.. كل هذه العوامل مجتمعة جعلت موضوع المواطنة وتوسيعها بالنسبة للأقليّة الفلسطينيّة أمرًا ملحًا أكثر من السابق.. لا سيّما أنّهم رأوا بالحقوق القوميّة والثقافيّة وما تضمّنه من اعتراف والتعامل معهم كأقليّة قوميّة وأصلانيّة والحفاظ وتطوير الخصائص الثقافيّة بُعدًا وطنيًا الى جانب البُعد المدني.
وهنا أفتح قوسيْن لأؤكّد أن الحزب الشيوعي والجبهة الديموقراطيّة قد لامسا الحقوق القوميّة في سنوات  بعد يوم الأرض 1976 تحديدًا، وهذا لا ينفي أنّ التسعينيات أضفت أبعادها على هذه المواقف.
والآن بعد أحداث أكتوبر 2000 وإقامة لجنة "أور" والمحاكم الدوريّة واستخلاصات اللجنة وإقامة لجنة لبيد واستخلاصاتها، بالإضافة إلى التحريض غير المسبوق على الأقليّة الفلسطينيّة ومنها ما نضح به مؤتمر هرتسليا الدوري وتفوّهات "المسؤولين" الفاشيّة والخطيرة - كلّها تصبّ في النقاش الأكاديمي والجماهيري حول مكانة الأقليّة القوميّة العربيّة الفلسطينيّة في اسرائيل..
ومن هُنا أردت أن أقدم للقرّاء شيئًا عن مكانة الفلسطينيّين على مستوى الموجود والمنقوص، "المسموح والممنوع" في الحقوق الجماعيّة، من خلال ترجمة لهذه الدراسة القيّمة للمحاضر في قسم القانون - جامعة حيفا، د. إيلان سابان.
________________
هذه الدراسة جاءت لتعرض وتنتقد النظام المنتهج الذي ينظّم الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة- الفلسطينيّة في إسرائيل.
 الدراسة ستتركّز في بدايتها  في الأبعاد النظريّة لجوهر الحقوق الجماعيّة وفهم أنواعها المختلفة، ثمّ تنتقل لمعالجة الحقوق الجماعيّة الخمسة التي "تتمتّع" بها الأقليّة في القانون الإسرائيلي، ثمّ تعالج الإمكانيّة الكبيرة التي ما زالت مفتوحة (مبدئيًا) في مجال توسيع الحقوق الجماعيّة، وهذه الدراسة ستحدّد أيضًا المنطقة الممنوعة: "حدود الطابو" التي يضعها القانون الإسرائيلي سدًا أمام حقوق الأقليّة. سأوجّه نقدًا حادًا (بالاستعانة بالقانون المقارن) على هذه الحدود ومن اتّجاهات مختلفة.
جوهر الدراسة سيدور حول الأسئلة الأربعة التالية:
أولا، ما هي درجة الحكم الذاتي- حقوق الإدارة الذاتيّة- "المعطاة" لأبناء الأقليّة القوميّة في مجالات مختلفة من الحياة وأذكر بالأساس: تربية أولادهم، تطوير الثقافة القوميّة، الإدارة الذاتيّة وغيرها؟
ثانيًا، إلى أي درجة يحصل أفراد الأقليّة على حقوق للإشتراك كممثلين عن جماعاتهم في مؤسّسات اتخاذ القرار والإدارة اليوميّة للمجتمع الإسرائيلي برمّته، وإلى أي درجة تُعطى للأقليّة حقوق للشراكة في تحديد رموز دولة إسرائيل؟
ثالثًا، هل يحصل أبناء الأقليّة على حقوق إضافيّة، وخاصّة في مجالات مختلفة من ثقافتهم، من أجل صيانتها مقابل ضغوطات الدولة، السوق والمجتمع المدني في إسرائيل؟
رابعًا، إلى أي درجة يسمح القانون الإسرائيلي للأقليّة القوميّة العربيّة- الفلسطينيّة بالعمل من أجل تغيير شامل وراديكالي في الجوهر الحالي لإسرائيل أو بحدود اسرائيل الحاليّة؟ أي، هل يسمح القانون للأقليّة بالعمل على تغيير هويّة اسرائيل القوميّة كدولة يهوديّة، أو العمل على توحيد الكيانيْن السياسيّين- اسرائيل وفلسطين (عند إقامتها)- في دولة ثنائيّة القوميّة واحدة؟ أو العمل على إلحاق الأقليّة بالدولة الفلسطينيّة حين تقوم؟
أ. ألمقدّمة.  
إنّ الحقوق الجماعيّة المختلفة هي أساس الخلاف في دول متعدّدة القوميّات، فمنها تنتج مصالح متضاربة، روايات متناقضة ورؤى مستقبليّة متصارعة، وفي بلادنا- بلاد الروايات والرؤى المتصارعة الوضع مركّب أكثر، فالفروقات تمتد الى مختلف المجالات: وحدتان قوميّتان تشملان: شعبين، الأوّل مسيطِر والثاني مسيطَر عليه وهذان يتحاربان تارة ويتفاوضان طورًا، والاختلاف الثاني والذي يتعلّق بالاختلاف الأوّل هو بين الأكثريّة اليهوديّة والأقليّة التي هي جزء لا يتجزء من الشعب العربي الفلسطيني وهي مواطنة في إسرائيل.
هذه التصدعات، وكما هو معروف، ليست الوحيدة فهناك التصدّع الطائفي وغيره، ولكنّي أودّ التركّز من خلال هذه الدراسة  في تصدّع واحد، وهو العلاقة بين الأكثريّة اليهوديّة والأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة، وفي هذا المجال الواسع سأتركّز في بُعد واحد وهو: قلّة الحقوق الجماعيّة التي تحصل عليها الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل.
إنّ جوهر هذه الدراسة هو التعمّق في النظام السائد، والذي يعترض حصول الأقليّة الفلسطينيّة على حقوقها القوميّة، كمجموعة وكأفراد ينتمون لهذه المجموعة الثقافيّة والقوميّة المختلِفة عن الأكثريّة، الدراسة ستتركّز في الوضع الحالي للأقليّة الفلسطينيّة ومن خلال السياق القانوني الإسرائيلي وليس من خلال السياق السياسي العام.
ب. أسئلة أساسيّة وأجوبة مختصرة عليها.
من أجل دراسة الحقوق الجماعيّة للأقليّة القوميّة في إسرائيل يجب بحث بعض المسائل المتراكمة؟
أ. ألنقاش النظري حول الحقوق الجماعيّة، ماهيّتها وأنواعها في دولٍ متصدّعة.
ب. بحث قانوني لتشخيص الحقوق الجماعيّة التي تحصل عليها الأقليّة في الوقت الحاضر.
ج. استمرار البحث القانوني وتشخيص "المناطق الممنوعة" (الطابو) التي يرسمها القانون الإسرائيلي حدودًا فاصلة في مواجهة العمل على احقاق حقوق جماعيّة للأقليّة.
د. بحث نقدي حول عدالة "مناطق الطابو".
وهنا ألخّص الأجوبة.
أ. الحقوق الجماعيّة هي "الحقوق التي تنبع من الاختلافات الجماعيّة". أي، حقوق "معطاة" لأبناء مجموعة معيّنة من أجل أن تدافع وتحافظ وتطوّر مميّزاتها واختلافاتها. وتنقسم هذه الحقوق الى قسمين: (1) الحقوق "المعطاة" لمجموعات معيّنة لأنّ خصائصها تتيح لها ذلك (مثلا الحق في تقرير المصير المقرّ وفْق القانون الدولي لمن يعرّف كـ"شعب"، (2) الحقوق المعطاة لأبناء مجموعة معيّنة بالذات، وبخلاف الآخرين، لأنّهم ينتمون إلى مجموعة مميّزة. مثلا، الحقوق "المعطاة" لأقليّات ثقافيّة والتي تتيح لهم  أن لا يتعلّموا في التعليم الرسمي العام، وإنّما التمتّع (وبتمويل حكومي كامل) من تعليم مناسب لثقافتهم، يُدار بلغتهم ومُدار من قبلهم.
ب. القانون الإسرائيلي يعطي الأقليّة العربيّة- الفلسطينيّة في الوضع الحالي خمسة حقوق جماعيّة أساسيّة:
1. مكانة اللغة العربيّة "كلغة رسميّة" في إسرائيل.
2. فصل جهاز التعليم العربي، والذي يشمل مسارًا ابتدائيًا وثانويًا ويجري التعلّم به باللغة العربيّة.
3. إبقاء الأحوال الشخصيّة (قوانين العائلة) لقوانين الطوائف المختلفة. وفي بعض الأحوال تُعطى المحاكم الطائفيّة الصلاحيّة الكاملة للبت في بعض القضايا.
4. الإعفاء الجماعي من الخدمة في الجيش.
5. براعم أوليّة لمشاركة أفراد الأقليّة في مؤسّسات رسميّة واجتماعيّة: اجراءات "تفضيل مصحّح" و"تمثيل مناسب" في القطاعات الرسميّة والجماهيريّة في إسرائيل.
في مجال السلطات المحليّة هنالك "قوّة" جماعيّة "معطاة" للأقليّة- السلطات المحليّة العربيّة، ولكنّ هذا الحق هو عبارة عن دمج بين الفصل اللوائي بين العرب واليهود وبين حق الفرد في التصويت والإنتخاب في الإنتخابات المحليّة، ولهذا فلم أشمل هذا المجال في بحث الحقوق الجماعيّة، فهو موضوع شائك وسأتطرّق إليه فيما بعد بشكلٍ مقتضب.
ج. القانون الإسرائيلي يحدّد "مناطق الطابو" للنشاط السياسي والذي يهدف إلى تغيير جوهري وراديكالي في الحقوق الجماعيّة للأقليّة القوميّة في إسرائيل. وهذه الحدود جليّة في المجال الحزبي- البرلماني، وأذكر هنا القوانين العلائقيّة الثلاثة في هذا المضمار:
البند 7-أ لقانون أساس "الكنيست":
أ. لا يجوز لقائمة مرشّحين أو لمرشّح المشاركة في انتخابات الكنيست اذا كانت أهدافه\ها أو أعماله\ها، العلنيّة أو الخفيّة، تشير الى أحد الأمور التالية:
1. نفي وجود دولة اسرائيل كدولة يهوديّة وديموقراطيّة.
2. التحريض على العنصريّة.
3. دعم الكفاح المسلّح لدولة عدوّة أو تنظيمٍ إرهابي ضد دولة اسرائيل.
البند 5 من قانون الأحزاب 1992:
لا يمكن تسجيل حزب سياسي اذا كانت أهداف عمله، الصريحة والخفيّة، تشير الى أحد الأمور التالية:
1. نفي وجود دولة اسرائيل كدولة يهوديّة وديموقراطيّة.
2. التحريض على العنصريّة.
3. وجود أساس معقول يجعلنا نخلص الى أنّ الحزب سيعمل كغطاء للنشاطات غير القانونيّة.
البند 134 (ج) من النظام الداخلي للكنيست:
"رئيس الكنيست ونوّابه لا يصادقون على اقتراح قانون الذي هو، حسب رأيهم، عنصري بجوهره، أو ينفي وجود دولة اسرائيل كدولة الشعب اليهودي".
ماذا تعني هذه التقييدات بالنسبة للأقليّة العربيّة- الفلسطينيّة وحقوقها الجماعيّة؟ الجواب سيكون مفصلا:
1. القانون الإسرائيلي يقطع الطريق أمام قدرة الأقليّة على تغيير هويّة اسرائيل القوميّة من خلال المجال الحزبي- البرلماني، ويقيّد الإمكانيّة لتحويل اسرائيل من كونها "دولة قوميّة إثنيّة (أقواميّة) - دولة يهوديّة دمقراطيّة- لدولة مواطنين" أو "دولة ثنائيّة القوميّة" (سأتطرّق لهذه المصطلحات فيما بعد).
2. تعتبر دولة المواطنين أقل علائقيّة عند الحديث عن الحقوق القوميّة كونها فقيرة بها، وهي ليست البديل المطلوب لدى الأقليّة، وذلك بخلاف الدولة ثنائيّة القوميّة الغنيّة بالحقوق الجماعيّة للأقليّة، وهي مطلوبة من قبل شرائح جديّة لدى الأقليّة.
3. تُصَدّ الأقليّة امام إمكانيّة التغيير من خلال العمل الحزبي- البرلماني وامكانيّة الحصول على الحقوق الجماعيّة التي كانت ستحصل عليها لو تحوّلت اسرائيل إلى "دولة ثنائيّة القوميّة"، وهُنا تطرح الأسئلة الثانويّة التالية: ما هي الدولة ثنائيّة القوميّة؟ لماذا تصَدّ الأقليّة امام الحصول على بعض الحقوق الجماعيّة المعطاة في الدولة ثنائيّة القوميّة؟ أي جزء من الحقوق الجماعيّة المنقوصة في الحاضر تستطيع الأقليّة الحصول عليها بدون تقييد؟
د. السؤال الأخير الذي سأعالجه في هذه الدراسة هو الإنتقال من تشخيص "مناطق الطابو" الى السؤال عن عدالتها. وفي هذه المرحلة سأشير للنقاط الثلاث التي تنبع منها معارضتي لنظام التقييد الموجود، والذي يمنع الأقليّة من العمل لتغيير جوهري- راديكالي في مجال الحقوق الجماعيّة.
 أولا، التقييد لا يفرّق بين العمل العنيف ( والمحرّض بشدّة للعنف) وبين العمل البرلماني والذي يحاول الإقناع، ويتمّ بوسائل لا تستدعي العنف. ثانيًا، القانون الإسرائيلي يتجاهل مميّزات هامّة للأقليّة القوميّة العربيّة- الفلسطينيّة وهو كونها أقليّة أصلانيّة وليست "أقليّة مهاجرين". الأقليّة القوميّة في اسرائيل ليس موجودة بـ "منّة" من أحد، ولا تشعر بالولاء للإطار- الأساس لقيام اسرائيل و"الأمّة المتبنّية"، بالعكس هي ضحيّة إقامة هذا الإطار، ومن حقّها النضال للتغيير واستعمال مجمل الوسائل التي تتيحها دولة ديموقراطيّة متنوّرة. ثالثًا، تعود معارضتي لـ "مناطق الطابو" إلى المبادئ الأساسيّة لليبراليّة، وهنا أدّعي أنّ هناك فجوة بين سؤال العدل الذي وضعه صهاينة معيّنين حول هويّة الدولة (وهنا انا أنحاز للتعامل معه بايجابيّة أ.س) وبين حق الأقليّة أو تقييدها امام الاستئناف على هذه الأسس، هذه الفجوة-  هي بين كون الموقف "سيء" (فرضيًا) وبين التبرير الإضافي المطلوب لجعله "ممنوعًا".
هذه الدراسة كتبت لتوضيح هذه الأسئلة. سأبدأ بالسؤال حول أهميّة الحقوق الجماعيّة، والإجابة على هذا السؤال تشمل تشخيص الحقوق الجماعيّة والفرديّة، وسيظهر أنّ الحقوق الجماعيّة تشمل انواع حقوق ثانويّة وبينها فروقات هامّة. ومن خلال هذا نفهم أهميّة الحقوق الجماعيّة ومدى الحقوق الجماعيّة التي تحصل علِيها الأقليّة الفلسطينيّة في إسرائيل، ومدى الحقوق الناقصة والتقييدات التي يضعها القانون الإسرائيلي لإمكانيّة التغيير.
محاضر في كليّة الحقوق- جامعة حيفا
(يتبع)

 
_____________________________________________

الحقوق الجماعيّة للأقليّة القوميّة العربيّة - الفلسطينيّة
المساواة تستدعي إعطاء حقوق خاصّة للجماعات المظلومة
(الحلقة الثانية)
بقلم: د. ايلان سابان –
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة

تشخيص أنواع الحقوق: تشخيص الفرق بين حقوق الفرد والحقوق الجماعيّة
1. حقوق الفرد: الحقوق المشتركة للمواطنة.
حقوق الفرد هي الحقوق المشتركة للمواطنة، الحقوق التي يستحقّها الإنسان لأنّه إنسان أو لأنّه مواطن في الدولة. الحديث يدور بالأساس عن نوعين من الحقوق. حقوق من نوع الحريّة وحقوق من نوع المطالبة. حقوق الحريّة تنبثق من القيمة المركزيّة لاستقلاليّة الإنسان. وأبرز هذه الحقوق هي حريّات التعبير، التنظيم، العقيدة والضمير والتنقّل. حقوق المطالبة تنبثق من المساواة الأساسيّة لبني البشر: المساواة الحقيقيّة بين بني البشر في جوهرهم الحقيقي كعقلاء وكأحرار، وأبرز هذه الحقوق هو منع التمييز- أن لا يميّز ضد إنسان كونه ينتمي لمجموعة قوميّة، إثنيّة (أقواميّة)، دينيّة، جنسيّة وغيرها. إنّ تنفيذ حقوق المطالبة ملقى على الدولة، والحديث هنا هو عن واجب المحافظة على حد أدنى من الغذاء والصحّة والسكن والعمل والتعليم. وقد اصطلح على تسمية الحقوق المركزيّة "الحقوق المدنيّة والسياسيّة " وتسمّى حقوق المطالبة الرئيسيّة "الحقوق الاجتماعيّة"2. عدم التمييز يتعلّق في كل معايير الحقوق وبدور الدولة (المانحة والمقيّدة لهذه الحقوق).
في بعض الأحيان الخاصة بمجموعات مظلومة (أقليات قومية ودينية، نساء، معاقون، ألخ..)، مبدأ المساواة يستدعي إعطاءهم حقوقًا وتخصيصات مميّزة لأفراد هذه المجموعات المظلومة، التبرير لذلك هو أنّ هذه المجموعات عانت من ظلم تاريخي ومن أفكار مسبقة ضدها وهذا التمييز الايجابي هو الوسيلة الوحيدة بهدف الوصول إلى المساواة.
إن التمييز الايجابي في مجال حقوق الفرد يختلف عن الوسائل الخاصة التي ستعالج في مجال الحقوق الجماعية، إن الفرق الأساسي هو النقطة الهامة التالية: التمييز الايجابي هو لفترة زمنية محدّدة وهو يُعطى للنساء مثلا من خلال هدف إشراكهن واختلاطهن من أجل القضاء على الآراء المسبقة والتوقّعات المزيّفة ومعطيات واقعيّة غير عادلة، وعند الوصول إلى الهدف (المشاركة والمخالطة) يُلغى- بمرور الوقت- السبب الذي برَّر "إعطاء" التمييز الإيجابي.
في حالة الحصول على حقوق فرديّة، فهي تعتبر حقوق هامّة لأبناء الأقليّة. فالحقوق الفرديّة مثل حريّة التعبير وحريّة التنظيم تمكّن أفراد الأقليّة من تنظيم مجموعات ثانوية وتنظيمات تحافظ على ثقافة الأقلية، وتمكّن الأقلية من تأقلم ثقافتها مع الظروف الاجتماعية المتغيرة.
ومع ذلك فان الحصول على الحقوق الفردية لوحدها غير كافٍ، ولا يكفي لحماية ثقافة الأقلية.
أولا، هناك فجوة معروفة بين النظرية والتطبيق، وهنا يسأل السؤال: هل بإمكان أبناء الأقلية تجسيد حقوق الفرد "المعطاة لهم" – حرية التعبير، منع التمييز على أساس الانتماء لمجموعة معينة وغيرها – غير مشروط بمشاركتهم الفعلية في بلورة وصناعة هذه الحقوق، وأيضًا عدم مشاركتهم في المؤسسات المسئولة عن تنفيذ القوانين والأنظمة الخاصة لهذه الحقوق؟ وبكلمات أخرى – هل الأقلية غير محتاجة لوسائل خاصة – لحقوق جماعية – تمكنها من المشاركة الفعلية في الدفاع عن حقوق الفرد؟
ثانيًا، كم من الاختلافات/ التميّزات الثقافية يتطلب وسائل دفاعية للحفاظ عليهن، ولا تستطيع الأقلية فعل ذلك بواسطة الحقوق الفردية فقط؟ المفكر كمليكا مثلا، يعطي مثالا على ذلك وهو مدى قوة بقاء وأهمية لغة الأقلية. وهو يؤكد انه من اجل الحفاظ على لغة الأقلية وثقافتها يجب أن تكون اللغة متداولة في الحياة الرسمية واليومية. أي في المحاكم، القوانين، خدمات الصحة، سلطات الرفاه، وخصوصًا في جهازي التعليم والإعلام اللذين يجب أن يُدارا بلغة الأقلية أو جعل التعامل مع اللغة اختياريًا وسهلا في هذه المجالات، وبشكل شامل يجب عدم التمييز ضد الناطقين بلغة الأقلية، والاكتفاء بالحفاظ على حرية النطق للأقليّة بلغتها لا يكفي للحفاظ على لغة الأقلية وثقافتها على قيد الحياة.
إن الضغوطات الاقتصادية والثقافية وغيرها التي يفرضها مجتمع الأكثريّة تدفع بالأقلية لمعرفة لغة الأكثرية، وهذه (لغة الأكثريّة) بإمكانها – بمرور الوقت – إلغاء لغة الأقلية، إلا إذا اتخذت وسائل دفاعية خاصة – بالأساس حقوق جماعية تبلور "بيئة لغوية" – تدافع عن نفسها.
2. الحقوق الجماعية: حقوق نابعة من الاختلافات الجماعية.
إن الحقوق المشتركة للمواطنة "معطاة" لكل فرد كونه إنسانًا ومواطنًا في الدولة – أي، بمعزل عن كونه فردًا في مجموعة اجتماعية أو أخرى – ولكن هناك ثلاثة أنواع أساسية من الحقوق التي "تُعطى" للأفراد أو التنظيمات لأنهم ينتمون لمجموعات مميّزة. أنواع الحقوق هذه هي إقامة نُظم خاصة (مؤسساتية وأخرى) خصّيصا بهدف إيجاد توازن إزاء ضعف وإمكانية انهيار الأقليات في مواجهة ضغوطات مجتمع الأكثرية. إنّ مصدر هذه الضغوطات وأسلوب نشاطها وتأثيرها مختلف، والضغوطات المركزية هي متطلبات سوق العمل، اللغة المكاتبية (البيروقراطية) وتعامل المواطن معها، الإعلام الجماهيري وميادينه المختلفة والثقافة الاستهلاكية و"قيَمها". إن مقياس مكانة ثقافة الأقلية هو مكانة لغتها، ديانتها قيَمها وتربية الأولاد، الهُوَية الجماعية – القومية.
إن التبرير العميق للحقوق الجماعية يكمن في أهمية الانتماء المجموعاتي – الثقافي في حياة الإنسان – هذا الانتماء هو في صلب هويتنا وهو يغذي حياتنا بمضامين ومعانٍ مؤثرة جدًا على جزء كبير من اختياراتنا (المركزية واليومية) التي نختارها خلال حياتنا. وفي صيغة أخرى: الانتماء الثقافي هو محور أساسي في إدارتنا الذاتية. ولهذا فنحن بحاجة للدفاع عنه في مواجهة ضغوطات – بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، مقصود أو غير مقصود – لإضعافه، لتغييره بهوية أخرى، ألخ .. وفي تطبيق هذا الأمر، يمكن تشخيص الوسائل الدفاعية التي من المفترض أن نحصل عليها والحقوق الجماعية – "لحقوق طبيعية" (Inherent rights).
وأكثر من ذلك، كون الحقوق الجماعية المختلفة ترتكز على أساس ثابت – الحفاظ على الأٌقلية وثقافتها في مواجهة إجراءات وضغوطات بعيدة المدى- لذلك فهي مطالب ثابتة. وبهذا فهي تختلف عن إجراء "التمييز الإيجابي" الجاري في مجتمعات ديموقراطيّة عديدة.
الآن سنتعرّف على أنواع الحقوق الجماعيّة: الحديث يدور عن ثلاثة حقوق رئيسيّة:
أ‌. الحقوق متعدّدة الاثنيّات.
واجبات الدولة في هذه الحقوق تتجاوز واجباتها في مجال الحقوق الفرديّة، مثلا الواجب في عدم تحديد اختيار الانتماء الديني للأقليّة، الواجب في عدم منع قيام جهاز تعليم خاص لأبناء الأقليّة، الواجب في منع التمييز ضد إنسان على خلفيّة هُويّته الجماعيّة. الحقوق متعدّدة الاثنيات (الأقواميّات) تفرض على الدولة إعطاء حقوق من نوع خاص. أولا، واجب الدولة في الاشتراك بشكلٍ فعّال في النشاطات الثقافيّة المركزيّة للأقليّة. الأمثلة المركزيّة على ذلك اثنان: (1) حق أبناء الأقليّة في الحصول على ميزانيّة للتعلّم بلغتهم الأم؛ (2) تمويل للمتاحف، فعّاليّات ثقافيّة، مؤسّسات جماهيريّة تتبع الأقليّة وغيرها. ثانيًا: وتجاوزًا للمشاركة الاقتصاديّة، الحقوق متعدّدة الاثنيات تستدعي العمل ل"ملاءمات خاصّة" لوضع الأقليّة والتي يجب أن تنفذ في المؤسّسات الاقتصاديّة والسياسيّة لمجتمع الأكثريّة، والخلاصة من هذه الملاءمات هو منع التوتّر القائم بين الحفاظ على خصوصيّتها الثقافيّة وبين فرصها للتقدّم في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة. الأمثلة على الملاءمات الخاصّة متعدّدة: (1) إعفاء أبناء الأقليّات من القيام بأمور تمسّ ديانتهم أو عادات اجتماعيّة خاصّة بهم – قوانين يوم الأحد، والحجاب في المدارس الرسميّة،. (2) "الملاءمات الخاصّة" تعتبر قضيّة صعبة، ومثيرة لاختلافات الرأي، لا سيّما إذا وُجدت فروق جوهريّة بين ممارسات الأكثريّة والأقليّة ( مثلا الموقف من قضيّة المرأة، الأطفال، إجراءات الحسم الجماعي وغيرها). (3) "ملاءمات خاصّة" إضافيّة وهي نادرة في الممارسة وتبرز في مجال "البيئة اللغويّة" في أماكن العمل، والسؤال إذا كان على هذه البيئة أن تكون ثنائيّة اللغة، وربّما يجب التعامل بلغة الأقليّة فقط؟

ب. الحق في الإدارة الذاتيّة
حقوق الإدارة الذاتيّة أو الحكم الذاتي (self- government rights) هي معايير أخرى للحقوق الجماعيّة والتي تعتبر متطوّرة أكثر من الحقوق متعدّدة الاثنيات، وكما الحقوق متعدّدة الاثنيات فحقوق الإدارة الذاتيّة جاءت لتحافظ على ثقافة الأقليّة وعلى إمكانيّة تطوّرها، ولكنّ مجال هذه الحقوق مختلف، فطبقًا لهذه الحقوق تنظّم الأقليّة ذاتها بذاتها مجالات حياة مختلفة لأفرادها، إعطاء هذه الحقوق يعني توزيع القوّة، إعطاء صلاحيّات وضمانات للأقليّة من قرارات الأغلبيّة في مجالات هامّة بشكلٍ خاص لثقافة الأقليّة: التعليم، الدين، اللغة، الأحوال الشخصيّة، الهجرة للمنطقة الجغرافيّة التي تقطنها الأقليّة، التطوير وغيرها.
 الحق في الإدارة الذاتيّة في مجال التعليم على سبيل المثال يتجاوز الحقوق متعدّدة الاثنيّات التي تعطى للأقليّة والمموّلة تمويلا رسميا ومُدارة بلغة الأقليّة، وتطرح السؤال: هل جهاز التعليم مُدار من قبل الأقليّة ذاتها. أي، هل الأقليّة كمجموعة، أو أفراد منتمون لها، هم الذين يقرّرون مناهج التعليم، أو تعيين المديرين، المفتّشين والمعلّمين، وهل هم الذين يقرّرون توزيع الميزانيّة المعطاة لهم وغيرها؟
حقوق الإدارة الذاتيّة قد تكون في حالتين: الحقوق على أساس أرض (تريتوريالي) أو على أساس شخصي ثقافي فقط ( حكم ذاتي على الأرض مقابل حكم ذاتي ثقافي)(5) وغيرها؛ يرافق –عادة- الإدارة الذاتيّة إقامة مؤسّسة تمثيليّة للأقليّة.
إنّ التعبير الأقصى للإدارة الذاتيّة هو "الحق في تقرير المصير" الكامل للأقليّة- أي، الحق في إقامة دولة. وهذا مثال على طموح أقليّة في الانفصال عن الدولة التي تعيش فيها من أجل إقامة دولة سياديّة. ( إنّ معالجة موضوع "حق تقرير المصير" يتجاوز هدف دراستنا هذه).
ج. حقوق خاصّة للتمثيل والتخصيص.
بخلاف حقوق الإدارة الذاتيّة التي تنظّم بالأساس "الحياة الداخليّة" للأقليّة، فإنّ الحقوق الخاصّة للتمثيل والتخصيص تتركّز في مجال السلطة المركزيّة، والاجتماعيّة العامّة، ومجالها هو مجمل الموارد المخصّصة في مجالي السلطة المركزيّة والاجتماعيّة العامّة، ويشمل هذا التخصيص التعيينات السياسيّة في مجالات هامّة كالحكومة وجهاز الخدمات العامّة، وتخصيص ميزانيّات وخدمات عامّة وتخصيص الأبعاد الثقافيّة والمكانة الاجتماعيّة للأقليّة مثل اللغات الرسميّة والرموز الرسميّة الأخرى.
إذا حصلت الأقليّة على حقوق "التمثيل الخاص والتخصيص" فهذا يعني أنّه في مجال التعيينات السلطويّة لا تكون الكفاءة الذاتيّة هي المعيار الوحيد للمرشّحين،  بل انتماءهم المجموعاتي أيضًا، يكون واجب الدولة إيجاد آليّة للتوازن الديموغرافي في التعيينات. وأكثر من ذلك ففي المجالات التي تهمّ الأقليّة بشكلٍ خاص يكون للأقليّة تمثيل أكبر ويكون لها حق النقض (الفيتو) في القرارات التي من شأنها أن تضرّ جوهريًا  بتلك المجالات التي تهمّ الأقليّة.

محاضر في كليّة الحقوق- جامعة حيفا
للتعليق: ayman_a_odeh@hotmail.com













الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة:
الحقوق متعدّدة الاثنيات للأقليّة
القوميّة الفلسطينيّة
(الحلقة الثالثة)
بقلم: ايلان سابان
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة

أ‌. لغة الأقليّة – مكانة اللغة العربيّة كلغة رسميّة.
إنّ الحق الجماعي وذا البعد العميق "المعطى" للأقلية في القانون الإسرائيلي هو مكانة اللغة العربيّة كإحدى اللغتين الرسميتين في الدولة. هذه المكانة تثير الفضول والاستغراب، لأنّها حالة نادرة جدًا أن "تُعطى" في دولة قوميّة – إثنيّة (أقواميّة) مثل إسرائيل هذه المكانة للغة الأقليّة، وهذا يعني – للوهلة الأولى – المساواة وحتى الشراكة.
المكانة الرسميّة للغة العربيّة مستقاة من القانون الانتدابي، وبقيت على حالها بعد قيام الدولة. البند 82 من القانون الانتدابي  1922 – 1947 يتطرّق (تحت العنوان الهامشي "لغات رسميّة") للّغات الانجليزيّة، العربيّة والعبريّة، وجاء في هذه المادّة:
"كل الأوامر، الإعلانات الرسميّة والنماذج الرسميّة للحكومة وللسلطات المحليّة في المدن وفي المناطق التي تحدَّد بحسب أمر المندوب السامي بالإمكان استعمال اللغات الثلاث في المكاتب الحكوميّة والمحاكم"
نُظم الحكم والقانون – 1948 – القانون المنظّم عند قيام دولة إسرائيل- أبقت القوانين الانتدابيّة على حالها، وألغت عدد قليل من القوانين؛ أحد القوانين الملغاة هو البند 15(ب) الذي يعتبر اللغة الإنجليزيّة لغة رسميّة، أمّا البند الذي يعتبر اللغة العربيّة لغة رسميّة فبقي على حاله .
نلحظ أنّ البند 82 يعالج ثلاث قضايا:
1. بلورة واجبات السلطات المركزيّة تجاه اللغات المذكورة.
2. بلورة واجبات السلطات المحليّة للنشر من خلال الإعلانات.
3. الحق في استعمال أية من اللغات الثلاث في المكاتب الحكوميّة وفي المحاكم.
يتطرّق القانون إلى ثنائيّة اللغة في القضايا الرسميّة، وهو لا يؤكّد على استخدام اللغتين (العبريّة والعربيّة) في توجّه السلطات المركزيّة والمحليّة للمواطنين، وإنّما يؤكّد أيضًا على حقّ المواطنين في التوجّه لهذه السلطات باللغة التي يشاء، شفهيًا وكتابيًا.
إنّ العلاقات ثنائيّة القوميّة المتبادلة بين المواطن والسلطات مقيّدة أكثر في مجال السلطات المحليّة، فيُلزِم القانونُ السلطات المحليّة باستخدام اللغة العربيّة في قضايا الإعلانات الرسميّة فقط، وأكثر من ذلك فإنّ هذا الحق مخصّص للأماكن المحدّدة في القانون، تخصيص قانون يُلزم بثنائيّة اللغة لم يصدر في فترة الانتداب، ولم يصدر من الحكومة أو أحد الوزراء في إسرائيل، وهذا يعني عدم وجود إلزام لممارسة ثنائيّة اللغة على المستوى البلدي(بحسب البند 82).
إنّ مكانة اللغة العربيّة "كلغة رسميّة" ضمن نظام قانوني يعطي للأقليّة حقًا جماعيًا هامًا وبعيد الأثر، لأنّ المكانة الرسميّة لا تعطي حقًا جماعيًا "متعدّد الاثنيّات" فقط (فهي حقٌ يخفّف من ضغوطات لغة الأكثريّة التي تنتهك لغة الأقليّة) وإنّما هي حقٌ جماعي راديكالي أكثر، الحق في "التخصيص الخاص" للأقليّة، والذي يحمل إمكانيّات اقتصاديّة، اجتماعيّة وسياسيّة هائلة. تخيّلوا ماذا سيحدث لو عوملت اللغة العربيّة كلغة رسميّة فعلا، وتحقّق حق الأقليّة في استعمال لغتها بشكلٍ كامل مقابل مؤسّسات الدولة: التوجّه باللغة العربيّة وحدها لمكاتب الحكومة المختلفة، إدارة جلسات المحاكم باللغة العربيّة وغيرها – هذا وفي حالة تحقيق حقّها في التعامل مع لغتها كما يجري التعامل مع اللغة العبريّة- ومن هنا تبدو إسقاطات ممارسة اللغة العربيّة واضحة على تركيبة خدمات الدولة (زيادة في الموظفين\ات الذين يعرفون اللغتين) وبهذا تكبر مكانة اللغة العربيّة في نظر وتعامل الأقليّة معها، وفي رؤية وتعامل أبناء الأكثريّة معها أيضًا.
وأكثر من ذلك، فإنّ ممارسة المكانة الرسميّة للغة تسقط أثرًا بالغًا على المستوى الرمزي، وبذلك تكون أهم من اللغة "المعترف بها" (والتي تعطي الأقليّة الحق في استعمال لغتها مقابل المؤسسات الرسميّة) فللغة الرسميّة قيمة إضافيّة وخصوصًا إذا امتد التعامل مع لغة الأقليّة على مساحة كل البلاد. المكانة الرسميّة هُنا "تمثيليّة" أيضًا، وهي شهادة على جوهر الدولة، ولذلك فثنائيّة اللغة هي علامة بارزة لدول تقيم شراكة بين مجموعتين – دول ثنائيّة القوميّة (أو متعدّدة القوميّات) وأمثلة على تلك الدول – سويسرا، بلجيكا وكندا.
يسبّب هذا الوضع إرباكًا كبيرًا، فهل هذا الأمر يدلّ على أنّ إسرائيل قد دخلت – وبواسطة قانونها – إلى حظيرة الدول ثنائيّة القوميّة؟ ومع ذلك فهي معروفة كدولة قوميّة – إثنيّة (أقواميّة) تختلف جذريًا عن الدول التي ذُكرت آنفًا. يدمج الجواب على هذه الأسئلة ثلاثة أبعاد: تاريخي، اجتماعي وقانوني.
أولا، إنّ الخلفيّة التاريخيّة لمكانة اللغة العربيّة واضحة، فالعرب شكلوا الأكثريّة، والقرار برسميّة اللغة العربيّة كان قرارًا انتدابيًا وليس قرارًا إسرائيليًا وفي هذا فرق كبير، مع قيام الدولة كان من الصعب على قادتها إلغاء هذه المكانة دون تلقّي انتقادات كبيرة من المجتمع الدولي، لا سيّما وأن قرار التقسيم 1947 أكّد الحفاظ على الحقوق الفرديّة والجماعيّة للمجموعتين القوميّتين، ومن ضمنها الحقوق اللغويّة في الدولتين – العربيّة واليهوديّة- اللتين كانتا من المفروض أن تقوما في فلسطين. وإنْ لم يشر قرار التقسيم إلى الحفاظ على رسميّة اللغة العربيّة في الدولة اليهوديّة، ولا إلى رسميّة اللغة العبريّة في الدولة العربيّة، وإنّما اكتفى بتأكيد الحفاظ على حقّ الأقليّة في ممارسة لغتها.
إذًا فإنّ هذا التفسير التاريخي وحده لا يكفي لدى الحديث عن هذا "الخلل" في دولة قوميّة- إثنيّة. لذلك فينضمّ إليه سببان أساسيّان حافظا على اللغة العربيّة كلغة رسميّة وهما: السبب الأوّل يعود إلى البون الشاسع بين النظريّة والتطبيق، فببساطة متناهية بدلا من أن يلجأ حكّام إسرائيل إلى خطوة إشكاليّة بإلغاء اللغة العربيّة. قرّروا إبقاءها رسميّة ولكن في الواقع فقد أفرغوا رسميّتها من أي مضمون على مستوى الممارسة، وسأتوسّع في هذا بعد قليل، والسبب الثاني وهو قانوني حيث أنّ القانون الإسرائيلي لا يطوّر ولا يبلور بل يعيق إمكانيّة بناء أرضيّة لممارسة فعليّة لرسميّة اللغة العربيّة، ويعيق تطوّرها، وهو يعثّر بذلك إمكانيّة تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائيّة اللغة.
بالإمكان معالجة هذا الموضوع من خلال القانون المقارن، وسأتمركز في المقارنة مع كندا من خلال مادّة "إعلان الحقوق والحريات" الذي هو لبّ الدستور الكندي، والذي يذْكر بشكلٍ جلي ومفصّل مكانة اللغات الرسميّة في كندا (بالأساس البنود 16 حتى 23 )
English and French are the official languages of Canada and have equality of status and equal rights and privileges as to their use in all institutions of the parliament and government of Canada"
بالإضافة إلى هذه التعليمات العامّة فإنّ البند 17 يقرّ بوضوح أنّ لكل شخص الحق في استعمال الإنجليزيّة والفرنسيّة، وأكّد القانون على أنّ الصيغتين اللغويّتين متساويتان أمام القانون؛ البند 19 يقرّ بوضوح أن كل شخص يستطيع استعمال الإنجليزيّة أو الفرنسيّة في أي إجراء قضائي في المحاكم. البند 20 يؤكّد بوضوح أن كل عضو في مجموعة داخل كندا يستطيع التوجّه والحصول على خدمات في اللغتين الإنجليزيّة أو الفرنسيّة في مكاتب الخدمات العامّة.     
 لدى مقارنة البند 82 من القانون الانتدابي بالتعليمات المذكورة في إعلان الحقوق والحريّات الكندي يظهر نقاط الضعف التالية في القانون الانتدابي:
1. القانون الإسرائيلي أقرّ واجبات قليلة حول معنى رسميّة اللغة، الدستور الكندي يشمل نظام ثنائي اللغة شامل، بينما القانون الإسرائيلي يقرّ ثلاث واجبات لغويّة (واحدة منهم محدّدة وهي في مجال السلطات المحليّة).
2. لا يشمل القانون الإسرائيلي تعليمات عامّة بخصوص مساواة اللغتين كما جاء في الإعلان الكندي المادّة 16 والتي من المفروض أن تَرِد فيها الجملة التالية: " اللغة العبريّة واللغة العربيّة هما اللغتان الرسميّتان لإسرائيل". صحيحٌ أنّ البند 82 يشمل العنوان الهامشي "لغات رسميّة" ولكن كما هو معروف فإنّ القانون الإسرائيلي لا يعطي للعناوين الهامشيّة قوّة مستقلّة، بكلمات أخرى فإنّ هذا العنوان الهامشي يساعد في التفسيرات فقط.
3. مكانة اللغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة مصانة بالدستور الكندي، بينما هي بند في قانون انتدابي تبنّته إسرائيل، والفرق هنا ليس رمزيًا فقط وإنّما فعليًا فمثل هذا القانون من السهل تغييره ( صحيح أنّه لا يوجد في إسرائيل دستور ولكن توجد قوانين أساس، وتوجد قوانين تتطلّب أكثريّة خاصّة لتغييرها، ومكانة اللغة العربيّة ليست من ضمنها كما هو معروف).
(يتبع) 
الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة:
مكانة اللغة العربيّة عبر السياسة الرسمية
(الحلقة الرابعة)
بقلم: ايلان سابان
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة

وبالمقابل، من المهم التذكّر أنّ الكثير من التعليمات الواردة في البند 82 من القانون الانتدابي الصادر في العام 1922 هي - بحسب المعايير المختلفة – تعليمات مهمّة جدًا، ولكن هذه الأهميّة فقدت خلال السنين قيمتها بسبب انتهاج أساليب تفرِّغ رسميّة اللغة العربيّة من مضمونها، وفيما يلي أهم هذه النقاط:
1. بالرغم من أنّ قوانين الدولة تظهر بالسجلات في الصيغة العربيّة، ولكنّ هذا يحدث في غالبيّة الأحيان بعد عدّة أشهر من نشرها بالعبريّة. وهذا التأخير لا يؤثّر على صلاحيّة القانون، كما أنّ القانون لا يفرض نشر القانون الجديد في السجلات باللغتين، وإنّما نشرها بالسجلات فقط (البند العاشر من أمر نظم الحكم والقانون)، وأكثر من ذلك، فللعبريّة أفضليّة وفْق المبدأ التفسيري في البند 24 لقانون التفسيرات 1981، والقاضي بعدم وجود مساواة في الصيغتين، وإنّما يجب تفسير القانون بحسب الصياغة الأصليّة للقانون ( أي العبريّة).
2. لا توجد إمكانيّة عمليّة للتوجّه للسلطات المركزيّة باللغة العربيّة ( ما عدا الفروع في المناطق العربيّة)، الوضع التنظيمي في السلطات لا يسمح بذلك، توجد الكثير من النماذج ولكنّ أغلبها لا يظهر باللغة العربيّة.
3. الإعلانات الرسميّة الحكوميّة تظهر في أغلب الأحيان باللغة العبريّة فقط. إشارات المرور كانت في أغلبيّتها الساحقة، حتّى الفترة الأخيرة، باللغة العبريّة فقط. (في بعض الأحيان كتبت بالإنجليزيّة أيضًا ولكن اللغة العربيّة مستعملة بشكلٍ نادرٍ خصوصًا في الأماكن التي لا يسكنها العرب). في السلطات المحليّة -كما ذُكر آنفًا- القانون لا يلزم باستعمال العربيّة- لافتات الطرق تكتب باللغة العبريّة فقط (في المدن والمجمّعات اليهوديّة يكتب بالعبريّة فقط، وفي المدن المختلطة يكتب غالبًا بالعبريّة فقط) وكذلك القوانين المساعدة فتُكْتب بالعبريّة فقط وذلك في المجمّعات اليهوديّة والمختلطة على السواء. بعض السلطات المحليّة اليهوديّة والمختلطة قرّرت رسم الحدود اللغويّة في الإعلانات الخاصّة، ففي بعض القوانين المساعدة وضعت أنظمة تجسّد فوقيّة اللغة العبريّة، وأدرج هنا مثالا وهو البند 2 (أ) من القانون المساعد لبلديّة "نتسيرت عيليت" (إعلانات ولوائح) 1964:
«لا ينشر شخصٌ إعلان ولا يضع لائحة، إلا إذا حصل على رخصة لذلك من رئيس المجلس، وبحسب شروط الرخصة، وإذا كان الإعلان أو اللائحة:
(1) مكتوبان بالعبريّة؛ أو
(2) مكتوبان بالعبريّة والأجنبيّة، وتكون العبريّة مكتوبة على مساحة ثلثين من الإعلان أو اللائحة، ومكتوبة في القسم العلوي وبأحرف أكبر من الأحرف الأجنبيّة.
من الجدير توضيحه هو أنّ المحكمة العليا قد ألغت في العام 1993 هذا القانون المساعد (أي بعد مرور 29 سنة من إقراره والتعامل بحسبه).
4. نقطة إضافيّة تساهم في إبعاد النظريّة عن التطبيق وهي تنبع من الإجراء الذي تعطيه المحكمة في حالة عدم النشر بالعربيّة، إنّ اتجاه المحاكم - وبالرغم من الإلزام القانوني بالنشر في العربيّة- هو عدم إلغاء القوانين غير المكتوبة بالعربيّة، المحكمة تتعامل مع إدّعاء عدم النشر في العربيّة فقط في حالة الإثبات بأن عدم النشر قد تسبّب بأضرار للشخص المشتكي، أو إذا وُجدت تعليمات قانونيّة واضحة ومحدّدة.
في الواقع، فإنّه في الوضع الذي فُرضت فيه ثنائيّة اللغة على الأقليّة (أي أن تعرف هي لوحدها اللغتين) فإنّه يصعب على أفرادها إثبات التسبّب بالضرر نتيجة لعدم النشر بالعربيّة. وفي هذه الطريقة تزداد الضغوطات التي تزجّ بالأقليّة ( وفقط الأقليّة)، من البداية، في ثنائيّة اللغة، بخلاف الأكثريّة.
في سنوات التسعينيّات حدث تطوّر هام في الواقع المذكور آنفًا، وخصوصًا في النصف الثاني من سنوات التسعينيّات فإنّ بعض مؤسّسات حقوق الإنسان وتحديدًا «عدالة» (المركز القانوني لحقوق الأقليّة العربيّة في إسرائيل) يقودون توجّهًا حذرًا من أجل استغلال الوضع القانوني للّغة العربيّة، وذلك من اجل تحسين المكانة الاجتماعيّة - السياسيّة للغة. إنّ التطوّر الهام الأوّل في هذا المضمار هو إصرار شركة بناء عربيّة على حقّها في نشر إعلانات باللغة العربيّة فقط وذلك في منطقة نفوذ بلديّة «نتسيرت عيليت». المحكمة العليا أصدرت قرارًا بأنّ من حقّ الشركة (وحق غيرها) النشر بالعربيّة فقط، في لوح الإعلانات في السلطات المحليّة، وحتّى في السلطات المحليّة التي تسكنها غالبيّة يهوديّة وحتّى لو كانت كلّها يهوديّة .
ثانيًا، في أعقاب توجّه مركز «عدالة» وجمعيّة حقوق المواطن، حدث تعاظم في ظهور اللغة العربيّة في لافتات الطرق في سياقين: الشوارع بين المدن، وازدياد استعمال اللغة العربيّة في لافتات الطرق في البلدتين المختلطتين: حيفا وعكّا .
مسألة لافتات الطرق كشّفت عن عمق الأبعاد الموجودة في قضيّة اللغة، فالنقاش على اللافتات ثنائيّة اللغة لم ينته في الالتزام المذكور، وانتقل النقاش إلى مجال آخر، وهو السؤال عن كيفيّة ظُهور النصّ العربيّ؟ هل يظهر فقط بالأحرف العربيّة للاسم العبري؟ والنقاش الأساسي هو حول البلدان المختلطة فهل يكتب عكو أم عكّا؟ وبالنسبة للمناطق التي كانت عربيّة واليوم لا يسكنها العرب ( مثلا طْفِرْيا/ طبريّا أو تسيبوري/ صفورية). الدولة تتّخذ حلا وسطًا(!) لكتابة الاسم العبري بأحرف عربيّة وبالإضافة إلى ذلك تكتب الاسم العربي بين أقواس. الأقواس تعبّر عن المكانة المختلفة للأسماء، ولذلك فهذا الحل الوسطي(!) يثير جدلا، وهو يُفهم ضمن أهداف الدولة لتهويد الفضاء المشترك، إنّ مطلب الأقليّة هو «التمثيل والتخصيص الخاص» وبكلماتٍ أخرى اختيار التمثيل اللغوي الذي ترتئيه، وأكثر من ذلك الطلب في أن تكون الأقليّة حاضرة في منظر وفضاء البلاد المختلطة.
لهذا التطوّر - الاجتماعي والقانوني - ينضم تطوّر قانوني إضافي هام جدًا والذي يربط الدفاع عن اللغة العربيّة في تقاليد دستوريّة إسرائيليّة، وبأكثر دقّة أقول، في القانون الأساس: كرامة الإنسان وحريّته من سنة 1992، ولا يقتصر تفسير المحكمة العليا لهذا القانون على البند 82 وحده ( والقوانين التي انضمّت له).
 المصدر الإضافي هو عام وبسيط أكثر: الواجب المشتقّ من «كرامة الإنسان» والعلاقة بين كرامة الإنسان وانتمائه الثقافي، وفي هذا يقول القاضي حيشن :
» تعليمات البند 82 في القانون الانتدابي 1922 - 1947، أعطت للغة العربيّة في بلادنا مكانةً عاليةً بشكلٍ خاص {...} ولكن هذا ليس المهم ، المهم هو أنّ اللغة العربيّة هي لغة خٌمس سكّان الدولة - لغة الكلام، لغة الثقافة، لغة الدين- ونسبة كهذه لمجموعة سكّانيّة هي أقليّة كبيرة وَجَبَ علينا احترامها- هي ولغتها. دولة إسرائيل هي دولة يهوديّة وديمقراطيّة، وبكونها هكذا فيجب عليها احترام الأقليّة التي بداخلها: احترام الإنسان، ثقافته ولغته.»
هذا التطوّر في قرار الحكم هام ولكنّه حذر، فهو من جهة يرفع مكانة التعامل مع الّلغة للمستوى الدستوري وهو يربط الديمقراطيّة بالدفاع عن الأقليّات، ويوسّع القرار من واجبات السلطات في التعامل مع اللغة العربيّة- وهو بذلك يوسّع واجبات السلطات عن تلك الواجبات الواردة في البند 82 من القانون الانتدابي؛ ولكن من جهة أخرى فإنّ هذا القرار يحمل إشكاليّة كما في قرار "مرعي" وقرار "رام مهندسين"، فليس من الصدفة أنّ هذه القرارات لا تعتمد على رسميّة اللغة العربيّة، وفي مصطلحات الحقوق الجماعيّة التي ذكرناها في السابق فإنّ هذه القرارات تتوارد بمنهجيّة من اجل إضفاء ضبابيّة على الحق الجماعي الأصلي في موضوع اللغة.
الخُلاصة، بالرغم من التطوّر الذي طرأ على مكانة اللغة العربيّة، بالإمكان القول أنّه لم تُحدِث هذه «التطوّرات» تغيّرًا فعليًا على مكانة اللغة العربيّة (المكانة الاجتماعيّة- السياسيّة). فدولة إسرائيل، وأكثر من ذلك المجتمع الإسرائيلي، ما زالا بعيدين عن ثنائيّة اللغة، وبكلمات أكثر دقيقة فإنّ اصطلاح رسميّة اللغة العربيّة في إسرائيل هو تقريبًا خالٍ من المضامين في الحياة الجماهيريّة الإسرائيليّة، اللغة العبريّة هي - عمليًا- اللغة الوحيدة في الحياة الجماهيريّة والاجتماعيّة، وهي لغة الفضاء العام وهي لغة المكاتبيّة السلطويّة، لغة التعليم العالي، لغة أغلبيّة وسائل الإعلام.. والأهم من ذلك فهي لغة قطاعات كبيرة من سوق العمل المفتوح في وجه الأقليّة.
(يتبع)
__________________________________________

الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة:

القانون الإسرائيلي: الطلاب العرب مطالبون
باحترام دولة إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة
(الحلقة الخامسة)
بقلم: ايلان سابان
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة

حقوق جماعيّة أخرى للأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في إسرائيل:
(ب) اللغة، الثقافة والتربية - أبعاد في الحقوق متعدّدة الاثنيات.
إنّ القوّة الأساسيّة للغة العربيّة في إسرائيل تكمن في جهاز التعليم. جهاز التعليم في المدارس العربيّة يُدار باللغة العربيّة، وكذلك هو الوضع في المدارس العربيّة الخاصّة، التي أصبحت تحصل على دعم مالي، تقريبًا كامل،  في إدارة شؤونها.
سأسهب في ذلك في سياق الحديث عن الإدارة الذاتيّة، ولكنّي أؤكّد هُنا أنّ جهاز التعليم - الرسمي والخاص- ليس "جزيرة منفصلة"  للغة والثقافة والهُويّة العربيّة في البلاد بصورة عامّة. ويبرز من خلاله ذات التوجّه المعروف والذي يكرّس ثنائيّة اللغة وثنائيّة الثقافة لدى العرب فقط؛ فمثلا منهاج التعليم العربي يشمل تعليمًا إلزاميًا وشاملا للغة العبريّة والثقافة والتاريخ العبري، وهذه المطاليب ( دراسة ثقافة الآخر) غير موجودة تقريبًا في المنهاج العبري، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ مناهج التعليم العربي - ومنهاج امتحانات البجروت تحديدًا- صُنّفت في مواضيع التاريخ والأدب بشكلٍ يبتعد عن الحس الوطني والرواية الوطنيّة الفلسطينيّة .
وبالرغم من أنّ المدارس الخاصّة تحصل على "استقلاليّة" في إدارة مدارسها إلا أنّها لا تبتعد عن المناهج السائدة في التعليم الرسمي وذلك لسببين:
1. الضغوطات السلطويّة ( سأذكر ذلك لاحقًا).
2. لملاءمة منهاجهم لمنهاج البجروت الذي يؤهّل خرّيجيهم من الالتحاق في المعاهد العليا.
وسبب آخر في مجال اللغة والثقافة وهو أنّ المعاهد العليا تدرّس - تقريبًا بشكلٍ مطلق- باللغة العبريّة.
النقطة الهامّة في المجال القانوني لهذا الموضوع هي أنّ تعليمات القانون في هذا المجال مختصرة ومحدّدة، وهذا الأمر يعطي إمكانيّة التوسّع فيها بيد السلطات التي تفسّرها كيفما شاءت ومن المعروف أنّ تركيبتها يهوديّة بأكملها تقريبًا. وإليكم النص الكامل للبند  من قانون التعليم الرسمي والذي كان البند الوحيد الذي يتطرّق لموضع التعليم الرسمي لمدّة خمسين عامًا:
" يحدّد الوزير مناهج التعليم في مؤسّسات التعليم الرسمي؛ في المؤسّسات غير اليهوديّة تلاءَم مناهج التعليم لأوضاعها الخاصّة".
ومع ذلك، ففي شباط 2000 حدث تطوّر هام في بند مركزي بشكلٍ خاص وهو البند الثاني في القانون المخصّص لأهداف التعليم الرسمي فقد جاء في صيغة القانون السابق:
" (الصيغة الأصليّة) أهداف التعليم الرسمي في إسرائيل هي الارتكاز على قيم ثقافة إسرائيل وانجازات العلم، على حبّ الوطن والدولة وشعب إسرائيل، على معرفة ذكرى الكارثة والبطولة، على الثقة بالعمل الزراعي والمهني، على الإعداد الطلائعي، على الطموح من أجل مجتمع مبني على الحريّة، المساواة، التسامح، المساعدة المتبادلة، ومحبّة المخلوقات."
" (الصيغة الحديثة) أهداف التعليم الرسمي هي:
(1) تربية الإنسان على محبّة الإنسان، محبّة شعبه وبلاده، ليكن مواطنًا مخلصًا لدولة إسرائيل، يحترم والديه وعائلته، وتراثه، وهويّته الثقافيّة ولغته؛
(2) تذويت المبادئ التي قامت عليها دولة إسرائيل وقيمها كدولة يهوديّة ديمقراطيّة ولتطوير احترام حقوق الإنسان، والحريّات الأساسيّة، والقيم الديمقراطيّة، والحفاظ على القانون، وثقافة ورؤية الغير، وأيضًا التربية على السعي (ن.ع) نحو السلام والتسامح في العلاقات بين الناس وبين الشعوب (...).
(11) لمعرفة اللغة، الثقافة، التاريخ، التراث والعادات المميِّزة للسكّان العرب ولمجموعات سكّانيّة أخرى في دولة إسرائيل، والاعتراف بالحقوق المتساوية لكلّ مواطني إسرائيل."
هذا التطوّر في القانون ليس هامشيًا ( بالرغم من أنّه لم يطبّق موضوعيًا حتّى الآن) ففي هذا التطوّر ثمّة اعتراف بوجود الأقليّة ومحاولة للملاءمة لاحتياجاتها الثقافيّة - التربويّة. البند الصغير (11) - وبالرغم من وجوده في آخر اللائحة- إلا أنّه يدلّ على موافقة مبدئيّة لنوع من النديّة: أي، ضرورة معرفة ثقافة أبناء الأقليّة القوميّة ( وأيضًا مجموعات أخرى) من قِبل أبناء الأكثريّة، وفي المقارنة بين البند 2 القديم والحديث يظهر بشكل جلي ليس فقط المضامين الحديثة وتغيير التأكيدات، وإنّما مستوى التفصيل أكثر بكثير من البند السابق.
من هذه الحقيقة بالإمكان اشتقاق واجبات قابلات للتنفيذ من أجل إعطاء طابع متعدّد الثقافات في مناهج التعليم وللدفاع عن ثقافة الأقليّة.
(ج) الحريّة الدينيّة.
 بسبب الفوقيّة الأرثوذكسيّة اليهوديّة وبسبب الطابع "الديمقراطي" لإسرائيل، فإنّ الضغوطات على الأقليّة من أجل ثنائيّة الثقافة في موضوع الدين وحريّة العبادة هي ضغوطات غير مباشرة وخفيّة، وربّما أنّ أحد أسباب عدم الضغط على ديانات الأقليّة هو "العدو المشترك"- العلمانيّة؛ وربّما أنّ الضغوطات التي تمارس ضدّ ديانات الأقليّة هي نابعة من علمانيّة المجتمع الإسرائيلي، وكذلك علمانيّة المجتمع العربي في إسرائيل وكذلك التغيير الاجتماعي الذي مرّ به منذ الـ48 حتّى اليوم، وإن كانت تغيّرات غير متجانسة.
نقطة إضافيّة لم تحظ باهتمام كبير وهي أن للأقليّة العربيّة مجال تعليم واحد وهو تعليم غير ديني بطابعه، أي أنّ الذكور والإناث، وأبناء الطوائف المختلفة، متديّنين ومتديّنين أقل، يختلطون في صفوف مختلطة، وذلك في المراحل الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة، كما أنّ منهاج التعليم يتضمّن تعليم الدين بشكلٍ مقتضب3.
أقيمت إمكانيّة أخرى وهي المدارس الخاصّة والتي تتمتّع بدعم مالي حكومي ولكنّها مقتصرة على الطوائف المسيحيّة.
نقطة إضافيّة هامّة وهي أنّ الضغوطات التي تمارس ضدّ ديانات الأقليّة تنبع بشكل أساس من التمييز العميق والمستمر منذ عشرات السنين ضدّ الديانتين الإسلاميّة والمسيحيّة مقابل اليهوديّة الأرثوذكسيّة في شتّى المجالات والأسهل إثباته هو التمييز في الميزانيّات .
يمكن القول أنّ الديانات في إسرائيل تتمتّع بحقوق دولة متعدّدة الثقافات، ولكنّ هذا ينبع من كوْن ديانة الأكثريّة تريد التفرّد وهي غير اندماجيّة، ولكنّ الصحيح أنّ هذه هي أيضًا رغبة ديانات الأقليّة، وهم بهذا يشكّلون نموذجًا للانفصال إراديًا.
دولة إسرائيل تدخّلت في بعض القضايا في مجال الأحوال الشخصيّة كمنع تعدّد الزوجات وتحديد جيل الزواج ومنعت القتل على خلفيّة "شرف العائلة" وكذلك أعطت الإمكانيّة للتوجّه للمحاكم المدنيّة في بعض قضايا الأحوال الشخصيّة.
كما أنّ هناك نوع من الحقوق متعدّدة الاثنيات (الأقواميّات) النابع عن تفهّم لبعض العادات والتقاليد فمثلا النساء اللواتي يخدم أبناؤهنّ في الجيش معفيّات من ذلك . كما أنّ النساء المسلمات والدرزيّات معفيّات من تقديم صورة شخصيّة عنهنّ في سجل السكّان وبطاقات الهويّة .
كما أنّ ثمّة حقوق متعدّدة الاثنيات في مجال العمل، فالقانون يمنع عدم قبول متقدّم للعمل بسبب انتمائه الديني، كما أنّ كل إنسان غير يهودي (كنص القانون) يستطيع اختيار يوم الراحة الأسبوعي الذي يلائمه وكذلك الأعياد، ومع ذلك فإبقاء البند مفتوحًا على شاكلة " يحق لكلّ غير يهودي أن يختار..." فهو لا يُعطي حقوقًا واضحة ل"غير اليهود".
(د) الإعفاء من الخدمة العسكريّة.
أحد الحقوق الجماعيّة الهامّة "المعطاة" للعرب في إسرائيل هي الإعفاء من الخدمة العسكريّة؛ هذا الحق يصنّف كحق جماعي لأنّه "معطى" على خلفيّة الانتماء الجماعي ( والتبرير الأخلاقي لذلك هو التميّز القومي للأقليّة القوميّة العربيّة - الفلسطينيّة والصراع بين شعبها ودولة مواطنتها) ومن نافل القول أنّ سبب الإعفاء هو ليس فقط الاكتراث بمشاعر الأقليّة وإنّما مسألة أمن الأكثريّة ضغطت بهذا الاتّجاه.
(يتبع)
(٭) محاضر في كليّة القانون - جامعة حيفا.
للتعليق: ayman_a_odeh@hotmail.com
_____________________________________________________
الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة:

عن «الإدارة الذاتيّة» للأقليّة العربيّة
(الحلقة السادسة)
بقلم: د. إيلان سابان
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة
حقوق الإدارة الذاتيّة - إلى أي درجة تحصل الأقليّة العربيّة على إدارة ذاتيّة في المجالات المركزيّة؟
بعكس وضع الأقليّة في مجالات الحقوق متعدّدة الاثنيات والتي تحصل فيها الأقليّة على بعض الحقوق الهامّة كاللغة والتعليم والدين والإعفاء من الخدمة العسكريّة، فإنّ حقوق الإدارة الذاتيّة فقيرة في إسرائيل..
إنّ أبعاد الإدارة الذاتيّة تُقاس بمدى وجود مؤسّسات مُدارة بأيدي الأقليّة. وهذه المؤسّسات تظهر بشكليْن: المؤسّسات التي تستمدّ صلاحيّتها من المؤسّسات الحاكمة، والصنف الآخر هو المؤسّسات خارج- السلطويّة (مؤسّسات تطوّعيّة ومُدارة ذاتيًا) المؤسّسات التي تستمدّ سلطتها من المؤسّسة الحاكمة في إسرائيل هي: السلطات المحليّة العربيّة، جهاز التعليم، الخدمات الدينيّة، المحاكم الدينيّة ومؤسّسات الثقافة. أمّا المجموعة الثانية والتي لا تستمدّ صلاحيّاتها من المؤسّسة الحاكمة فهي المؤسّسات التطوّعيّة ومنها الأحزاب والصحافة والتنظيمات المهنيّة ومؤسّسات «القطاع الثالث» (أي الجمعيّات).
أ . الفقْر في حقوق الإدارة الذاتيّة في مجال التعليم.
يوجد لدى الأقليّة العربيّة جهازَا تعليم- رسمي وخاص.
وسأبدأ بالأوّل وأسأل: هل توجد إدارة ذاتيّة للأقليّة في جهاز التعليم الرسمي؟
الجواب هو سلبي بشدّة. جهاز التعليم العربي مركّز ويقف على رأسه وزير التربية والتعليم الذي هو دائمًا يهودي كما هو معروف، وكذلك مجلس تعليمي يهودي بتركيبته وجهاز بيروقراطي كبير يسيطر عليه اليهود بشكلٍ يكاد يكون مطلق وحتّى أنّ السيطرة اليهوديّة تكاد تكون مطلقة في الألوية ( أنا شخصيًا لا أجد مانعًا في أن يكون وزير التعليم يهوديًا أو عربيًا مثلا، الأهم بالنسبة لي هو موقف الشخص، وقد بُلينا بوزير عربي كصالح طريف صاحب السمعات السيّئة أو بنائب وزير الخارجيّة نوّاف مصالحة الذي جلس "وكأنّ على رأسه الطير" حين كان وزير الخارجيّة دافيد ليفي يصرخ بهستيريا دم مقابل دم وولد مقابل ولد..، ولهذا فالانتماء لموقف هو الأساس.. أ.ع) إنّ مقدرة هذا الجهاز على الاستمرار، من الناحية القانونيّة، بدون تمثيل عربي حقيقي وبتدخّل سلطوي كبير( لم يعد خفيًا أنّ مندوب «الشاباك» يجلس في لجنة قبول المدراء وقد لا يملك صلاحيّة اختيار الشخص، ولكنّه يملك صلاحيّة عدم اختياره أ.ع) تكمن في أنّ القانون الإسرائيلي لم يبلور «الحق في التمثيل» على أساس الانتماء الجماعي؛ والأمر الثاني هو حريّة التعامل السلطوي في هذا الجهاز والذي يبرز بحدّة إذا ما قارنا التعليم العربي بالتعليم اليهودي الديني.
في سنة 1989 وبعد ضغوطات جمّة عُيّن عربيًا مسؤولا عن التعليم العربي ولكن بالمقابل فإنّ قسم التعليم العربي قُلّص إلى دائرة، ولكن الإجراء الأهم هو تجزيء هذه الدائرة إلى ألوية، أو بالأحرى إلى دوائر عربيّة داخل القسم في الألوية المختلفة، وهذا التجزيء يصعّب أكثر وأكثر التواصل وبالتالي السعي نحو إدارة ذاتيّة في مجال التعليم.
ومع ذالك فقد حصل تطوّر في هذا المجال في سنة 1996 فقد أقيم مجلس استشارة للتعليم العربي، ومن وظائفه فحص وضع التعليم العربي وتقديم الاقتراحات للوزير لتطويره، ومن صلاحيّات اللجنة مساعدة الوزير في بلورة سياسية التعليم العربي، والتي تضمن مكانتهم المتساوية وتميّزهم اللغوي والثقافي وتراثهم».. هذا التطوّر هام ولكنّه محدود ، كما أنّه يبقى استشاريًا، كما ويستطيع الوزير أن لا يتشاور مع المجلس في القضايا الجوهريّة وقضايا التعيين، وفي هذا فإنّ الفرق بين هذا المجلس والمجلس الاستشاري الديني اليهودي هو كبير جدًا .
لا شكّ أن أحد الأسباب الهامّة لعدم وجود إدارة ذاتيّة في موضوع التعليم هو أنّ المسلمين يشكّلون الأغلبيّة الساحقة من العرب وأنّ ممتلكاتهم (الوقف) كانت ممتلكات الدولة التي صودرت مع قيام الدولة ولم يبق إلا الوقف والمدارس المسيحيّة التي كانت تتمتّع بحكم ذاتي كبير قبل قيام الدولة فبقيت في أيدي المسيحيّين، وهذه المدارس ابتعدت كثيرًا عن التعليم الديني التقليدي ويتعلّم فيها 7.5% من مجمل الطلاب و30% من طلاب المدارس الثانويّة.
مع قيام الدولة كانت المدارس الأهلية المسيحيّة تنعم بحكم ذاتي كبير وذلك استمرارًا للقانون الانتدابي، وقد قيّد هذا الأمر في إقرار قانون «التفتيش على المدارس 1969» حيث أصبح من حق الوزير التدخّل في المناهج التدريسيّة وتجب أخذ موافقته في قضايا التوظيف.
يعلّمنا الواقع أنّه لم يعد هناك فرقًا بين الجهازين الرسمي والأهلي؛ «المبدأ» المستعمل هو «ميزانيّة مقابل تفتيش»، ومع التقليص المادّي الكنسي العالمي وافقت الطوائف المسيحيّة على الحصول على ميزانيّة حكوميّة مقابل رقابة وتفتيش حكوميّيْن في مجالات المنهاج وتعيين الموظّفين؛ كما أنّ المدارس الأهليّة فقدت الإدارة الذاتيّة التي كانت تتمتّع بها قبل قيام الدولة.
ب. حقوق إدارة ذاتيّة مقيّدة في مجال الدين.
المجالات التي سأطرّقها هي الخدمات الدينيّة والقضاء الديني.
تمتّعت الديانات بقسط كبير من الإدارة الذاتيّة في المجال القضائي بحسب القانون الانتدابي؛ وإن كانت الديانة الإسلاميّة قد تمتّعت بقسط أوفر من الحقوق كونها الديانة الرسميّة للدولة، واستمرّ هذا الوضع في دولة إسرائيل حيث تتمتّع المحاكم الشرعيّة بصلاحيّات أكبر من غيرها (المسيحيّة) وإن قُلّصت هذه الصلاحيّات في الآونة الأخيرة.
ولكن في الواقع فإنّ هذه الحقوق مشروط وتتقلّص باستمرار نتيجة لسببين: الأوّل، مصدر الميزانيّة الوحيد للقضاء هو الحكومة التي تسيطر الأغلبيّة اليهوديّة على كلّ مفاتيحها كما أنّ الوزير المسئول هو يهودي (انتقلت المسئوليّة عن المحاكم الدينيّة من وزارة الأديان إلى وزارة القضاء وذلك قبل حوالي 3 سنوات أ.ع ) كما أنّ تعيين القضاة الشرعيّين يتم بموجب المادّة 4 من قانون القضاة 1961 واللجنة التي تعيّن القضاة مكوّنة من تسعة.. والنقطة التي تعطي بصيصًا من الإدارة الذاتيّة هي كوْن القانون يلزم بأنّ خمسة من بين تسعة أعضاء اللجنة يكونوا من المسلمين؛ ولكنّهم مع ذلك لا يعيّنوا من قبل الأقليّة ذاتها .
كما تقلّصت الإدارة الذاتيّة بطرق أخرى:
1. صودرت صلاحيّة المحاكم الشرعيّة في قضايا الأوقاف وانتقلت إلى «الوصي» على أملاك الغائبين.(الأوقاف الإسلاميّة تشكّل 1/16 من أراضي فلسطين أ.ع)
2. إدخال توجّهات علمانيّة جوهريّة في قضايا الأحوال الشخصيّة. (أغلب الأمثلة ذُكرت في حلقة سابقة).
3. التغيير الكبير الذي أعطى المحاكم المدنيّة صلاحيّة مقابلة للشرعيّة في قضايا بعض قضايا الأحوال الشخصيّة .
لا شكّ أنّ أكثر الطوائف التي تضرّرت مع قيام دولة إسرائيل هي الطائفة الإسلاميّة، فالوقف الإسلامي الكبير صودر كلّه(من المهازل أنّ المسوّغ "القانوني" الذي صودر بموجبه الوقف الإسلامي والذي أقرّته محكمة العدل العليا «يُنظر قرار السروجي» هو أنّ أعضاء مؤسّسة رعاية الوقف قد شرّدوا للدول العربيّة، ولذلك فأملاك الوقف هي أملاك غائبين، ويحق للدولة مصادرتها بموجب قانون أملاك الغائبين، متجاهلة - عمدًا بالطبع- أنّ الوقف هو ليس ملكًا شخصيًا ولا يمكن أن يكون كذلك أ.ع) ، وكذلك لم تقم للمسلمين مؤسّسات دينيّة كالتي لدى اليهود والدروز . أمّا الخدمات المتواضعة التي تقدّمها الدولة للطائفة الإسلاميّة فتتم بشكلٍ مباشر بدون وسيط مؤسّساتي إسلامي ولا عن طريق المجالس المحلّيّة .
ج. الفقْر في الحقوق الجماعيّة في مجال الإعلام الالكتروني
عند الحديث عن الحقوق الجماعيّة في مجال الإعلام فإنّه يتوجّب التفريق بين الإعلام المكتوب والالكتروني، فالأوّل لا يدخل مجال الحقوق الجماعيّة كوْنه لا يعطى صلاحيّة لاتخاذ قرارات، كما أنّه لا يتمتّع من حق الحصول على ميزانيّة.. ومع هذا فتجدر الإشارة أنّ المؤسّسة تدخّلت دائمًا في مضامين الإعلام المكتوب، بل وأغلقت صحفًا في السابق بشكلٍ ثابت أو مؤقّت ( أمثلة على ذلك "الإتّحاد" و"الراية"، وحديثًا أغلقت صحف بناءً على معلومات سريّة مصدرها «الشاباك» وتتعلّق بالعلاقة مع منظّمات المقاومة «المسمّاة إرهابيّة!» ومثال على ذلك "صوت الحق والحريّة" و"الجيل الجديد".. أ.ع).
حتى نهاية الثمانينيّات لم تملك الأقليّة العربيّة أي سيطرة على الإعلام الالكتروني، والدولة سيطرت عليه كاحتكار لها وأظهرت فيه المواقف الإجماعيّة (والإجماع هنا هو إجماع الأغلبيّة اليهوديّة) أمّا إدارة القسم الضئيل من برنامج عربيّة فكان بيد مختصّين يهود.
في بداية التسعينيّات حدثت ما تسمّى بالثورة الإعلاميّة، وخصخصت عدّة قنوات تلفزيونيّة وراديو وشركات فضائيّات، وهُنا لن أعالج تأثير هذا الوضع الجديد إلا في مجال الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة.
خارطة الإعلام الجديدة لم تأت بالجديد للأقليّة العربيّة فالقناة الثانية (والثالثة أ.ع) تنشر باللغة العربيّة أقل من الأولى (الرسميّة).. وربّما كانت نقطة الضوء الوحيدة في هذه «الثورة» هو الراديو العربي 2000 وبعد ذلك «الشمس»؛ العرب يستمعون للفضائيّات ولكنّها لا تعطيهم حقوقًا جماعيّة بالتأكيد، لعدّة أسباب منها: لا تعالج قضاياهم عينيًا إلا بشكلٍ عابر؛ وثانيًا، الأقليّة العربيّة غير شريكة في الصياغة والتصميم والإدارة؛ وثالثًا، المضامين التي تُبثّ بالفضائيّات لا تدخل النقاش الجماهيري الإسرائيلي.
»التعدّديّة البنيويّة» التي طرأت على مجال الصحافة لم تتطوّر إلى «تعدّديّة فكريّة» لا سيّما في قضايا الأقليّة فلم يحصل أي تغيّر على نشرات الأخبار والتي تؤثّر بشكلٍ كبير على النقاش الجماهيري، ويمنع التغيّر في تناول قضيّة الازدواجيّة في امتلاك وسائل الإعلام المرئيّة والمكتوبة، أي أنّ هناك من يملك أسهم في الصحافة المكتوبة والمرئيّة أيضًا، كما أنّ الإعلام ما زال بأغلبيّته المطلقة تحت سيطرة رأس ماليّة يهوديّة.
(يتبع)
(٭) محاضر في كليّة الحقوق - جامعة حيفا
للتعليق والنقاش: ayman_a_odeh@hotmail.com



الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة
قرارات محكمة «العدل العليا»:
نعم لبعض الحقوق الجماعيّة، لا للحقوق القوميّة
     (الحلقة السابعة)
     بقلم: د. ايلان سابان(*)
ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة
الحق في التخصيص والتمثيل الخاصّين- الخطوط العريضة في مشاركة الأقليّة في دولة مواطنتها.
المجموعة الثالثة والأخيرة من الحقوق الجماعيّة هي مدى مشاركة الأقليّة في تقاسم القوّة السياسيّة، الماديّة والرمزيّة في الدولة، أي الحقوق الخاصّة ب"التمثيل الخاص" و"التخصيص الخاص" للأقليّة، ومن أجل معرفة هذه الحقوق تجب الإجابة على هذين السؤالين: إلى أي درجة تتمتّع/ تشارك الأقليّة بالموارد التي تخصّص من المؤسّسات الرسميّة؟ وإلى أي درجة تشارك الأقليّة في هذه المؤسّسات - أهم هذه المؤسّسات هي البرلمان، الحكومة، السلطة القضائيّة وخدمات الدولة؟
الحقوق الجماعيّة للأقليّة في مجال «التخصيص الخاص» هي في مجالين: المادي (وظائف، ميزانيّة، تسهيلات بالضريبة، أراضٍ وغيرها) والرمزي (الرموز الرسميّة، القيم المركزيّة وغيرها) التمييز بين المجالين ليس واضحًا فمثلا الهجرة إلى إسرائيل، هل هي تخصيص مادّي أم رمزي؟ أم كلاهما؟
أ) التخصيص في القضايا «المادّيّة».
الادّعاء حول التمييز في الميزانيّة والخدمات للوسط العربي معروفٌ تمامًا، ولن أتوسّع في ذلك هنا، فإسرائيل نفسها تعترف بذلك وتشير إلى سبُلٍ لتحسين الوضع.
عند الحديث عن الحقوق الجماعيّة يجري التركيز على المخصّصات التي تُعطى على أساس الانتماء الجماعي (ميزانيّة التعليم والخدمات الدينيّة وغيرها) وليس على الفردي العام (خدمات الصحّة مثلا) ولكن يحدث في هذه الحقوق (الجماعيّة والفرديّة العامّة) تداخل كبير في إسرائيل وذلك لعدّة أسباب، منها السكن غير المختلط، فيؤدّي ذلك لتمييز في القضايا الفرديّة- العامّة لسكّان القرى والمدن العربيّة والذي يكون أساسه انتماءهم القومي.
أرغب هنا في أن أتطرّق لقضيّتي الهجرة والأراضي.
قوانين الهجرة تشكّل ربحًا صافيًا لمجتمع الأغلبيّة اليهوديّة فقط. «أهداف جمع الشتات» منصوصة قانونيًا في البند 5 من قانوني الهستدروت الصهيونيّة العالميّة والوكالة اليهوديّة (1952) وأقرّ في هذيْن القانونيْن بأنّ «تجميع الشتات» هو في مركز مَهمّات دولة إسرائيل والحركة الصهيونيّة، وتجد تعبيرًا شاملا لذلك في قانون «العودة» وغيره كقانون «الجنسيّة» وقانون «الدخول إلى إسرائيل»  وهما (القانونان الأخيران) يحدّدان حق اليهود وأقربائهم في الوصول والسكن في إسرائيل والحصول على المواطنة فيها. في قانون «الدخول إلى إسرائيل» يملك وزير الداخليّة صلاحيّة الموافقة على دخول أفراد إلى إسرائيل وهو في الممارسة يعطي إمكانيّات ضئيلة لغير اليهود ولم يُسمح - منذ إقرار القانون وحتّى الآن- لأي عربي الدخول إلى إسرائيل بموجب هذا القانون.
هذه القوانين مجتمعة تقيّد بشكلٍ مطلق حق اللاجئين الفلسطينيّين بالعودة.
إنّ الانتقاد على قوانين الهجرة يتركّز في غالب الأحيان في الأبعاد الفرديّة كأن تؤخذ قضيّة فرديّة وتعالج في إطار لمّ الشمل مثلا، أو الطلب للحصول على ملجأ في إسرائيل، ولكن القانون الإسرائيلي يمنع هذا الحق عن كل أبناء الأقليّة وهذا الأمر يندرج ضمن القضايا التي تنتقص من الحقوق الجماعيّة للأقليّة. إذًا فالقانون الإسرائيلي يؤكّد أنّه لا يوجد «تخصيص خاص» للأقليّة العربيّة في مجال الهجرة بالرغم من كونها مواطنة في إسرائيل.
القانون الإسرائيلي ميّز ويميّز بشكل واضح وجارف في قضيّة الأرض، وجرت في السابق مصادرة أراضي العرب بالجملة ولكن في قرار الحكم (قعدان) حدّدت أكثر الإمكانيّة للتمييز بشكل مباشر أو عن طريق وسيط، وإن كان هذا القرار لا يقطع بشكلٍ حاسم ونهائي مسألة التمييز في الحصول على الأرض.
ومع ذلك، هل يوجد فرق قانوني بين التمييز في قوانين الهجرة وقوانين الأرض؟ الجواب نعم فإن المتابع لقرارات المحكمة العليا (ومنها قرار الحكم قعدان) يلاحظ تأكيد الحكّام على يهوديّة الدولة وعلى حق اليهود بالعودة، ولكن متى وصلوا إلى البلاد فيجب التعامل بين جميع المواطنين على قدم المساواة الحقيقيّة (أي ذات الوقف البن غوريوني بأن للعرب حقٌ في البلاد وليس عليها) قرار آخر مهمًا في مجال عدم التمييز على أساس الانتماء الجماعي هو قرار الحكم "عدالة ضد وزير الأديان" في قضايا صيانة وتطوير المقابر .
ولكن من المهم أن نلحظ أنّ التطوّر في مجال الحقوق الجماعيّة في سنوات التسعينيّات تحديدًا لم يتضمّن تطوّرًا في مجال الحقوق القوميّة فقد كتب بروفيسور شمير: « ربّما كان هنالك مكانًا للتفريق بين الحقوق الجماعيّة التي يجب أن تُعطى للأقليّة وبين الحقوق القوميّة التي لا يمكن أن تستوي مع حقيقة كون الدولة يهوديّة ».
ب. التخصيص في القضايا «الرمزيّة».
ماذا مع القضايا «الرمزيّة» ومدى مشاركة الأقليّة في الأمور الرمزيّة للدولة- لغاتها الرسميّة، نشيدها الوطني، علمها، أبطالها، قيمها، أيّام الأعياد وأيّام الذكرى وغيرها؟
لا يوجد مجال - عدا الهجرة والأرض- يشعر فيه ابن الأقليّة بالاغتراب أكثر من المسائل الرمزيّة الرسميّة.
إسرائيل تحتكر بشكلٍ مطلق المسائل الرمزيّة للأغلبيّة اليهوديّة ( الشاذ عن القاعدة هو مكانة اللغة العربيّة التي أقرّت رسميّتها منذ 1922 «كَتبت بشكلٍ مفصّل عن ذلك في حلقتين سابقتين») في إسرائيل لا يوجد يوم رسمي واحد يمثّل رمزًا للأقليّة العربيّة (وأكثر من ذلك ففي إسرائيل لا يوجد يوم واحد مشترك لكلّ المواطنين كيوم التعايش أو قيَم الديمقراطيّة أو حقوق الإنسان) إنّ اليوم الوحيد الذي كُرّس لقيًم الديمقراطيّة هو يوم ذكرى يتسحاق رابين .
إنّ الاحتكار اليهودي في مجال الرموز مكرّس في سلسلة قوانين ( قانون العلم والرمز 1949، قانون ختم الدولة 1949، قانون يوم الاستقلال 1949، قانون ذكرى الكارثة البطولة 1953، قانون إحياء ذكرى شهداء معارك إسرائيل 1963.. وغيرها)
مكان إضافي للتغييرات الرمزيّة هو عبرنة أسماء الأماكن بدلا من الأسماء العربيّة وليس إلى جانبها، وذلك من أجل عبرنة الفضاء العام وإيجاد علاقة بين الأرض وشعب التوراة، وجزء من هذه التغييرات يتم بواسطة قوانين وضعت خصّيصًا لذلك (أذكر منها: قانون الآثار 1978، قانون الحدائق الوطنيّة، محميّات الطبيعة، أماكن قوميّة وأماكن تخليد-  1998 وغيرها.. كما أنّ المشرّع قد وضع في سنة 1964 قائمة أماكن التي يمكن اعتبارها تاريخيّة وهذه القائمة حلّت مكان القائمة الانتدابيّة!)
 (*) محاضر في كليّة الحقوق - جامعة حيفا.
للتعليق والنقاش: ayman_a_odeh@hotmail.com
الحقوق الجماعيّة للأقليّة العربيّة - الفلسطينيّة:
«منــــاطــق الطـــابــــو»
*وهي المناطق التي تحافظ على كوْن الدولة «دولة الشعب اليهودي» أو «دولة يهوديّة وديموقراطيّة»*لا مجال للمساواة الحقيقيّة طالما عرّفت اسرائيل نفسها كدولة «يهوديّة و.. ديمقراطيّة»*
 
(الحلقة الثامنة والأخيرة)
| بقلم: د. أيلان سابان | (*)
| ترجمة بتصرّف: المحامي أيمن عودة |

وصلنا إلى الحلقة الأخيرة من الدراسة، أبرزتْ الحلقات السابقة الفقْر الكبير في مجالات الحقوق الجماعيّة لدى الأقليّة العربيّة- الفلسطينيّة في إسرائيل. الفقْر موجود بشكلٍ صارخ في مجالي حقوق الإدارة الذاتيّة وحقوق التخصيص والتمثيل الخاص، كما أبرزتُ التطوّرات التي حلّت في مجال الحقوق الجماعيّة في العقد الأخير خاصّة في مجال التخصيص والتمثيل الخاص.
ثمّة مركّبان ناقصان في هذه الدراسة وهما مرتبطان جدليًا ببعضهما البعض:
أولا، لم أتوقّف بالشكل الكافي عند الموانع القضائيّة المباشرة للتغيير السياسي في مجال الحقوق الجماعيّة.
ثانيًا، لم أتوقّف عند المطاليب السياسيّة للأقليّة الفلسطينيّة التي تُصدّ قانونيًا.
لقد مررتُ على المركّب الناقص الأوّل باختصار من خلال السرد النظري للدراسة، وهناك اقتبستُ القوانين المقيّدة ومنها: البند 7أ من قانون أساس الكنيست والقاضي بمنع مرشّح أو قائمة مرشّحين من خوض انتخابات الكنيست إذا كان من أهدافه/ها إلغاء كوْن إسرائيل دولة  يهوديّة وديمقراطيّة. وكذلك البند 5 من قانون الأحزاب الذي يمنع تسجيل قائمة مرشّحين كحزب إذا كان من أهدافها إلغاء الطابع اليهودي- الديمقراطي للدولة وكذلك البند 134 (ج) من دستور الكنيست والذي جاء فيه: « لا يصادق رئيس الكنيست ونوّابه على اقتراح قانون عنصري في جوهره - من وجهة نظرهم، أو  يلغي كوْن إسرائيل دولة الشعب اليهودي».
يجب الانتباه إلى أربعة مميّزات في هذه القوانين المحدِّدَة:
أولا، إنّ التقييدات في هذه القوانين تمسّ في كل مجموعة سياسيّة تعمل من أجل تحقيق «الأهداف الممنوعة»، وممكن أن تكون مجموعة عربيّة أو يهوديّة أو عربيّة يهوديّة.
ثانيًا، الحديث لا يدور عن تقييد شامل يمسّ مجمل حريّة التعبير السياسي، والتقييد هو على الراغبين في الوصول لل»أهداف الممنوعة» عبر المسار الحزبي- البرلماني.
ثالثًا، قرّرت المحكمة العُليا بأن لا تلغى قائمة المرشّحين التي تهدف الوصول الى «الأهداف الممنوعة» في كلّ الحالات، وإنّما إذا كانت هذه الأهداف هي مركزيّة وتشكِّل جزءًا من برنامجًا جديًا ونشيطًا.
رابعًا، صحيحٌ أنّ تعليمات القانون الواردة آنفًا تقيّد الأقليّة ولكنّها في الوقت نفسه تعطيه نوعًا من الدفاع- دفاعًا في وجه «إلغاء الطابع الديمقراطي للدولة» في مواجهة اقتراح قانون «عنصري في جوهره» وغيره، كما أنّ قوائم عنصريّة قد أُلغيت في الانتخابات القطريّة والمحليّة.
هذه التقييدات القانونيّة هي الإطار السائد الذي يضيّق على الأقليّة إمكانيّة التغيير، ولكن بقيت «مناطق طابو» جديّة أخرى وهي على وجه الدقّة كالتالي:
1. التقييدات القانونيّة على أبعاد وأنواع الحقوق الجماعيّة.
»مناطق الطابو» هي المناطق التي تحافظ على كوْن الدولة «دولة الشعب اليهودي» أو «دولة يهوديّة وديمقراطيّة»، أي التي تمنع إسرائيل من التحوّل من دولة قوميّة- إثنيّة إلى دولة قوميّة مدنيّة أو دولة ثنائيّة القوميّة. لا يوجد من بين الأقليّة من يطالب بتحويل إسرائيل إلى دولة قوميّة مدنيّة (دولة التي تبدّل فيها الهويّتان القوميّتان بهويّة مدنيّة واحدة مشتركة).
إنّ العمل على تحويل دولة إسرائيل إلى دولة ثنائيّة القوميّة هو الخط الأحمر المركزي، وبكلمات أخرى فإنّ الحقوق الجماعيّة الممنوعة هي الحقوق التي لوْ حصلت عليها الأقليّة لتحوّلت إسرائيل إلى دولة ثنائيّة القوميّة. إذًا فما هي هذه الحقوق؟ ما هي الحقوق الجماعيّة التي تميّز الدولة ثنائيّة القوميّة؟
أ . هل تقيّد محاولة الأقليّة للوصول إلى الحكم الذاتي، أي، إلى حقوق الإدارة الذاتيّة الشاملة؟
كما ذكرنا في حلقات سابقة عن إمكانيّة الوصول إلى «الإدارة الذاتيّة» (ثقافيّة أو تريتورياليّة) لا يعني أبدًا تحويل الدولة إلى ثنائيّة القوميّة، بل من الممكن أن تكون دولة مواطنين، أو دولة متعدّدة الثقافات أو في حالة تعدّد الثقافات في دولة قوميّة إثنيّة، أي حتّى لوْ تجسّدت فكرة «الإدارة الذاتيّة» فهي لن تحوّل إسرائيل إلى دولة ثنائيّة القوميّة، معنى هذا الأمر أن مطلب «الإدارة الذاتيّة» للأقليّة موجودة خارج منطقة الطابو وخارج منطقة الممنوع.
ب . هل يوجد تقييد قانوني لضم الأقليّة إلى دولة أبناء شعبها؟
الجواب هو سلبي، فإنّ رغبة الأقليّة في الالتحاق بدولة أبناء شعبها (فلسطين) وتغيير الحدود لا يمس بطبيعة الدولة اليهوديّة، والعمل على تحقيق هذه الرغبة حتّى بالوسائل الحزبيّة- البرلمانيّة غير ممنوع في القانون. (القرار بشأن الحدود والانسحاب والضم هو قرار وموقف سياسي ولذلك فلا يوجد مشكلة قانونيّة في السعي لتحقيق هذه الأهداف السياسيّة أ.ع)
ج. ماذا بشأن حقّ العودة للاجئين؟
بحسب قرارات المحكمة العليا في قضيّتي الطيبي والحركة التقدّميّة للسلام4 فيمكن تلخيص الموقف القانوني من قضيّة عودة اللاجئين، بأنّ الأساس هو الحفاظ على يهوديّة الدولة أي على أغلبيّة يهوديّة في الدولة، ومن هنا فإنّ التقييد للأحزاب هو في المطالبة بشكلٍ جِدّي ومركزي بعودة اللاجئين الفلسطينيّين وإلغاء قانون العودة (ليهود العالم) كما أنّ مطالبة الأحزاب بعودة اللاجئين الفلسطينيّين بشكلٍ متساوٍ مع «عودة» يهود العالم، هي مطالبة محفوفة المخاطر وقد تَرفض المحكمة تسجيل الحزب أو الموافقة على خوضه الانتخابات.
د. وماذا بشأن السعي نحو تغيير رموز الدولة؟
لننظر إلى قرار الحكم قعدان5 والذي يحلّل الموقف من كوْن الدولة «يهوديّة وديمقراطيّة»:
»... قيم دولة إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة هي، أيضًا، التأكيد على حقّ الشعب اليهودي في أن يحكم ذاته في دولته السياديّة (..) نعم، تُشتق عودة الشعب اليهودي لوطنه من قيَم دولة إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة معًا (...) ويُفهم من هذه القيم أمران، أولا أن تكون العبريّة هي اللغة الأساسيّة في الدولة، وكذلك الأعياد الأساسيّة، وكذلك أن يكون تراث إسرائيل مركّب مركزي في التراث الديني والثقافي في الدولة(...) ولكن من قيَم دولة إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة المطلوب عدم التفريق بين مواطنيها. اليهود وغير اليهود وهم مواطنين متساوي الحقوق والواجبات في دولة إسرائيل».

من الواضح أن قرارالحكم (الذي اعتبر ثوريًا لا سيّما في قضيّة منع الدولة من التمييز ضدّ العرب في شراء أراض منها بشكلٍ مباشر أو عن طريق وسيط أ.ع) يؤكّد أمرين مهمّين، الأوّل أن الدولة غير محايدة ولها انحيازٌ واضحٌ لمجتمع الأغلبيّة. والثاني انحياز الدولة إلى رموز مجتمع الأكثريّة.
لنعد إلى السؤال، هل يمنع القانون الإسرائيلي السعي نحو تغيير رموز الدولة؟
ظاهريًا الجواب ايجابي ولكن فعليًا يمكن كسر احتكار الرموز اليهوديّة ولكن لا يمكن كسر مركزيّتها.
وبهذا فنكون قد عالجنا في هذه الدراسة أربعة قضايا مركزيّة تتعلّق بالحقوق الجماعيّة للأقليّة:
1. تشخيص الحقوق الجماعيّة بشكلٍ عام.
2. تشخيص الحقوق الجماعيّة التي تحصل عليها الأقليّة في إسرائيل.
3. تشخيص الحقوق الجماعيّة التي لا تحصل عليها الأقليّة في إسرائيل.
4. تشخيص الحقوق الجماعيّة الممنوعة ( منطقة الطابو) التي لا تستطيع الأقليّة الحصول عليها  قانونيًا. 

(إنتهى)

(*) محاضر في كليّة الحقوق - جامعة حيفا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق