الاثنين، 20 يونيو، 2011

تداعيات 28 أيلول وعيد الفطر





الأحد 28/9/2008

الإنسان يبقى قويًّا تجاه حوادث الدهر إلا إذا هُزم من داخله، فكانت إرادةُ الشارع العربية فولاذيةً رغم النكبة ورغم النكسة، وبعد التنحّي وبعد وفاة عبد الناصر ولم ينل منها إلا "كامب ديفيد"، فلا سياسة ولا ثقافة ولا أدب ولا فنّ...


في الثامن والعشرين من أيلول عام 1970 رحل القائد الاستثنائي جمال عبد الناصر، وقبل ذلك في الثامن والعشرين من أيلول عام 1961 تمّ الانقلاب على الوَحدة بين مصر وسوريا التي انقلبت على المشروع الكولنيالي الأسوء في العصر الحديث سايكس- بيكو.
وشاءت الأقدار أن يصادف الثامن والعشرين من أيلول عام 2000 أن قتلت المؤسسة الإسرائيلية مئات الشهداء في الضفّة والقطاع وثلاثة عشر ضحيّة من جماهيرنا، واندلاع الانتفاضة الثانية ويوم القدس والأقصى.

*  *  *


من قتل الشارع العربيّ؟!


بعد أن رفضت مصر الرسميّة عرض مسلسل "ناصر" في رمضان فـ"ناصر غير ملائم للمرحلة الآنية!" تقوم قناة "إن.بي.إن" بعرضه في الساعة الثامنة والنصف مساءً وتقوم "الحياة" بإعادته في الثانية عشر والنصف ليلا.
 أخرج المسلسل باسل الخطيب ومثّل دور عبد الناصر مجدي كامل (الذي مثّل دور عبد الناصر في مسلسل العندليب قبل رمضانيْن) ويتوقّف المسلسل مطوّلاً عند نشأة عبد الناصر، متأنيًا في عرض النكبة وحصار الفالوجة اللذين حفرا أخاديد واضحة في وعي ناصر، وكان للنكبة أن تلهب نيران الغضب في صدور الجنود العرب، خاصةً مصر وسوريا والعراق، وكان لها أعمق الأثر في إشعال الثورات في هذه البلاد، وعلى خلفيّة النكبة حدث الانقلاب تلو الآخر في سوريا، وتراكم الغضب في العراق حتى الوثبة وثورة 1958 التي أطاحت بنوري السعيد، وفي مصر أكد عبد الناصر في خطاباته وكتابه "فلسفة الثورة" عن الأثر العميق لنكبة فلسطين على الثورة المصرية. أي أن النكبة برغم مأساتها إلا أنها لم تثبط همم الشعب العربي، بالعكس تمامًا زادته توهجًا وهذه نقطة هامّة يبرزها المسلسل.
وفي الليليتين الأخيرتين شاهدنا لقطات تاريخيّة عن أجواء تأميم القناة والردّ الشعبيّ على "العدوان الثلاثيّ" واستقبال الملايين في سوريا للرئيس عبد الناصر، ترافقها أغنيتا عبد الحليم حافظ "حكاية شعب" و"الوطن الأكبر" فتتفرّس في وجوه الملايين، في القسمات وفي الخلجات، أيّ صدق وأيّ حبّ وأيّ إخلاص وأيّ استعداد للتضحية مهما كانت جسيمة، أين هو هذا الشارع العربيّ اليوم؟!
هذا الشارع خرج من نكبة فلسطين يغلي كالمرجل يبغي الانتقام، ربّما من حكّامه الخونة أكثر من حكّام إسرائيل، وفي الحرب التي تلتها في السويس 1956 لا نستطيع القول إن مصر انتصرت عسكريًّا على العدوان الثلاثيّ فهذا غير واقعيّ، ولكنّها انتصرت، بالتأكيد، شعبيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا بامتياز، وكان على النكسة في الـ67 أن تقضي على الشارع العربيّ ومعنويّاته وإذا بهذه الجماهير تخرج بملايينها كعنقاء الرماد رافضة استقالة "المسؤول الأوّل" وكان وفاؤها يوم وفاته شلالات دموع وإصرارًا على حفظ "الميثاق" وحفظ "الثورة".
فمَن قتل الشارع العربيّ، هذا الشارع الذي بقي شامخًا بعد النكبات والنكسات؟ في معارك "الكرامة" و"الاستنزاف" و"تشرين" حتى منتصف السبعينيّات.
 ومن قتل الشعراء في منتصف السبعينيّات ونضب شعرهم كما عبّر عن ذلك أبرز شعراء الستينيات عبد الرحمن الأبنودي؟
 ولماذا لم نشاهد نصًا، مسرحًا أو سينما بعد ذلك، إلا لماما؟
ولماذا كان على الفنّ والغناء الأصيل أن يقف بحِدّة في منتصف السبعينيات وكأنّه اصتدم بحائط! فسارع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش أن يدعوَ بعضُهم بعضًا لمغادرة مسرح الحياة في منتصف السبعينيّات؟
أليست الكرامة الوطنية والإنسانية هي المقدمة الأولى للتقدّم الاجتماعيّ والثقافة التقدميّة والأدب الجميل والفن الراقي؟! هل سمعتم عن ثقافة وأدب وفنّ وتقدّم اجتماعي في عصر ذليل قوميًا وإنسانيًا؟!
لم تنل منَ الشعب العربي نكبة ولا نكسة، ولم تلِن منّه قناة وطنية، اجتماعية ثقافية، إلا في "كامب ديفيد" فصاعدًا. فالشعوب تبقى قويًّة تجاه حوادث الدهر إلا إذا هُزمت من داخلها.
وفي أجواء عيدٍ كهذا، وعلى أرض الكنانة كتب المتنبي "عيد بأيّة حال عدت يا عيد" وجاء في هذه القصيدة: "نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها"، فمتى تصحو تثب مصر على ثعالبها؟!

*  *  *

أنعيّد مع الملك حسين وعبد الناصر صائم؟!

عندما كانت تثبُت رؤية الهلال في نهاية الشهر الفضيل في القدس وفلسطين والأردن، ولا تثبت رؤيته في مصر، فيبشّر الشيخ أهلنا بحلول العيد، تردّ  الناس: لا يا شيخ! سنصوم غدًا ونعيّد بعد غدٍ مع عبد الناصر! فيجيبهم الشيخ أنّ الشرع لا يُجيز أن يصوموا في يوم العيد! فيكون الردّ حاسمًا: لن نعيّد مع الملك حسين وعبد الناصر صائم! سنعيّد بعد غد.
هذا الحادثة مثبتة في معظم القرى العربية في الستينيّات.

* * *

عبد الناصر ليس للذكريات حصرًا، فبين مطرقة جورج بن لادن وسِندان أسامة بن بوش، ما أحوجنا اليوم إلى البديل الثالث، البديل الأصيل سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا وأخلاقيًّا بالأساس، ما أحوجنا إلى التجربة العربية الأهم بعد قرون عديدة من الإنهزامية والتخلّف.
 في الستينيّات كنّا أكرم وكانت ملامحنا أجمل.
سلام لناصر يوم ولد ويوم مات و.. يوم يُبعث حيًّا.
ورغم الثوامن والعشرين من أيلول نعرف كيف نفرح ونقول لبعضنا كلّ عام وأنت بألف خير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق