الاثنين، 20 يونيو، 2011

لن تُحيى العظام الرميم، وإنما هي معركة اليوم..





أيمن عودة(*)
الأربعاء 27/1/2010

استوقفني انتهاج الكذب الرخيص في مقالات "عرب 48"، ومنها مقالٌ نُشر مساء اليوم مفاده أن النائب محمد بركة يقوم بزيارة أوشفيتس ضمن وفد يرأسه نتنياهو، وذلك في خلط متعمّد بين الوفد البرلماني والآخر الحكومي، وينتقي للمقال عنوانًا يريده تاويلا لمثل عربي بذيئ. وتجتهد صحيفة "كل العرب" لاستحضار عضو كنيست لم يكن حاضرًا في حينه، وذلك في مسعى منهجي لتشويه صورة وموقف النائب محمد بركة رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهنا أجدني مختلفًا ومحترمًا مع كل من يختلف مع الزيارة ويبيّن موقفه بأخلاق، لا بالدجل.

والموقف هنا هو ليس بالتقنيات أو بتركيبة الوفد، فأي من متغنّي اليوم بالموقف الشيوعي الأممي ضد النازية، فتغنّيه هذا ليس أكثر من "كلمة حق يراد بها باطل"، يُراد بها ضرب النائب محمد بركة، وهم، ذاتهم، من حرّض، بالأمس، على مثل هذه المواقف الشيوعية الأممية بشعبوية الزوايا التي لا تصمد في مواجهة النقاش المباشر.

وأجدني أشعر بالأسى من "قيادة اليوم" التي لا يصعب على القارئ النبيه استنباط موقفها الأكثر رجعية من مواقف القيادات الوطنية في أربعينيات القرن المنصرم، فتلك التي كانت تناضل، مباشرة، ضد المحتلتين المباشريتين لوطنها –بريطانيا وفرنسا- وجدَت نفسها في صفّ هاتين المحتلتين المباشرتين ضد الوحش النازي في موقف أممي وأخلاقي فائق. وهؤلاء الذين يهاجمون النائب بركة اليوم، ليسوا أكثر من ورثة تسطيحيين للذين هاجموا تلك القيادة الوطنية "الداعمة للاحتلال البريطاني والفرنسي" في بلد المليون (ونصف) شهيد وبلد ميسلون ودنشواي، من أمثال رشيد عالي الكيلاني، عزيز المصري، المفتي الحسيني، الملك فاروق وحزب الكتائب اللبناني!!. حينها فرّقت الناس الموقف المصداق من الفاشية عن الموقف "الوطني الشعبوي"، تمامًا كما لم يفت الناس "مصداقية" فرنسا وبريطانيا في محاربة الفاشية بالأمس، لا يفوت الناس، اليوم، العهر الإسرائيلي في محاربة النازية والفاشية.
في ذلك الوقت عرفت القيادة الوطنية مصيرية الموقف التي عبّر عنها الشاعر الجواهري في قصيدة ستالينغراد:  

"وانبرى التاريخ في حيرته      أأمامًا يتخطّى أم وراء"


إن تجربة قادة التحرّر الوطني الذي وقفوا مع المحتلّ المباشر ضد العدو الأكبر ليست غريبة عن شعبنا، ففي صدر الدعوة الإسلامية وقف العرب مع دولة الروم التي كانت تحتلّ قبائل عربية وتُسيء لها! ولكن العرب والمؤمنين الأوائل حزنوا لخسارتها أمام فارس –العدو الأكبر- وعبّرت عن ذلك الآية الكريمة التي تبشّر بفوز الروم ممّا أفرح قلب المؤمنين:  

" ألم {1} غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ."

في القرن العشرين، كما في القرن السادس الميلادي، لم تستجب الناس لغرائزها في ذاك الوضع المركّب، أفلا تتعلّم من تجاربها اليوم؟!

* * *


أن زيارة النائب محمد بركة ضمن وفد برلماني يمثّل مختلف وجهات النظر (بخلاف الحكومي برئاسة نتنياهو الذي يمثّل الموقف الإسرائيلي الرسمي) يشوّش الرسالة الواحدة والوحيدة التي يُقفل عليها "الإجماع الصهيوني"، وما خروج النائب محمد بركة من متحف "يد فشيم" احتجاجًا، والبيان الذي أصدره اليوم من أوشفيتس ضد مقولات نتياهو إلا بواكير الموقف الأممي والوطني الذي يمثله ضمن برنامج حزبه وجبهته الأممين والمعادييْن للصهيونية، وهو يعرف (لننتظر مليا) كيف يُبرز الصوت المميّز الذي سيخلط أوراقهم، عندها سنعي أكثر السبب وراء نعيق اليمين.

لنتصوّر وضعًا يستطيع فيه النائب محمد بركة أن يجمع عشرين نائبا صهيونيا لزيارة برلمانية حول الجدار العنصري في القدس، أو لزيارة البيوت العربية المهدّدة بالهدم، فهل سنعتبر ذلك انجازًا؟ بالطبع! فكيف لنا أن نقبل أن يرافقه المجرمون السفاحون إلى مكان جريمتهم هم، ولا نقبل بأن يرافقونه إلى مكان كانوا هم الضحيّة فيه!! أليست مرافقة الضحية أكثر أخلاقية من مرافقة الجاني؟ فكيف لنا ان نقبل دائما مرافقة الجاني ولا نقبل اليوم مرافقة الضحيّة؟!

* * *

بين التوجّه  الصهيوني المصرّ على احتكار المأساة واستغلالها لمآربه، والتوجّه الناكر للهولوكست والذي يخدم الأوّل، هناك توجّهان: الأوّل يعترف بالكارثة ولكنّه يرفض التعامل معها كونه فلسطيني "ضحيّة الضحيّة"، والثاني الذي ينبري به النائب بركة (وتَميّز به الحزب الشيوعي وتاليًا الجبهة) بأنه يؤكّد الموقف الأخلاقي الرافض لكلّ جريمة والرافض لجريمة الصهيونية باستغلال الجريمة النازية لتمرير وتبرير جرائمها، هذا الصوت يجب أن يئزّهم أزّا.
نحن نعرف أنه كان من الأسهل للنائب بركة،  صاحب الباع الطويل في السياسة والعمل الجماهيري، أن يقول "لا" لاقتراح زيارة معسكر الإبادة في أوشفيتس، وبهذا يبقى "وطنيًا صافيًا"، هذه الوطنية الصافية التي قال فيها السياسي البريطاني د. صموئيل جونسون من القرن الثامن عشر "الوطنية ملجأ النذل""Patriotism is the last refuge of a scoundrel" أمّا أن تبحث عن الموقف الأقلّ شعبويّة ولكنّه الأفضل لشعبك، فهو صميم الموقف اليساري والأممي، هو الموقف الشجاع.  
 

لعل أكثر المقولات الثورية والاممية أصالة، مقولة تشي جفارا "أينما وجد الظلم فذاك وطني"، في صفورية  وفي أوشفيتس وفي الحصار على كوبا وغزّة.  

إن عبرة التعلّم من قيم المعركة ضد الفاشية لا تستهدف إحياء العظام وهي رميم في أوروبا، وإنما تهدف إلى ممارسة العِبَر ضد فاشية اليوم، وفي صلبها جرائم دولة إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والتحريض الفاشي على الجماهير العربية.

هل يعتقدنّ احدٌ أن ابن صفورية لن يسيّس الكلمات الشعرية لابن البروة: 

"لو تأملتَ وجه الضحية وفكرت/كنت تذكرت أمّك في غرفة الغاز /كنت تحررت من حكمة البندقية وغيرت رأيك/ ما هكذا تستعاد الهوية."
 

(*) سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق