الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

المطلوب: مؤتمر وحدوي المؤتمر المسيحي في حيفا


الأربعاء 23/3/2005

*أنا أعرف الذين يحضّرون للمؤتمر، هم أهلي وناسي، ولكن لي وجهة نظر أخرى، أمنّي النفس بإقناعهم بها*

قبل يومين سرت في عيد الشعانين، مع أهلي وأصدقائي حول كنيسة الكاثوليك، خلال "الدورة" تجاذبنا أطراف الحديث، أحداث المغار وعقد المؤتمر المسيحي كانا محور الحديث.
خلال الجولة تأمّلت في جملة مالئ الدنيا وشاغل الناس جمال عبد الناصر في ميدان دمشق الوحدة عام 1961 حيث قال: "إنّ المسيحي السوري أقرب إليّ من المسلم الباكستاني"، ردًا على الفكر الأصولي، ولم يبتغِ منها طرحًا شاملا؛ فالإنسان القريب منّي موقفًا وممارسة هو الأقرب إليّ من أي إنسان آخر مهما كانت الشريحة التي ولد فيها، غير مختار.
أنتقل إلى فكرة أخرى تؤثّث الذاكرة بمشهدٍ بسيط ولكنّه عميق الدلالات، يشاهِد فيه العربي المسيحي لعبة ملاكمة بين "محمد علي كْلاي" ولاعبٍ آخر، لعبة ملاكمة بين مسلم ومسيحي والاثنان غير عربيين. المسيحي العربي يشاهد اللعبة بأعصاب مشدودة، وفي نهاية الجولة تصبح وكأنّها وترٌ عردُّ، ويقفز لأنّ "محمد علي كْلاي" فاز..
ربّما هو لم يجتهد في السؤال لماذا أيّد الملاكم المسلم ضدّ المسيحي؟ ولماذا قفز ووزّع الحلوى في الشارع؟ فشعوره طبيعي وفطري لا يخطر على باله طرح السؤال.
ولكن إذا بحثنا عن الجواب، فهو لا يبتعد عن الأسباب التالية: أسم الملاكم (محمد) وهو أقرب إليه من الاسم الأجنبي، وسبب أخر هو أن المسيحي العربي جزء طبيعي وشامخ من الثقافة العربيّة والإسلاميّة، وسبب ثالث يكمن في موقفنا المؤازر لكل الضعفاء.. وهي حالة يتميّز بها شرفاء العالم.
وهكذا وجد المسيحي العربي نفسه بشكل طبيعي تلقائي فطري مؤازرًا بكل مشاعره، وما أصدقها من مشاعر..
*  *  *
نحن اليوم لا نعيش فترة ناصر، ولا الاتحاد السوفييتي العظيم، ولا حركات التحرّر الوطني، ولا النهضة الثقافيّة والفنيّة في سنوات الستينيات، لا نعيش أيام الأمل والتفاؤل.. نعيش اليوم زمن الجزر الوطني والثقافي، عصر الفضائيّات التي تبث لنا تخلّف العالمين العربي والاسلامي، تبث لنا وجوه "نفط بن الكعبة" وشيوخ المستنقع الذين لا همّ لهم سوى شتم الغرب والصليبيين واليهود.
وأدعوهم لأن يردّدوا مع الشاعر:

نعيب زماننا والعيب فينا     وما لزماننا عيبٌ سوانا

وفي بلادنا تعرّض المسيحيون (يا لخجالة التعبير) لهجمات متكرّرة في الرامة وعسفيا وأبو سنان والمغار، ناهيكم عن مؤامرة، شهاب الدين؛ أقول هذا بقلبٍ دامٍ وغضبٍ مجنون...
ولنعترف بوضوح، أنّ الأحزاب العلمانيّة لم تعط الجواب الشافي حتى اليوم، ولم تجب على الصرخة المدويّة: كيف يمكن أن يشارف طائفيّان ممثلان عن الحركة الإسلاميّة 50% من أصوات الناصرة؟ الناصرة، القلعة والقلب والبارومتر، كيف؟

ولم تثبت الأطر الوطنيّة قدرتها على الدفاع عن الشرائح المهدّدة هنا وهناك.
لا شك أنّ الجبهة صاغت موقفًا صلبًا ومشرفًا ضد الطائفيّة، ولا شك أن السلطة هي التي تملك الأدوات القويّة والتي بدلا من قيامها بواجبها المدني تعمل على تكريس التشرذم وتعميقه بشتى الطرق، وهي المتهم الأوّل، وهنا أؤكّد انتمائي إلى مدرسة الرفيق جمال موسى الذي وقف مخاطبًا الجماهير قرب التوتة والعين في قرية البقيعة حيث قال: "إذا لم تنبت الخبّيزة عندكم فالسلطة هي المسؤولة".
ومع ذلك فنحن – ومن خلال موقعنا - لم نقدّم الأجوبة المناسبة للطائفيّة عامة ولتهديد أمن الناس الشخصي بشكلٍ خاص..
هل كنّا نستطيع ذلك؟
نعم، إقرأوا عن الدور العظيم للحزب الشيوعي طوال العقود الأربعة الأولى بعد النكبة، لا سيّما سنوات الخمسينيّات حيث كانت الحكومة تحاول استدراج الحلقة الأضعف تلو الأخرى لسلخها عن شعبها، وكيف كانت تشبك بعض المغرّر بهم بالشيوعيين وصلت حد إطلاق النار في حيفا والقتل في عيلبون وغيرهما، وكيف تصدّى الحزب الشيوعي بحكمة وشجاعة، فالشجاعة بدون حكمة تهوّر، والحكمة بدون شجاعة هوان، وإذا لم تجتمعا معًا فهما ليستا بحكمة ولا شجاعة. 
المطلوب، عقد مؤتمر وحدوي وليس فئويًا يأتي بنتائج عكسيّة.
إنّ فكرة "المؤتمر المسيحي" ما كانت لتعلو لولا هذا الفراغ، فالطبيعة لا تقبل الفراغ، ولكن من واجبنا نحن، الناس الشرفاء من كل الشرائح، أن نعلن عن مؤتمر وطني ضد التشرذم والتشظي ومن أجل الوحدة الوطنيّة، وليس مؤتمر مسيحي، فقضيّة المغار وغيرها ليست قضيّة كنسيّة أو دينيّة، وإنّما قضيّة مجتمع بأسره ويجب أن يرد عليها المجتمع بأسره.
وأنا أتوجّه إلى أهل بلدي بنداءٍ صميمي لتحويل هذا المؤتمر من مؤتمر مسيحي يكرّس الطائفيّة، شئنا أم أبينا، بحسن نيّة أو بسوئها، إلى مؤتمر وطني عام تشارك فيه كل الشرائح من أجل مجتمع نقي وطني مكافح من أجل حقوقه كمجموعة قوميّة ومن أجل ترسيخ القيم الوحدويّة والديمقراطيّة عامّة.
هذه الدعوة الصادقة لا تنتظر إلا جوابًا أصيلا، لنحارب معًا الطائفيّة البغيضة من أجل مجتمعنا كلّه مجموعة وأفرادًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق