السبت، 18 يونيو، 2011

الباب مشرَع فلمَ النظر عبر الثَّقب؟




لسنا أغبياء يا.. شيخ كمال خطيب

الباب مشرَع فلمَ النظر عبر الثَّقب؟





الجمعة 15/6/2007
ها هو الشيخ كمال خطيب يواصل مقالاته المنشورة في صحيفتي "الصنارة" و "صوت الحق والحريّة"، والتي يخصّص بعضها للطعن في الرموز الوطنيّة وعلى رأسها القائد الاستثنائي جمال عبد الناصر.
في العدد الأخير من الصحيفتين (الجمعة، 8.6.2007) يصف الشيخُ خطيبُ جمالَ عبد الناصر ونظامَة بـ" الأنذال وأراذل القوم" وغيرها من الألفاظ المهينة، (المهينة للشيخ خطيب، حصرًا) وقد سبق للشيخ أن وصف عبد الناصر بـ"القائد القزم" في مقالة له حملت اسم "الشهيد الأعزب" نُشرت في الصحيفتين المذكورتين قبل نحو سنتين.
كتب خطيب مقالته الأخيرة تحت عنوان: "الخامس من حزيران: افراح وأحزان" وأحزان الشيخ نابعة من الهزيمة والنكسة في 1967، أمّا أفراحه فهي ليست لانطلاق المارد الفلسطيني كعنقاء الرماد والانتصارات العسكرية والمعنوية والدبلوماسية للقضية الفلسطينية منذ معركة الكرامة (1968) أو حرب تشرين (1973) أو اعتراف العالم بالمنظّمة (1974) أو المقاومة الفلسطينية الصامدة حتى اليوم.. لا أبدًا، فمنبع أفراح الشيخ تعود إلى ما قبل 554 عامًا! أي الذكرى الـ554 لفتح القسطنطينية على يد السلاطين العثمانيّين!!! وحقّ لنا ان نعتب على الشيخ خطيب تقاعسه عن القيام بواجبه الديني وإقامة الأفراح في الخامس من حزيران بمناسبة الذكرى الـ554 للانتصار المؤزر!!!

الستّينيات، وما أدراك ما الستّينيات!

نستطيع قول الكثير عن الإنجازات الماديّة العملاقة للمرحلة الناصريّة منذ حرّر ناصر والضبّاط الأحرار مصرَ من الإنجليز والملك فاروق "خليفة المسلمين صاحب اللحية والمسبحة"، وإقرار قانون الإصلاح الزراعي بعد ثلاثة أشهر من الثورة، وكسر احتكار السلاح في الـ55، وتأميم قناة السويس – أكبر شركة احتكارية في العالم - والانتصار على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وتأميم وتمصير جميع الممتلكات الأجنبيّة والصناعات الثقيلة والتجارة الخارجية وتجارة الجملة وشركات المقاولات الكبيرة، وجعل التعليم مجانيًا، وكهربة الريف، وبناء السدّ العالي؛ بالإضافة إلى إعلان استقلال السودان وبعث القوّات المصريّة إلى سوريا المهدّدة بالغزو في الـ57، والمساهمة بشكل حاسم في طرد الإنجليز من اليمن وتحرير البلد، وطرد الفرنسيين من الجزائر والمساهمة في معارك كل الدول العربية، وإرساء قواعد الدوائر الثلاث العربية والأفريقيّة والإسلاميّة، وبروز ناصر قامة عالميّة ومحوريّة في "دول عدم الانحياز" واتباع "الحياد الإيجابي" ومعاداة أمريكا.
وحسبنا نحن الفلسطينيّين حقيقة أن بداية المرحلة الناصريّة وتحرير مصر كانا الردّ القومي على نكبة فلسطين كما أشار عبد الناصر قي "فلسفة الثورة" وأنّ نهاية المرحلة الناصريّة كانت على مذبح فلسطين في حرب الـ67 لتنزف ثلاث سنوات حتى أيلول الأسود وبعد أيّام وليالٍ ماراثونيّة عمل فيها على حقن الدم الفلسطيني.
  أهميّة ناصر الاستثنائيّة والأكبر من كل الانجازات المذكورة أعلاه، وكلّ انجاز منها يعدّ ثورة، تتمّثل بالروح التي وقفت خلف هذه الانجازات أو كما أنشد عبد الحليم حافظ "الحكاية مش حكاية السدّ.."، هي بثّ روح الكرامة الإنسانيّة والقوميّة في نفوس ملايين العرب الذين ذوّتوا الدونيّة وعانوا مئات السنين من استعلاء الحكّام المحتلّين، أهميّة ناصر الحقيقيّة هي في استنهاض روح الأمة من محيطها إلى خليجها: "إرفع رأسك يا اخي فقد مضى عهد الاستعباد" أو "استرددنا القناة وسيستردّ العرب بترولهم" أو "لن يكون: الفقر إرثًا... والغنى إرثًا والجوع إرثًا.. والشبع إرثًا والذلّ إرثًا.. والنفوذ إرثًا"

* * *

ليس باستطاعة الشيخ خطيب، ولا الغرب ولا حكّام اسرائيل ولا "الليبراليّين العرب الجدد" ولا الساداتيّين والمباركيّين ولا مشايخ الربع الخالي ورأس الخيمة.. أن يمحوا التجربة الناصريّة والروح المعنويّة الناصريّة من نفوس هذا الشعب الذي حفر المرحلة الناصريّة في وجدانه، ليس من اجل ماضٍ عزيز وحسب وإنّما لأنّ من هذه التجربة يرسم العالم العربي طريق المستقبل المليء بالكرامة والعزّة في مقابل مرحلة "الصحوة!"، مرحلة الذلّ العربي من المحيط إلى المحيط.
قد يغيظ الشيخ خطيب تنوّر المرحلة الناصرية، وقد يغيظه صوت أم كلثوم وعبد الحليم وفريد وعبد الوهاب في الخمسينيّات والستينيّات.. وقد تغيظه القفزة في الفنّ والشعر المتنوّر، وقد يغيظه تطوّر السينما والمسرح والثقافة عامّة، وبالتأكيد يغيظه تطوّر مكانة المرأة والثورة الاجتماعيّة المتنوّرة، وقد تغيظه تلك المرحلة التي لم يُعرّف فيها الإنسان إلّا من خلال مواقفه وممارسته وليس حسب انتماءاته الضيّقة، بعكس المرحلة الحاليّة التي يسمّيها الشيخ خطيب، مرحلة الصحوة!
ويبدو أن الشيخ خطيب لا يرى من المرحلة الناصريّة (التي يسمّيها مرحلة الأنذال وأراذل القوم) إلا قصّة إعدام الشيخ سيّد قطب وهذا ما يؤكّده في مقالاته المتعدّدة بهذا الصدد، ويدّعي الشيخ خطيب أن قطب لم يقتل إلا لفكره وطروحاته!! ورغم أن الحقيقة مركّبة أكثر بكثير حيث أن التيّارات الإسلاميّة اعتمدت العنف وكادت تغتال ناصر في حادث المنشيّة الشهير (1954) وقد خطّط الشيخ قطب لقلب نظام الحكم، إلا أنّني أتفّق مع الشيخ خطيب برفضي القاطع لإعدام الشيخ قطب، بل وأذهب أبعد من ذلك، إلى مكان لا يجرؤ الشيخ خطيب أن يذهب إليه، وأقول أن أبرز عيوب النظام الناصري كانت تغييب الديمقراطية والمعتقلات الوحشيّة التي أرفضها رفضًا باتًا، وأتحدّى الشيخ خطيب أن يرفض السجن والتضييق على الأحرار واليساريّين والشيوعيّين بموقف ديمقراطي صميميّ كما نرفض نحن ملاحقة الإسلاميّين!
يذكّرني التصاق الشيخ خطيب بأحد الأسئلة المعهودة عن أهل الخليل (عادةً تطلق النكات على البلدان الذكيّة والمتعلّمة كـ"الخليل") فسألتني صبيّة في الصفّ الثالث قبل عدّة ايّام: ليش أهل الخليل بخلّوا الباب مفتوح؟!
وعندما قلت لها "كْعيت" أجابت: " عشان ما يطَّلَّعوش عليهن من خزق الباب!
 ورغم أن أبواب الحقبة الناصرية مشرعة على مصاريعها وقد كُتب عنها آلاف الكتب والتحليلات إلا أن الشيخ خطيب يصرّ دائمًا على تجاهل الأبواب المشرعة ورؤية الإنجازات العظيمة وحتّى المحاولات المتعثّرة، ويختزل هذا بالنظر عبر ثقب الباب المشرع ليرى قصّة السيّد قطب لا أكثر!!

بين الموقف الحاقد والموقف الأصيل

قبل ثلاثة أشهر زرتُ الشاعر الشعبيّ أحمد فؤاد نجم في القاهرة، تحدّثنا في أمور مختلفة..وعن ناصر، فأخبرني أنّه اعتقل في فترة ناصر ستّة أعوام، وفي إحدى الليالي كان السجّانُ يستمع لخطاب عبد الناصر، وعندما هتف ناصر محتدًا: " إن أوسخ جزمة لجندي مصري في اليمن أنظف من تاج الملك سعود وتاج الملك حسين" هتف الشاعر (نجم) من أعماق سجون النظام الناصري ومن أعماق وجدانه: "يعيش جمال عبد الناصر"، وكانت الدموع تفرّ من عينيه.
عندما استشهد جمال عبد الناصر، كتب فيه الشاعر (نجم):

"عمل حاجات معجزة وحاجات كثير خابت
عاش  ومات  وسطنا  على  طبعنا  ثابت
وان  كان  جرح  قلبنا  كلّ الجراح طابت
ولا  يْنُولوه  العدا  مهما  الأمور  جابت"

موقف (نجم) يعبّر عن أصالة وطنيّين حقيقيّين اعتقلهم نظام عبد الناصر وعذّبهم بشدّة، وهو ينسجم مع موقف المفكّر الماركسي كريم مروّة الذي أعلن في كتاب "كريم مروّة يتذكّر" أن عبد الناصر اخطأ مع الشيوعيّين ولكنّ الشيوعيّين أيضًا أخطأوا مراراً في تقييمهم لمسيرته! ولكنّ الموقف الأوضح كان قد عبّر عنه "شيخ الشيوعيّين" محمود أمين العالم في كتاب "اعترافات" حين وضع العنوان الساخط "كنّا أغبياء" تعبيرًا عن خطأ تعامل الشيوعيّين مع ناصر في سنوات الخمسينيّات (باستثناء السنتين 55 و56)  ولاحقًا يضع (العالِم) عنوانًا رائعًا وهو "صافي يا لبن" تعبيرًا عن موقف الشيوعيّين "الأصفى من اللبن" تجاه عبد الناصر بعد القرارات الاشتراكية 1961 رغم استمرار النظام الناصري باعتقال الشيوعيّين.
إن الموقف الصميميّ للشيوعيّين والوطنيّين الحقيقيّين الذين عُذّبوا ليس أقلّ من الإخوان المسلمين، يدلّ على الموقف الأصيل والمتعالي على الجراح:

"وإن كان جرح قلبنا كلّ الجراح طابت"

هذه المآثر تختلف تمامًا عن الموقف الحاقد والضيّق للشيخ خطيب وبعض الحركات الإسلاميّة الإخوانيّة التي تصرّ على ضرب المرحلة الناصريّة، هذه المرحلة التي جهدت امريكا وعملاؤها الساداتيّون على ضربها وتزييفها وإبعاد الأجيال القادمة عن معانيها.

رحمة أيّها الشعب ضجّ بشكلٍ صحيح

ومن حقّ الأجيال القادمة، التي لم تعش الحلم ولم تعش الخيبة، والتي تبحث عن مثلٍ عُليا وعن رموز تقتفي أثرها، ومن حقّنا على ذاكرتنا الجماعيّة، أن لا نشبعهم بأن العرب لم يتحدّوا ولم ينتجوا ولم يتقدّموا خطوة طيلة مئات السنين الأخيرة! ومن حقّهم علينا ان نقول لهم الحقيقة: إن سنوات الخمسينيّات والستّينيات أظهرت العربي القادر والمنتصر على الاستعمار والمنتفض اجتماعيًا، العربيّ الذي حقّق الانتصار تلو الانتصار في مواجهة أعتى القوى العالميّة.
 وفي الوقت ذاته أن نكون نقديّين وجريئين في نقدنا تجاه المرحلة، نناقش سلبيّاتها ونستخلص العبر، وأن لا نكتفي بكيل الاتهام إلى القوى العالميّة، ونغضّ الطرف عن قصوراتنا الذاتيّة، وقد كانت كثيرة قي الستّينات، ولكن أن لا نصل إلى استنتاجات الشيخ خطيب الذي ينسف مرحلة كاملة ويبلغ حدّ الشماتة بهزيمة "العلمانيين" العرب في الـ67! ووصف الجنود المصريّين بالأرانب!!

لسنا أغبياء يا.. شيخ.

الشيخ خطيب يواظب على الإقلاع عكس الزمن، فمن إبداعاته الأخيرة تبرير عزوف أفراد الحركة الإسلاميّة عن المشاركة في المناسبات الوطنيّة: "إن سبب عدم المشاركة هو الاختلاط المريب بين الرجال والنساء"!! والله يا شيخ أنا في ريب من ريبتك ومن أفكارك ومن نواياك، فالنساء والرجال الذين يشاركون في المظاهرات، جنبًا إلى جنب، هم الأكثر أخلاقًا بين أبناء شعبنا ويكونون في ذروة أخلاقهم وهم في عيْن المظاهرة، هم أكثر أخلاقًا وتضحية من الذين ينتظرون الشفاء من دعاء "لا يجعلوا معه قليلا من القطران".
يقول الشيخ خطيب أن الثورة العربيّة الكٌبرى "تحالفت مع الانجليز ضد أبناء دينهم من الأتراك، وكان منظروها قسطنطين زريق وجورج سلامه وميشيل عفلق وانطوان سعادة".
لنضع النقاط على الحروف يا شيخ، فماذا تقصد بأبناء دينهم؟ ولماذا تذكر أربعة مفكّرين عرب وكلّهم من أصول عربيّة مسيحيّة؟! صدفةً أم براءةً؟ لا هذه ولا تلك يا شيخ، هذه تسمّى طائفيّة صرفة، طائفيّة معادية لوحدة شعبنا، طائفيّة في خدمة أعداء شعبنا يا.. شيخ كمال خطيب. ولحديثنا بقيّة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق