الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

لسنا خدمًا ... لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها


أيمن عودة
السبت 26/2/2005

*"الخدمة المدنيّة" تضرّ حتى المصلحة الشخصيّة*

 خلال مشاركتي في بعض الندوات حول موضوع "الخدمة المدنيّة" لمست في خبايا أسئلة عدد قليل من الجمهور، ما قاله سرحان العلي: "أنا..؟ يا ناس خلّوني بعيدًا عن حكايات الوطن!"1.
      فالركائز الأساسيّة التي نعتمد عليها برفضنا فكرة "الخدمة المدنيّة" كاعتبار المساواة قيمة بحد ذاتها وحق غير مشروط، وتفوّق التوجّه العسكري في العقليّة الإسرائيليّة الأمر الذي يكرّس تمييز ودونيّة من يخدم في مجالات أخرى، والالتفاف المتحدّي لقيادة الجماهير العربيّة، ورفضنا خدمة التوجهات الاثنيّة بنيويًا والاسبارطية عسكريا والتاتشريّة اقتصاديًا، وكذالك رفْضنا كسر الحاجز النفسي والمطلوب بين الجماهير العربيّة ومؤسّسة ومفهوم "الأمن" (بيطخون).. وغيرها الكثير من الأسباب المهمّة، وهي الأساس2، ولكنّها قد"لا تقنع" أفرادا يبحثون عن مصلحتهم الشخصيّة فقط.
      
      ولأني مقتنع أن معارضة المخطّط يجب أن تكون جارفة، رأيت من الأهميّة بمكان الاستفاضة بعامل إضافي، مفاده أنّ "الخدمة المدنيّة" غير مفيدة، بل ومضرّة بالمصلحة الشخصيّة، وأقصد هنا المصلحة الشخصيّة المجرّدة والأنانيّة، وليس مصلحة الأفراد بانعكاس مصلحة المجموعة عليها، وحسب.
     
      أكتب هذا مع التأكيد للمرّة الألف أنّ المبادئ الوطنيّة هي الأساس، ولا بديل عنها، محاذرًا الوقوع، كما يفعل البعض، بتبرير عدم صحّة خدمة العرب الدروز بالسؤال الاستنكاري: "وشو بطلع الهن؟" وكأنّ هذا هو الأساس.
      
ومع ذلك، وفي ظل تصريح "لجنة عبري" المتحدّي و"الواثق" بحتميّة نجاح التوجّه الفردي واقتناص الأفراد، رأيت من الأهميّة بمكان معالجة هذه الخاصرة الضعيفة، ومخاطبة شريحة الشباب التي عن مصلحتها الخاصّة، والتأكيد على أنّ المخطّط مضرّ بمصلحتهم الشخصيّة المجرّدة، وذلك  للأسباب التالية:
أولا، الشباب اليهود لا ينخرطون في الجيش من أجل المصلحة الماليّة؛ فالكل يعلم أنّ من الأربح ماليًا أن يعمل الشاب في أي مكان آخر خارج الجيش، ويربح أكثر من الدفع الشهري الذي يحص عليه إبان الخدمة الالزاميّة، والمنح المستقبليّة التي يحصل عليها كجندي مسرّح.
توجد عدّة أسباب لانخراط الشباب اليهود بالجيش، أذكر منها الضغط الاجتماعي الثقيل الذي يمارسه التيار المهيْمن "المينستريم" بأنّ من لا يخدم فهو ناقص وهامشي في المجتمع.. (مع التأكيد أنّ ظاهرة رفض الخدمة بدأت تأخذ بُعدًا مقبولا في السنتين الأخيرتين)
ثانيًا، إنّ من يخدم في الجيش لمدّة سنة فقط (فترة "الخدمة المدنيّة" المقترحة هي سنة فقط – بحسب توصيات عبري) لا يحصل على أي امتياز سوى "مساعدة" في "المشكنتا" بمبلغ لا يزيد بأي شكل من الأشكال عن 7500 شاقل، (فمثلا إذا تقدّم شاب أعزب ولديه ثلاثة إخوة لا يحصل على أكثر من زيادة 7,488 شاقل3) مع التأكيد أن هذا المبلغ ليس هبة وإنّما قرض يُرجع بأقساط شهريّة وبفائدة قدرها 4%. أي إذا كان المسوّغ مسألة امتياز مالي، فالأفضل للشاب أن يعمل شهرًا – شهريْن ويحصل على هذا المبلغ، بدلا من الخدمة لمدّة سنة كاملة.
يعود الادعاء حول التمييز بين "الجنود المسرّحين" والذين لا يخدمون، إلى التمييز التاريخي الحاد بين اليهود والعرب في قضيّة المأوى، فمنذ النكبة وحتى بداية السبعينيّات سعت الدولة من أجل تعزيز السيطرة اليهوديّة على الأراضي والمباني والفضاء العام، فمنعت العرب الحصول على "المشكنتا" بشكلٍ كلّي، وبدأت فجوة التمييز تتقلّص في سنوات السبعينيّات، وفُتح المجال لجزء واسع من حقوق القروض السكنيّة منذ بداية الثمانينيّات فقط4، وبقي الفرق الوارد أعلاه بين الذي يخدم عسكريًا والذي لا يخدم، وهذا الفرق لن يُغلق بواسطة "الخدمة المدنيّة" كما أسلفت.
ثالثًا، من المعروف أنّ الهبات الإضافيّة التي يحصل عليها المسرّح من الجيش هي منح تعليميّة، ولكن قراءة سريعة في الإصدارات السنويّة للمنح الجامعيّة، سرعان ما تخيب أمل من يرجو فائدة شخصيّة من "الخدمة المدنيّة" ففي "كرّاس المنح - سنة 2005" وهو الكرّاس الأشمل الذي يصدره "اتحاد الطلاب الجامعيين في إسرائيل" يظهر أن المنح المشروطة باداء خدمة ما، فتكون هذه الخدمة هي العسكريّة فقط دون سواها، والأنكى من ذلك أنّ بعض الشروط للحصول على هذه المنح تقتضي خدمة عسكريّة كاملة ومنتظمة، ومنحة أخرى مشروطة بإعاقة في الجيش، وأخرى بحسب أيّام الخدمة بالاحتياط، وأخرى لخريجي الوحدات القتاليّة فقط، وأخرى مشروطة بـ "شهادة مقاتل" من الجيش، وأخرى لجنود بدرجة ضابط5؛ ويعجّ الكرّاس بالمنح المشروطة على أساس البلدان التي هاجر منها اليهود6؛ ولدى المنح التي يُشترط الحصول عليها عملا تطوّعيًا كمساعدة كبار السنّ7، فهي غير محصورة على "الخدمة المدنيّة" أبدًا؛ أي أنّ "الخدمة المدنيّة" لا تسعف أحدًا في هذا الجانب.
رابعًا، في كثير من إعلانات العمل يظهر مطلب تأدية الخدمة العسكريّة كأحد شروط العمل، ولكن "الخدمة المدنيّة" لن تساعد الشاب العربي للأسباب التالية:
أ‌. الشرط هو الخدمة العسكريّة وليس المدنيّة.
ب‌. من المؤكّد (بحسب آلاف التجارب) أنّ هدف الاشتراط هو منع العرب كعرب من العمل، سواء خدموا أو لم يخدموا.
من الجدير ذكره انّ إدراج الخدمة العسكريّة كشرطٍ للقبول للعمل هو شرط غير قانوني بحسب القانون الإسرائيلي (قانون تكافؤ الفرص في العمل، وغيره) وبحسب قرارات المحاكم الإسرائيليّة8، أي أنّ المطلوب هو ملاحقة هذه الأماكن وتقديم دعوات ضدّها (الأمر ليس صعبًا، فإذا لم تستطع أنت تقديم الدعوى فيكفي التوجّه لعدّة جمعيات تعمل في هذا المضمار، وهي تقوم بتقديمها).
يظهر من الاستعراض السريع أعلاه أن المؤسّسة الحاكمة والمؤسّسات الخاصة وشبه الرسميّة تقدمن الهبات لمن يخدم عسكريًا وليس مدنيًا أو قوميًا أو وطنيًا! وأنّ "الخدمة المدنيّة" لا "تملّي عين" المؤسّسة.
من المهم التأكيد هنا أنّ المؤسّسة تستعمل مسألة عدم إدائنا "الخدمة العسكريّة كتبرير إضافي للتمييز ضدنا جميعًا، الذين لا يخدمون والذين يخدمون" ( يُلاحظ أن المؤسّسة الحاكمة تعترف بنا كأقليّة جماعيّة – في حالة التمييز فقط) لأنّ المشكلة تكمن في البنية العنصريّة للدولة..
وهنا نعود، بالضرورة، إلى الموقف الأصيل والصحيح وهو أن المعركة عامّة وليست فرديّة، ولا يستطيع أي شخص أن يقول: "سلّمني واذبح أخوي" فهذا لن يفيده، ومن يرجو خيرًا من هذه المؤسّسة بطرق غير النضال الجماعي فهو كطالب الدبس من قفا النمس.  
 
* * *
لا يُراد من مخطّط "الخدمة المدنيّة" أن يزج بك في أعمال السخرة، وأن تكون كما عبّر حكّام إسرائيل على لسان  لوبراني واحدًا من "حطابين وسقاة ماء" أو كما نفث مشجعوا بيتار يروشلايم "????, ???? ?? ????????"9 وحسب، بل يؤدّي إلى إخراج الشباب العاملين من دائرة العمل، فإذا كان هناك من يقوم بالعمل ذاته مجانًا (ضمن "الخدمة المدنيّة") فلمَ تُدفع الأجور للعمّال؟ ومثال ساطع على حقيقة هذا الادعاء تجربة "غفعات أولغا"10.
المؤسّسة الحاكمة تعاديك أيّها الشاب العربي، فلا يكفي ضربها المنهجي للعمّال الشباب (أوّل ثلاثين تجمّع سكاني منكوب بالبطالة هم تجمّعات عربيّة!) فتلاحق الطالب الجامعي، وفقط قبل سنة ألغت المتسراف (الطريقة الحديثة لاحتساب معدّل الطالب) لأنّها زادت من عدد الطلاب العرب، وشرعت في زيادة جيل الدخول إلى الجامعات من 18 – 21، أي إلى أن ينهي اليهود فترة الخدمة العسكريّة، وذلك بخلاف التوصيات المهنيّة في عدّة دول أوروبيّة بضرورة تخفيض جيل الدخول إلى الجامعات، كل هذا بهدف التضييق عليك، أو زجّك في "الخدمة المدنيّة" أو حتى دفعك إلى مغادرة البلاد11.
*  *  *
لقد تعلّمتَ، ككل طالب ثانوي عربي، في درس اللغة العربيّة، محاولة السيّدة ليلى والدة الملك عمرو بن هند إذلال ليلى بنت المهلهل (والد صاحب المعلّقة عمرو بن كلثوم التغلبي) فقالت أم الملك لأم الشاعر: ناوليني هذا الطبق، فأجابتها لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها.
ونحن نقول لحكّام إسرائيل: نحن أهل هذه البلاد، من واجبكم التعامل معنا كمواطنين وتطوير تجمّعاتنا أسوة بالتجمّعات اليهوديّة، ولتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها.
 فلسنا خدمًا لنخدم في الخدمة.

1 من قصيدة توفيق زيّاد "سرحان والماسورة".
2 يُنظر إلى "صوت الجبهة" نشرة لمرّة واحدة، شباط 2005 وخانة "الخدمة المدنيّة" في موقع الجبهة www.aljabha.org .
3 موقع وزارة الإسكان في الأنترنت www.moch.gov.il .
4 روزنهك زئيف، 1996 موقع معهد فلويسهايمر للأبحاث السياسيّة ((www.fips.org.il
5 كرّاس المنح، اتحاد الطلاب الجامعيّين في إسرائيل ص 7، 9، 20، 23، 29، 38.
6 ن.م 41 و 42 (على سبيل المثال)
7 ن.م ص 15، 22، 35 (على سبيل المثال.
8 قرار محكمة العمل اللوائية – تل – أبيب – يافا، ف 99\001038، دولة اسرائيل – وزارة العمل والرفاه ضد تفكيد بوس وآخرين
9 لعبة كرة القدم بين بيتار يروشليم وأبناء سخنين 07.01.2005 وقد كان ينفث مشجعوا يروشليم "?????, ???? ?? ????????.. ????? ?? ?????.. وغيرها
10 هآرتس، 16.12.2003
11 عل همشمار 13.09.77 ، ويذكر أنّ أحد الادعاءات المؤيّدة لفرض الخدمة العسكريّة على العرب كانت دفعهم للهجرة (يُنظر: عوزي بنزيمن وعطا الله منصور "ديّري مشني: عربي يسرائيل فهمدينيوت كلبيهم" سكّان ثانويّون" عرب إسرائيل والسياسة اتجاههم، القدس، كتر، 1992 ص 118)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق