الأربعاء، 15 يونيو، 2011

ملاحـظـات تـشـريـنـيـة عـن الـتـمـيـّـز الـيـومـي لـلـجـبــهــة


الأثنين 20/11/2006
بماذا تتميّز الجبهة؟ أو لماذا الجبهة؟ سؤالان مهمّان لكلّ مهتمّ ولكلّ متابع، ومن الصعب الإجابة عليهما بعيدًا عن الاتهام بالنمطيّة أو الدوغمائية، وربّما تسهل الإجابة عليهما من خلال عرض تميزّ برنامج الجبهة بمسألة الشراكة العربيّة اليهوديّة أو بمركزيّة القضيّة الفلسطينية أو بالبرنامج الاجتماعي وغيرها، ولكن ثمّة أهميّة بمكان متابعة الممارسة اليوميّة للجبهة، فإذا كان "اللهُ موجودًا في التفاصيل"، فمجمل هذه التفاصيل تشكّل مشهدًا متكاملا يسمّى النهج الجبهوي، ويحقّ لنا أن نتساءل: هل هذا النهج يتميّز عن باقي الأحزاب والحركات السياسيّة؟
 لعلّ في التشرينيْن الأخيرين ما يصلح للتأمّل في ذلك مليًا. قد يختلف أي إنسان مع هذا الموقف أو ذاك، ولكنّ لا يمكن إنكار التميّز بالمبدئيّة والمثابرة والوضوح والشجاعة والمسؤولية، هذه المواقف هي ترجمة تفصيلية لبرنامج الجبهة السياسي والاجتماعي العام، قد يُنسى الكثير من التفاصيل اليومية، ولكن النهج يبقى مثبتًا بعمقه وصحّته.


* فإما حياة تسرّ وإما حياة تغيظ!


رافق نهاية شهر أيلول وبداية شهر تشرين الأوّل فعاليات لإحياء الذكرى السادسة ليوم القدس والأقصى، الفعاليات المحلية لم ترتقِ للمأمول، كذلك المظاهرة القطرية في سخنين، وبخلاف ذلك ختمنا الشهر بالعديد من الفعاليات في قرانا ومدننا حول الذكرى الخمسينية لمجزرة كفر قاسم، هذه المجزرة التي انتصرت على عقود الزمن، بقيت حيوية الذكرى والموقف.
في كفر قاسم 1956 بكت قيادة شعبنا ولكنّها صاغت موقف الحياة أيضًا، أكّدت على انتصار معركة البقاء، وأكدت على معجزة تجذّر باقي أهالي كفر قاسم والمثلث الجنوبي وانتصارهم على المجزرة، في كفر قاسم 2006 أحيَت الناس ذكرى الشهداء وأكدت على انتصار الحياة التي تسرّ الصديق، ونريدها، أكثر من الممات، أن تغيظ العدا:
فإمّا حياة تسرّ الصديق   وإمّا "حياة" تغيظ العدا
في أكتوبر 2006 ما زلنا نراوح في حالة الحزن والشهادة، وجمهورنا ككلّ القوى المحبّة للحياة الكريمة، بحاجة إلى شحذ الهمم من اجل قضاياه الحقيقيّة ضدّ سياسة القهر القومي والمدني ومن أجل حقوق الشعب الفلسطيني، هذه القضايا التي ضحّى من اجلها الشهداء بأغلى ما يملكون، بكلّ ما يملكون.
الجبهة، دون سواها،  تنفرد بالتأكيد على هذا الموقف الشموليّ، فإذا ثبّتناه، كما نجحنا في ذكرى كفر قاسم وذكرى يوم الأرض، نكون قد صغنا الموقف الصحيح والمجنِّد، قمنا بإعطاء المناسبة حقّها، من أجل الشهداء وقضيّتهم، من اجل قضيّة الأحياء.
* للمرّة الألف، لسنا عرب كويبك يا جماعة!
رئيس لجنة المتابعة شوقي خطيب وضع الحدّ عَ الزعرورة في النقاش الدائر حول لجنة المتابعة، التجمّع والإسلامية الشمالية وابناءا البلد (وأيضًا الحزب القومي العربي!) أكدوا على أن لا حلّ لبناء لجنة المتابعة وتنظيم الجماهير العربية والتخلّص من الرؤساء المنتخبين عشائريًا إلا بانتخاب أعضاء لجنة المتابعة مباشرة من الشعب! الجبهة (وللدقّة الحزب الشيوعي) بناة لجنة المتابعة وكلّ الأطر الوحدوية (الثانويين والجامعيين ورؤساء السلطات المحلية والكتاب والدفاع عن الأراضي..) " لم تطفُ في حفنة ماء" ولم تجد في شعار الانتخاب المباشر إلا "جملة ثورية" – كالتعبير اللينيني، وتكريس للجهوية ولقائمة النقب العتيدة والمثلث العتيدة والمدن "المخلوطة" العتيدة ولتحالف حمولة أبو طافش مع ثلاث حمائل أصغر وغيرهم من المولد الساير داير، هذا في حالة إذكاء الفئويّة وفي حالة وجود برلمان (أو مجلس منتخب) ذي صلاحيات، ومن أين الصلاحيات؟ أو الميزانيات؟ وعلى ماذا ينتخب الناس؟ ألِبرلمان وظيفته أن يقرّر إضراب أو لا؟! من أجل هذا توجد اللجنة الحالية ومن ضمنها رؤساء بلديات ومجالس قادرين على تنفيذ الإضراب!! هل نتجاوزهم؟ هل باستطاعتنا ذلك؟ هل تجاوزهم صحيح أصلا؟
في كل انتخابات تحصل القوائم الانتخابية على ملايين الشواقل لخوض الانتخابات وللدعاية التي ينظر إليها الأعمى ويسمعها من به صمم، وبعد شهور من الإرهاق المتواصل وشدّ بعض الناس من دُبر ملابسهم لإخراجهم من بيوتهم للتصويت، تصل نسبة التصويت إلى 53% بالمئة، فهلا أشرتم لنا يا سادة كيف سنصل إلى هذه النسبة بدون ميزانية ومسائل وظيفية وتقنية لا نملكها اليوم؟!
هذه الطروح تشتدّ في هذ الأيّام التي تكتسب فيها لجنة المتابعة، وبمنهجيّة، الاعتراف الفعلي من المؤسسة الرسمية كممثلة عُليا لقضايا الجماهير العربية، فهل نهدم اللجنة الوحدوية التنسيقية المرنة والتي بدأت باكتساب شرعية فعلية ونذهب إلى مغامرة تؤكّد كلّ الأدلّة على عدم ضمانها:
دعوت على عمرو  فمات فسـرّني   فعاشرت أقواما بكيتُ على عمرو
وعن "عرب كويبك" (الذين يستحضرون تجربة الفرنسيين في إقليم كويبك في كندا في كلّ لقاء) يمكن قول الكثير وليس أقلّه هو أنّ القضية الفلسطينية أصبحت مشكلتهم بمفهوم العبء القومي وليس الواجب الوطني، فمن أجلها لا يستطيعون خوض معركة المواطنة بكافّة الوسائل "الكويبكية" ولا أن يساوموا على الميزانية فهي ميزانية احتلال مهما وُعدوا بهبات جماعيّة! ومن أجلها لا يستطيعون مقاطعة الانتخابات، فالمعركة لا توفّر هذه التكتيكات لتحسين ظروفنا فقط فنحن ملتزمون بالتأثير البرلماني المباشر من أجل القضية الفلسطينية (أو غير المباشر بعدم السماح لليمين والآخرين بزيادة مقاعدهم نتيجة لمقاطعتنا)  فيا "عرب كويبك" نحن لسنا أقلية قومية وحسب، ولا أقليّة أصليّة (أو أصلانية كما يحلو لكم تسميتنا) وحسب، ولا يكفى أن نؤكد على حقوق أهل الوطن وحقوق "أقلية وطن" وحسب، ولكنّا جزء من الشعب الفلسطيني، وانتماؤنا له هو انتماء قومي وانتماء قضية، ولنا معركة من اجل المساهمة، من خلال مواطنتنا أيضًا، ومن خلال تأثيرنا وعدم انعزالنا أيضًا، في معركة إحقاق حقوقه القومية.
إنّ رئيس أحد الأحزاب، الذي لا تذهب عليه شاردة أو واردة، ويكتب اكثر من غيره في كلّ المجالات، خاصّة في مسألة تنظيم الجماهير العربية، لم يكتب أبدًا عن الانتخاب المباشر للجنة المتابعة! لماذا؟ ألِئنّ الطرح شعبوي ممكن الاستفادة منه في إطار المناكفة فقط ولكنّه، أي الرئيس، مقتنعٌ، في قرارة نفسه، أن الطرح غير جِديّ؟!
الجبهة ترى بمسائل الاندماج أو الانفصال القومي بأشكاله المختلفة (حق تقرير المصير وإقامة دولة لمجموعة قومية أو الحكم الذاتي السياسي أو الثقافي أو إقامة برلمان للأقلية وآخر للأكثرية وغيرها) مسائل خاضعة لتطوّرات تاريخية قد تنتج (نظريًا) بعد إقامة الدولة الفلسطينية وفي حالة عدم إمكانية المساواة (التي لن تتحقّق كاملة ضمن الديمقراطية الليبرالية أو الإجرائيّة التي تتيح انتهاك حقوق الأقليّة بحجّة تصويت الأغلبيّة!!) وعلى هذا يجدر التوسّع في مقال خاص.

* قدس وخبز وصدور كنافة.

من المؤكد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ان الاحتلال الإسرائيلي يجرم يوميًا بحقّ الشعبين، وان الشعب الفلسطيني هو صاحب النصيب الأوفر من هذه الجرائم، وقد بيّنا أن الشعب الفلسطيني الموافق بغالبيته لبرنامج فتح السياسي قد صوّت ضدّ الممارسة الفتحوية، كما تقلقنا، هذه الأيّام، علاقة بعض القطط السمان من "فتح" بالإدارتين الأمريكية والإسرائيلية مع تاكيدنا أنّ هذه الزمر لا تمثّل قيادات وكوادر فتحوية مناضلة، هي أساس فتح.
وفي الصراع المؤلم بين فتح وحماس بداية شهر تشرين الأوّل، لجأت الأحزاب العربيّة المؤيّدة لهذا أو ذاك إلى الهمس "في العُلُب الليلية" حول موقفها، وفي العلن تحدّثوا في العموميّات فقط، فالتفاصيل مكلفة! فقط الجبهة وضعت النقاط الوطنية على الحروف وهي كالتالي.
أ‌. الاحتلال هو أصل كلّ الشرور.
ب‌. مطلب الوحدة الوطنيّة من أولويات المواقف الوطنية، ولكن هذه الوحدة يجب أن لا تتقاسم الفشل بين فتح وحماس ممّا يضرب مصالح الشعب الفلسطيني في الصميم وييئسه من أكبر حزبين، وإنّما يجب ان يُفضي إلى برنامج وأفق سياسيين نهايتهما إحقاق كلّ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ت‌. إن بناء "اللجنة التنفيذية" الخاصّة بحماس هو تصرّف ينمّ عن أهداف مبيّتة، رأينا أثرها في مصرع عشرة جياع فلسطينيين.
ث‌. إن الشعار الحماسي "إما الخبز وإما القدس"، هو شعار سيء لشعب بذل النفس والنفيس وناضل عقودًا "في جَفن الردى وهو نائم". الشعب الفلسطيني يستحق القدس والخبز وصدور الكنافة.
ج‌. حركة خارج السلطة قد تملك امتياز اللعب في هامش اللا موقف، ولكن عندما تصبح في الحكم يجب أن تقول بوضوح ما هو موقفها.
هذه المواقف الجريئة والمكلفة والمنحازة لشعبنا لم تقلها، بل لم تقترب منها، أطرٌ تريد أن تبقى "مع سيدي بخير ومع ستّي بخير"، وفقط الجبهة أكّدت على هذه المواقف بوضوح.

* درء المفاسد أولى من جلب المنافع!

إنّ المعركة على درء الليبرمانية (التي تشمل تهديدٍ فاشي لشعوب المنطقة والشعب الفلسطيني والتواجد الفلسطيني داخل إسرائيل والديمقراطية) أكثر إلحاحًا من غيرها، ومن أجل هذه المعركة تحديدًا نحن بحاجة إلى رؤية جبهوية عريضة، وليس رؤية انعزالية تكتفي بتوحيد عزمي بشارة ومحمّد حسن كنعان وعباس زكور وابراهيم صرصور وهاشم محاميد ضدّ الليبرمانية؟ وهي معركة لا نخوضها إلى جانب الشيوعيين اليهود وحسب، وإنّما هي معركة نخوضها إلى جانب كل المعارضين لضم ليبرمان إلى الحكومة، هذه معركتنا الآنية وهي متداخلة مع معركتنا الاستراتيجية ضد الفكر والممارسة الصهيونيين بيمينهما و"يسارهما"! وبهذا النهج بدأنا المعركة ضدّ الليبرمانية، وهكذا سنواصل من خلال الفعاليات المشتركة في تل أبيب في الشهر الحالي باتجاه عزل الفاشي ليبرمان، وهذا هو النهج الجبهوي الذي يحمي الناس، وليس الموحّد للعرب وحسب، وهو، تاليًا، موحّد لليهود أيضًا!

* إعقلها (الضمير لسيّارة الكنيست) وتوكّل يا شيخ!

الحمد لله الذي جعل تعداد أمّة عبّاس زكّور مليارا ومائتي ألف، والحمد لله الذي جعل من بني إسرائل بضعة ملايين فقط، والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، أن جعل حكّام إسرائيل يدوسون ببساطيرهم على حكّام السيل العرمرم.
يا رفيق عبّاس (وكلمة رفيق تنفع للشيوخ بموجب الآية الكريمة "وحسن أولئك رفيقا") إن إيابك للكم وذهاب القرآن للكيف "وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة" لا يستويان!
موقفك من رحم المرأة ودورها، يا شيخ عبّاس، يسمّى بالعربية الفصحى موقفٌ مهينٌ!
نريد أمهات وآباء يربون أولادهم على التميّز وأيّ تميّز:
بُغاث الطير اكثرها فراخًا  وأمّ الصقر مقلاة نزور

* إن كنت قد أزمعت صرمي فاجملي!

فطيمة، هكذا هو أسمها، هي المرأة اليهودية التي قُتلت في سديروت بعد إصابتها ب"ماسورة" قسّام قاتلة.
نهاية الأسبوع الماضي قرّرت الجبهة التصدّي للاحتلال الذي يقتل الفلسطينيين مباشرة والإسرائيليين مداورةً، من خلال ممارسة موقفها السياسي والأخلاقي: "إخراج كلّ المدنيين، فلسطينيين وإسرائيليين، من دائرة العنف والقتل".
الجبهة، التي ناضلت، وما زالت، عقودًا من الزمن ضدّ الاحتلال،  تُفرّق بين عنف الجاني وعنف الضحيّة، ولكنّها في الوقت ذاته ترفض العنفيْن إذا ما وُجّها إلى مدنيين أبرياء، كتلة الجبهة ذهبت لسديروت لتقم بواجبٍ سياسي صحيح وأخلاقيّ من الدرجة الأولى، ولتقل لأهالي سديروت إن الاحتلال هو السبب الرئيس، وأن معركة الجماهير العربيّة والقوى السلامية اليهوديّة يجب أن تتمركز ضدّه سياسيًا، وضد جيشه ومستوطناته وكافة موبقاته.
زيارة الجبهة أطارت صواب اليمين، لأنّها أصابت، وهذا تميّز يومي آخر.

* المثابرة!

في كتابه "عرفيم طوفيم" يؤكّد الكاتب هلل كوهن أن بن غوريون كان قلقًا من مثابرة الشيوعيين، فقال عنهم إنهم لا يتعبون ويتقنون حرفة النمل، لذلك فهم مثيرون للقلق الجدّي!
 هذه الملاحظة غاية في الأهمية، وتأكيدها على مستوى التشرينين الأوّل والثاني واضح، حيث لا يستطيع أي إنسان جِدّي الإدعاء أن ثمّة حزبًا نَشِط أكثر من الجبهة في الفعّاليات الوطنية من نشاطات الفروع حول يوم القدس والأقصى مرورًا بإحياء ذكرى كفر قاسم ووصولا إلى المعركة ضدّ الليبرمانية..
نُعزِي ذلك إلى الواقعيّة الثورية وكذلك التفاؤل الثوري، فقد عرف الحزب الشيوعي والجبهة (والفضل هنا للحزب الشيوعي تحديدًا) كيف يبقي جذوة النضال مشتعلة عشرات السنين في مواجهة الأرياح الخافقة، خلافًا للمتحمّسين شهرًا والراقدين دهرًا، هذا النهج هو ما يجعل أجيال الجبهويين العُمْرية متفاوتة بشكلٍ طبيعي ويجعل آخرين ثورويّين في أيّام الجامعة وسنين الشباب الأولى، وغارقين في مسائلهم الشخصيّة باقي العمر.
عن هذا يصحّ أن نقول تميّز جبهوي وشيوعي ثابر عقودًا من الزمن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق