الأربعاء، 15 يونيو، 2011

رحمة أيّها الشعب ضجّ بشكلٍ صحيح


السبت 21/10/2006

* عنوان يوم الأرض هو لجنة الدفاع عن الأراضي، مش المرَقْوَصين!
(توفيق زيّاد في مهرجان الأوّل من أيّار 1989) *

* الحقيقة (هي) أن الإضراب وكل ما سبقه وصحبه، صُمّم ونُظّم على يد "ركح" (من مذكّرة "كيننغ" "السرية جدًا" إلى الحكومة، أيلول 1976 ) *


• مقدّمة
لأن يوم الأرض ليس يومًا عاديًا، أو لنقل بوضوح هو أهم يوم في تاريخ الجماهير العربيّة، فلا بدّ لكل إنسان شريف أن يهتزّ غضبًا وهو يقرأ الكتب والكراريس والنشرات التي تختلس هذا التاريخ المجيد، ولعلّ السبب الحقيقي للغضب هو أن سرقة هذا التاريخ تأتي من "ذوي القُربى" وليس من السلطة كما اعتدنا، بل وفي إقلاع عكس الزمن الذي بدأت فيه السلطة و"الشاباك" بفتح ملفاتهما السرية يقرّان بالدور البطولي والتضحيات الجسام للحزب الشيوعي ورفاقه كما ينضح كتاب "العرب الجيّدون" طريّ الصدور.
أكتب هذا بعد انتهائي من قراءة كتاب الباحث نبيه بشير بعنوان "يوم الأرض ما بين القومي والمدنيّ" الصادر في نهاية الأسبوع الماضي عن مركز "مدى الكرمل"، المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة والتطبيقّة.
ينضّم هذا الكتاب إلى كتابين\كراسين آخرين صدرا هذه السنة ويصلان إلى ذات المكان وهو تزييف تاريخ الجماهير العربيّة والحزب الشيوعي: الأوّل؛ "أمّنا الأرض" من إعداد بلال إبراهيم ومراجعة وتدقيق: د. أسعد غانم ومحمّد زيدان، وهو صادر عن ثلاث جمعيّات: المؤسسة العربيّة لحقوق الإنسان وجمعيّة ابن خلدون للبحث والتطوير ومركز مكافحة العنصريّة. والثاني؛ "ليس ككلّ الأيّام" من إعداد مهنّد مصطفى الباحث في مركز الدراسات المعاصرة "ام الفحم" ومن إصدار جمعيّة "إقرأ" لدعم التعليم في الوسط العربي التابعة للحركة الإسلاميّة (الشماليّة).
والمشترَك في الكتابين الأخيريْن ("أمنا الأرض" و "ليس ككلّ الأيّام") هو التغييب المطلق لدور الحزب الشيوعي (بل حتى لاسمه)، أما الكتاب الأوّل (يوم الأرض ما بين القومي والمدني) فهو يلجأ إلى التشويه المنهجي لدور هذا الحزب في صناعة يوم الأرض.
الكتابان الأخيران منقولان بمعظمهما الواحد عن الآخر!! وهذا يدلّ على مصدرهما الواحد!
في كتاب "أمّنا الأرض" لم يُذكر اسم الحزب الشيوعي بتاتًا! بينما في الثاني "ليس ككلّ الأيّام" فقد ذُكر اسم توفيق زيّاد وصليبا خميس بينما تمّ تجاهل الحزب الشيوعي بشكلٍ مطلق! وهذه هي إحدى الوسائل الممجوجة التي يُلجأ إليها وكأنّ هناك شخصيات وطنيّة داخل الحزب وهي التي صنعت يوم الأرض وليس الحزب نفسه!
في الصفحة التاسعة من "أمنّا الأرض" والصفحة الثانية من "ليس ككلّ الأيّام" يؤكّد الكاتبان (أو الكاتب): "وكان يوم الأرض أوّل هبّة جماعيّة للجماهير العربيّة، تصرّفت فيها جماهيرنا بشكلٍ جماعي ومنظّم" ثمّ يناقض ذاته فيكتب في الصفحة ذاتها: "ما ميّز يوم الأرض هو خروج الجماهير لوحدها إلى الشوارع دونما تخطيط"!! ثمّ يناقض ذاته ثانيةً فيقول: "فتصرّفت جماهيرنا لأوّل مرّة كشعبٍ منظّم"! ولا أعلم لماذا لا يتوّقع الكاتب أن يتساءل القارئ: من الذي نظّم الناس؟ لماذا خرجت الناس في 30 آذار وليس في 29 آذار مثلا؟ من الذي أعلن عن الثلاثين من آذار إضرابًا عامًا؟ ومن الذي عبّأ الناس؟ وكيف نجح الإضراب؟ ومن الذي أغلق المحال والمصالح التجارية التي لا تريد الاستجابة لقرار الإضراب؟ ومن وقف على مخارج القرى والمدن العربيّة لمنع خروج العمّال إلى عملهم؟ ومن أغلق مدارس رغمًا عن مديريها؟ ومن.. إلخ!
ولعلّ أعجب ما في الكتابين أنهما أفردا مساحة خاصّة عن "مذكّرة كينغ"، وتجاهلا كليًا مقدّمة الوثيقة التي خُصّصت لمواجهة تعاظم دور الحزب الشيوعي، وتجاهلا البنود الواضحة التي تسعى للحط من مكانته، وحتى عندما لم يستطيعا التهرّب من بنود يُذكر فيها الحزب الشيوعي مباشرة، فيؤثرا حذف اسم الحزب، عمدًا، فمثلا في البند الذي يتحدث عن "بناء حزب عربي أخًا لحزب العمل، يهتمّ في الثقافة واللغة"، يتهرّب الكاتبان (أو الكاتب ذاته) من جوهر الاقتراح وهو أن الهدف من إقامة هذا الحزب هو أن يكون بديلا للحزب الشيوعي وأن على المؤسسات الحاكمة أن تخفي سيطرتها وإدارتها السرّيتين على هذا الحزب (عل همشمار 7 أيلول 76؛ الاتحاد 10 أيلول 1976؛ الجديد، العدد 10 تشرين أوّل 1976 صفحة 10؛ شؤون فلسطينيّة، عدد 60 (1976) 167 – 184) وقد تعمّد الكاتبان حذف هذا الجزء الأساسي من البند.


• يوم الأرض ما بين القومي والمدني


كتاب الباحث نبيه بشير بعنوان "يوم الأرض ما بين القومي والمدني" هو الأكثر جِديّة فللباحث كتب قيّمة، وهذا هو رأيي الشخصي بعد قراءتي لاثنين منها: "عودة إلى التاريخ المقدّس- الحريديّة والصهيونيّة" و"حول تهويد المكان"، وفي كتابنا الحالي يستعين الباحث بـ139 مصدرا (58 بالعربية و48 بالعبرية و33 بالإنجليزية).
والحقيقة أن الكتاب يشمل الكثير من المعلومات المهمّة في كتابه الذي نحن بصدده، وقد ألقى الضوء على زوايا هامّة من سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات بقيت مخفيّة طيلة عقود، وعلى هذا يُشكر الباحث.
قبل ما يقارب السنة تسلّمت من الباحث بشير نسخة أولية للكتاب وطلب منّي إبداء رأيي فيها، والحقيقة أني أُصبت بصدمة من مجافاة الحقيقة، ومن تعمّد الإساءة للحزب الشيوعي، بعدها جلستُ مع الباحث وأوضحت له مدى رفضي للإساءة لهذا التاريخ واضعًا عشرات الملاحظات على المادّة الأصليّة، الباحث بشير عبّر لي أنه يبحث من وجهة نظر أكاديمية صرفة وأنه سيبحث في ملاحظاتي ويأخذ منها ما يراه صالحًا، واليوم بعد قراءتي للكتاب المطبوع أجد لزامًا عليّ التأكيد أن الباحث عدّل من بعض النصوص (أو المواقف) ولكنّ الكتاب ما زال بعيدًا عن أن يكون موضوعيًا ومنصفًا بحقّ الحزب الشيوعي، والباحث يردّ على هذا الإدعاء في مقدّمة الكتاب، فيقول: " قد تُخلّف هذه الدراسة، وبحقّ، انطباعًا لدى جمهور القرّاء أن انتقاد أداء الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ وأفكاره يحتلّ حيّزًا واسعًا. وأودّ الإشارة والتأكيد أنّه ليس في الأمر تحامل بتاتًا، وإنّما هي مراجعة نقديّة للقيادات السياسيّة التي نشطت في فترة السبعينيات، وهي بغالبيتها منتمية إلى الحزب الشيوعي أو قريبة منه فكريًا وسياسيًا. وكذلك، تجدر الإشارة إلى أن دور هذا الحزب في صناعة "يوم الأرض" كحدثٍ سياسي كان عظيمًا، ولولا نشاطاته وإسهامه، لربّما سلك هذا الحدث مَنحىً آخر، ليس بالضرورة أفضل ممّا كان عليه، ولربّما أسوأ." وبهذا تنتهي مقدّمة الكتاب.
ورغم محاولة الباحث التقليل من حدّة انتقاصه لدور الحزب الشيوعي إلى أنّه أخفق في الكثير من الادعاءات، أوجزها بالنقاط التالية:

* الحزب الشيوعي أخفق في استثمار يوم الأرض!!!

يقول الباحث في مقدّمة الكتاب: ".. تميل الدراسة إلى تبنّي نتيجة مُفادها أنّ السكان العرب، الذين خرجوا من يوم الأرض كأقليّة قوميّة تحمل سمات مركزيّة للتعريف بالـ"مجتمع"، لم يحسموا وجهتهم، على صعيد خطابهم السياسيّ والخيار بين جملة المطالب القوميّة الطابع أو المدنيّة الطابع. وقد اتسمت السنين القليلة اللاحقة بمحاولاتهم الدمج والجمع والتوفيق وتخفيف حدّة التوتّر القائم بينها..." (ص 14) ويستطرد في مكان لاحق من المقدّمة: ".. والحزب الشيوعي الإسرائيلي بوجهٍ خاص، لكونه أعظم مؤسسة قياديّة، أخفقت في استثمار يوم الأرض لبناء تصوّر جماعيّ مستقبليّ للمواطنين العرب في إسرائيل" (ص 23).
والحقيقة أنني لن أطيل في دحض هذه الادعاءات في هذه العجالة، ولكنّي أكتفي بالرد بثلاث نقاط رئيسيّة:
• أولا: تأسيس الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة
إن أهم استثمار للحزب الشيوعي بعد يوم الأرض هو تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حيث استطاع أن يجلب أوسع القطاعات من شرفاء شعبنا إلى قواسم وطنيّة مشتركة، وبقي الحزب في الوقت ذاته عمودًا فقريًا يهتدي بأيديولوجيته وتنظيمه الصارم، وبذلك نجح ليس في جمع الوطنيين من شيوعيين وغير شيوعيين وحسب، وإنّما بقلب معادلة التصويت للأحزاب الصهيونيّة من أكثريّة مطلقة إلى أقليّة تتناقص باضطراد، وهذا هو احد أهم استثمارات يوم الأرض وإنجازات الحزب الشيوعي.

• ثانيًا: المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي
المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي (كانون الأول 1976) شكّل قفزة تراكميّة هامّة في تاريخه، حتى ليصعب علينا أن نرى حزبًا تجاوزها طرحًا وموقفًا، ومنها رفض اعتبار اسرائيل دولة يهودية فقط، "بل هي ذات أكثرية يهوديّة وأقليّة قوميّة عربيّة، كبيرة الوزن" (المؤتمر الثامن عشر ص 189) كما وضع الحزب الشيوعي برنامجًا متعدّد البنود لمساواة الجماهير العربيّة القومية والمدنية، ومن جملة الحقوق القوميّة: مكانة اللغة العربيّة كلغة رسميّة، فعلا؛ أن تؤمّن بموجب قانون للدولة، حقوق الجماهير العربيّة في إسرائيل بأرضها؛ إعادة الأراضي للمهجرين الذين يعيشون في إسرائيل؛ إلغاء المنظمات الصهيونيّة؛ وغيرها.. (المؤتمر الثامن عشر ص 192 و 193).

• ثالثًا: مؤتمر الجماهير العربيّة 1980
مؤتمر الجماهير العربيّة (1980) هو المؤتمر المحظور بأمر من رئيس الحكومة مناحم بيغن باعتبار انّه يتماثل مع منظّمة إرهابيّة (نُشر قرار الحظر في 1.12.1980 رقم 1980)، وجاء في وثيقة السادس من حزيران " لم ننكر، ولا يمكن أن ننكر حتى لو جوبهنا بالموت نفسه، أصلنا العريق: إننا جزء حيٌ وواعٍ ونشيط من الشعب العربي الفلسطيني" (كتاب المؤتمر المحظور ص 15).
هذه المواقف تثبت بشكلٍ قاطع أن الحزب الشيوعي استثمر يوم الأرض وصعّد من خطابه السياسي بما يتوافق مع مرحلة السبعينيات، ولعلّ الباحث بشير قد استقى موقفه من "نظريّة" د. عزمي بشارة حيث كتب عن يوم الأرض: "لقد أحسّ العرب في إسرائيل، في ذلك اليوم بأنّهم أقوياء. لكنّهم خافوا من قوّتهم، فخشوا أن يمضوا قدمًا" (الخطاب السياسي المبتور ص 34).
ولكنّ الحقيقة تنضح بغير ذلك، وبالرغم من الأجواء العنصريّة التي تتوّجت بتسلّم "الليكود" الحكم (1977) إلا أنّ الحزب الشيوعي وضع برنامجًا يليق بمرحلة ما بعد يوم الأرض، مجندًا وموظفًا الالتفاف الشعبي الكبير، وجهوزيّة الجماهير للدفاع عن حقوقها أكثر من مرحلة ما قبل يوم الأرض.

* الحزب الشيوعي يُظهر "رفعة" معيشة العرب في ظلّ إسرائيل!!!

ينقل الباحث بشير عن د. أحمد سعدي (الخطاب التحديثيّ وتفسير العلاقات الصهيونيّة – الفلسطينيّة، سلسلة مقالات وأبحاث، المقال رقم 4، مركز الجليل للأبحاث الاجتماعيّة، حيفا) " أنّ الخطاب التحديثي يهيمن على هذه اللغة، وقد تبنّاه، إلى حدّ بعيد الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والذي يصبّ جلّ اهتمامه في إظهار "رفعة" مستوى الحياة (الماديّة) للسكّان العرب بفضل الاحتلال الصهيوني لفلسطين" (ص 32).
إنّ إدعاء بشير هذا ينسف نضال مضنيا، يوميا وساعاتيا للحزب الشيوعي، ويكفي أن أذكر صرخات توفيق طوبي في الكنيست وهو يقول: يعزّ على أهالي عرّابة وسخنين و80 قرية أخرى ليست مضاءة بالكهرباء، بينما في الوقت نفسه يرى سكّان هذه القرى ضوء الكهرباء ينير بيوت الدجاج في المستوطنات المجاورة (المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي ص 297)، ومن اجل تطرية النقاش وللدلالة على موقف الحزب الشيوعي من العلاقة المدنيّة الاقتصادية بين الجماهير العربيّة وحكومة إسرائيل أُرفق أبيات حادي مسيرة الحزب والشعب الشاعر توفيق زيّاد:


سلبوني الماء، والزيت،
وملح الأرغفة
وشعاع الشمس، والبحر،
وطعم المعرفة
وحبيبًا – منذ عشرين - مضى
اتمنى لحظةَ أن أعطِفَه
سلبوني كل شيءِ:
عتبة البيت، وزهر الشرفة
سلبوني كل شيءٍ
غير قلبٍ،
وضميرٍ،
وشَفَة!!


وهل يُعقل أن الحزب الذي رفض نيل المواطنة الكاملة استجداءً، والذي قلب احتفالات السلطة وترويجها بتحسّن وضع "عرب إسرائيل" المعيشي مقابل اللاجئين الفلسطينيين في أيار 58 المجيد، الذي اعتقل أثره 400 رفيق! وقد حكم على جزء كبير منهم بالسجن بضع سنوات؛ الحزب الذي وضع القاموس السياسي للجماهير العربيّة حول "التمييز"، "الاضطهاد القومي واليومي"، العدميّة القوميّة"، "التجهيل"...، أيعقل أنّه يتّهم بـ"الخطاب التحديثي.. وبأنّه ".. يصبّ جلّ اهتمامه في إظهار "رفعة" مستوى الحياة (الماديّة) للسكّان العرب بفضل الاحتلال الصهيوني لفلسطين"!

* الحزب الشيوعي لم يتبنّ قرار الإضراب رسميًا إلا ب 26.03.1976!!!

يكتب الباحث ".. ولكن يتوجّب التنويه إلى أنّ الحزب الشيوعيّ لم يتبنَّ رسميًا قرار الإضراب العامّ حتى يوم 26 آذار" (ص 70) ويؤكد أن كوادر الحزب عملت قبل ذلك لإنجاح الإضراب (ص 70)، ويناقض ذاته في الصفحة (73) حين يكتب "عقدت اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ دورتها الـ24 في 20 آذار 1976، واتخذت فيها قرارًا يدعو "القوى الديمقراطيّة والجماهير العربيّة إلى إنجاح الإضراب العامّ".
ولكنّ الحقيقة غير ذلك وهي أن الحزب الشيوعي قد اتخذ القرار بالإضراب رسميًا ودعا كوادره لإنجاحه، مباشرة بعد المؤتمر الشعبي في مدرسة سخنين الثانويّة يوم 14.2.1976، وذلك قبل أي حزب\ حركة\ لجنة شعبيّة أيًا كانت، وقد أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي الإضراب العام يوم 30 آذار بعد قرار المكتب السياسي للحزب الشيوعي بالإضراب في 30 آذار (جذور من الشجرة دائمة الخضرة، شهادة توفيق طوبي ص 23) كما أنّ قرار لجنة الدفاع عن الأراضي كان بدعم الأعضاء الشيوعيين الذين يشكّلون الأغلبيّة الساحقة من لجنة الدفاع عن الأراضي، والتي كانت في قيادة الحزب الشيوعي كما يشير الباحث بشير (ص 55)


* مصطلح "الأقليّة القوميّة" لم يكن رائجًا قبل يوم الأرض!!!

تجدر الإشارة إلى أنّ أحد الأساليب الالتفافية المتبعة منذ عشرات السنين هو نَسب بعض المواقف البطولية والمميّزة لأشخاص وليس للحزب ذاته، فمثلا يذكر الكتاب أن صليبا خميس استعمل مصطلح "الأقلية القوميّة في إسرائيل" بدلا من المصطلح الرائج "الجماهير العربيّة في إسرائيل" (الهامش رقم 40 ص 87) وأنا أستغرب أن باحثًا جديًا كبشير يكتب هذا الكلام علمًا أن الحزب كرّر آلاف المرّات مصطلح الأقليّة القوميّة على مختلف المنابر، وأذكر منها على سبيل الحصر:طالب الحزب الشيوعي حكومة إسرائيل في سنة 1948 "الاعتراف بالعرب كأقلية قوميّة ومساواتها قوميًا ومدنيًا في جميع مناحي الحياة السياسية والثقافيّة والاقتصاديّة"(النص الحرفي من الاتحاد 2.11.1948) وقد طالب الحزب الشيوعي بالاعتراف بالعرب كأقليّة قوميّة في مؤتمره الأوّل بعد قيام دولة إسرائيل (المؤتمر الـ11 ص 40 سنة 1949) والمؤتمر الـ17 ص 226 (سنة 1972) وغيرها في صفحات كلّ أدبيّات الحزب ومنابره.
لذا فمن الواضح أن نسب المصطلح "غير الرائج!" لصليبا خميس هو غير صحيح وقائعيًا وعلميًا.

* أجسام بديلة لمن؟!


يتحدّث الباحث بشير عن إقامة جسم عربي أقامه عضو الكنيست أمنون لين ليتصدّى للخطاب القومي في سنة 1966 (الهامش رقم 11 في ص 31) مجافيًا الحقيقة وهي أن لين أقام هذا الجسم في مواجهة الشيوعيين تحديدًا، وبعد رجوعي لكتاب أمنون لين "ما قبل العاصفة" يتبيّن أن لين أقام هذا الجسم تصديًا للحزب الشيوعي تحديدًا والذي بدأ يقوى وينشر خطابه الوطني في الشارع العربي بقوّة، هذا الخطاب الذي يسمّيه أمنون لين بالخطاب القومي! (أمنون لين، ما قبل العاصفة، ص 164).
_________________

• يوم الأرض، صنعته جماهير شعبنا بقيادة الحزب الشيوعي


من منطلق النزاهة والأمانة لتاريخنا، وضرورة غرس الاعتزاز بتاريخنا وثقافتنا التقدمية للجيل الشاب، لا سيّما في مواجهة المخططات الصهيونيّة المتعالية علينا وعلى تاريخنا، وضرورة وجود أحداث مؤسّسة ورموز وطنية تشكّل أمثلة قيميّة للجيل الشاب، فمن واجبنا الوطني التصدّي لكل المحاولات التي تعبث، بدون نزاهة أو مهنيّة، بهذا التاريخ الذي اختلط فيه الجهد والعرق بدماء الشهداء ودموع الأهل والشعب ليحفروا في وجدان الناس، إنّ الحزب الشيوعي الذي صنع يوم الأرض بقراراته وبكوادره مباشرة، أو عبر المؤسسات التي بناها (الدفاع عن الأراضي، الثانويون، الجامعيون، المبادرة الدرزية، جبهة الناصرة الديمقراطية..) أو عبر التحشيد بأدبياته، الاتحاد والغد والجديد والمناشير القطرية والمحلية، أو عبر الثورة الأدبية والشعرية والكتابة الثوريّة والرومانسيّة التي تأتي قبل الهبّات الشعبيّة التي وصفها غسّان كنفاني بشعر المقاومة فالتصق الاسم بها، وقد بيّن المفكّر المارتينيكيّ الأصل "فرانس فانون" والمفكّر الهنديّ "بارثا تشاترجي" أهميّة هذه الثقافة والأدب في تعبئة الجماهير للقيام بدورهم النضالي.
أكتب هذا خصوصًا وأن الحزب الوحيد، عمليًا، الذي نشط بمثابرة منذ النكبة وحتى يوم الأرض هو الحزب الشيوعي، وهذا ما يؤكّده الباحث بشير في عدّة مواقع من الكتاب، كما استشهِدُ منه الموقف حول حركة "أبناء البلد" مثلا الذي اعتبرها حركة لم تتحوّل إلى جماهيريّة في يوم من الأيّام (ص48) أو قوله عن أبناء البلد "وبعد يوم الأرض اضطرت قيادة أبناء البلد إلى العمل على بلورة خطّ سياسيّ واضح والخروج بالحركة من طابعها المحلّي إلى حركة قطريّة" (ص 81، التسويد أ.ع) أو قوله: إنّ يوم الأرض دعا إلى تسييس نشاط منظّمات كأبناء البلد (ص 87). كما استشهِدُ بموقف د. عزمي بشارة عن حركة "الأرض" التي نشطت أوائل الستينيات "إنّ حركة الأرض لم تكن حركة جماهيريّة، ووزنها الحقيقي ومستواها التنظيمي والأيديولوجي أدنى بكثير من الأهميّة التي حظيت بها كحالة قضائيّة" (عزمي بشارة، الخطاب السياسي المبتور ص 26) والحقيقة، وبعد دراسة بعض القرائن أرى أن الكاتبين، بشير وبشارة، قد انتقصا بعض الشيء من دور الحركتين، ولكنّ الحقيقة الساطعة تبقى أن الحزب الشيوعي هو الحزب المؤثر الأساسي على مسيرة الجماهير العربيّة بلا منازع.


• العبث في يوم بقامة يوم الأرض


يمكن إيجاز أهميّة يوم الأرض بالنواحي التالية:
• استبدال نفسيّة النكبة بنفسيّة المواجهة والتحدّي والتجذّر.
• التأكيد على طريق وحدة الجماهير العربيّة الكفاحية إلى جانب القوى الديمقراطية. وتأكيد وعي الجماهير بأن النضال هو أشرف وأقصر الطرق لنيل الحقوق،
• توحيد الشعب الفلسطيني، في كافّة أماكن تواجده، حول معلم وطني بارز من إنتاج الجماهير العربيّة داخل إسرائيل، هذه الأقليّة الباقية في وطنها.
• تفنيد المزاعم المعيبة حول صهينة العرب داخل إسرائيل، بعد أن لعب الحزب الشيوعي دورًا مركزيًا عبر كل نضالاته وأبرزها شعر المقاومة في تفنيد هذه المزاعم، جاء يوم الأرض ليؤكد تمسّك هذه الجماهير بثوابتها الوطنيّة.
• تحويل منهجية التصويت بأغلبيّة مطلقة للأحزاب الصهيونيّة إلى أقليّة تتناقص باضطراد.
•  تأسيس الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة التي شملت شرائح عريضة جدًا من شرفاء شعبنا، وثبّتت المواقف الوطنية لأوسع قطاعات شعبنا.
• تصعيد الخطاب الوطني بما يتلاءم مع جهوزيّة الجماهير العربية والقوى الديمقراطية اليهودية، ومع مرحلة ما بعد الحكم العسكري وسياسة التخويف المباشر، وتزايد العدد الكمّي للجماهير العربيّة، بالإضافة لسطوع نجم منظّمة التحرير الفلسطينية وفرض قضيّتها عالميًا وإسرائيليًا.
• تحويل وزن الجماهير العربيّة الكمي إلى نوعيّ أكثر من السابق بخصوص قضاياها، وقضايا الديمقراطية والسلام عامّة.
• وقف مصادرة الأراضي بالجملة كما كان يحدث في الماضي وتقليص نسبة المصادرة.
• هو الحدث الأوّل الذي تتصرّف فيه الجماهير العربيّة بشكلٍ جماعي ومنظّم على هذا المستوى القطري وبهذا شكّلت حدثًا مؤسِّسا وأنتجت رموزًا هامّة لصياغة وعي الأجيال القادمة.

• الطبيعة لا تقبل الفراغ


ثمّة مقولة تؤكد أن صحيفة عمرها يومان أقلّ عصرية وعلائقية من كتاب عمره ألفي سنة! ولذا فمهما كان الردّ واضحًا على هذه الكتب الثلاث إلا أنّ هذا المقال لا يكفي وحده، لتثبيت الحقائق حول يوم الأرض، ولذا فمن واجب حزبنا الشيوعيّ وجبهتنا الديمقراطيّة صون وتثبيت هذا الحدث من أجل التاريخ، ومن أجل المستقبل أكثر.
الجبهة الديمقراطية بادرت وبدأت هذا الأسبوع بأرشفة تاريخ يوم الأرض، عرفانًا منها لكل قيَمه، وهي ابنته الشرعيّة، ومن أجل التصدّي لعبث العابثين والمفسدين في (يوم) الأرض ومن أجل التأكيد على هذا اليوم الذي يهيب بكلّ الأجيال: إنّ طريق النضال هي أشرف وأقصر الطرق لنيل الحقوق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق