الاثنين، 20 يونيو، 2011

معها في شهرها الأخير: روت لوفيتش- الموقف الأممي





الأحد 1/8/2010
لوفيتش، اختارت طريق الكفاح

وقع كتابها "سيرة الصداقة" بين يديّ أثناء ترتيب مكتبة البيت قبل نحو شهرين، هذا الكتاب لم يجذبني يوما حتى لتصفّحه السريع، ربّما لأن غلافه لم يجذبني، وربّما لأنه أوحى إليّ بالدوغمائية، والحقيقة أنني – حتى قبل أسبوع- لم أقرأ كتاب روت لوفيتشالآخر "اخترت طريق الكفاح"، لم أقرأه رغم أنه موجود فوق رفوف المكتبة منذ سنين.
وللمفاجأة، فقد جذبتني مقدمة الكتاب، حتى أنني تأخرت ثلاث ساعات عن مواصلة ترتيب المكتبة. إن أكثر ما أثّر علي كان حديثها عن الانقسام في حركة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي في العام 65، كامتداد طبيعي للانقسام في الحزب الشيوعي نفسه على أثر الموقف من حركة التحرر الوطني العربي وقائدها جمال عبد الناصر.
الموضوع همّني في أكثر من جانب، أحده أني لم أفهم في السابق لماذا لم يشر الحزب الشيوعي بوضوح وجهارة أن هذا هو السبب الرئيس للانقسام! بينما تشير إلى ذلك مختلف الأدبيات وعلى رأسها المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي بقيادة ميكونيس وسنيه، وعندما قرأت كتاب "يئير بويمل" حول "إسرائيل والمواطنون العرب في سنوات الخمسينيات" الذي يعتبر الموقف من عبد الناصر هو السبب الرئيس للانقسام في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، توجّهت إلى أحد الرفاق العريقين مستفسرًا عن تغييب الحزب لمركزية هذا السبب، فأجابني، ثاقبًا، أن المؤسسة كانت تهِمّ بإلغاء قانونية الحزب خاصّة بعد وجود حزب شيوعي بديل (جماعة ميكونس وسنيه). واعتبار الموقف من عبد الناصر السبب الرئيس للانقسام في تلك الفترة الحرجة في منتصف الستينيات له معنى واحد وهو إلغاء قانونية الحزب! إن الخشية من غائلة الإلغاء رافق الحزب – كما تُبيّن لنا لوفيتش في كتابها "اخترت طريق الكفاح"- كلما أقيم حزب شيوعي آخر مثل "الحزب الشيوعي العبري"، والذي أُقيم في العام 1944.  
عن هذا  الموقف من الانقسام كتبت لوفيتش أوضح من غيرها، حيث جاء في الصفحات 122 – 125 من كتاب "سيرة الصداقة" أن لوفيتش تدافع عن عبد الناصر فتشيد بصداقته مع الاتحاد السوفييتي وعدائه لأمريكا وطرده الإنجليز وإلغاء الملكية وتأميمه القناة واتباعه الاشتراكية في مصر ودوره القائد في حركات التحرر العربي والعالمي، وتؤكد في هذه الصفحات موقف الاتحاد السوفييتي الواضح من حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.
قبل نحو  عشرة أيام وقعت في يدي مجلة الدرب (العدد 1 شباط 1990) وقرأت لروت لوفيتش مقالا بعنوان "طريق الشيوعيين في البلاد إلى الأممية الشيوعية" حيث يعالج هذا المقال فترة تاريخية (1919- 1924) عن مؤسسي الحركة الشيوعية في البلاد. وأبرزت لوفيتش الإصرار على تعريب الحزب (بطلب من الكومنترن- حركة العمال العالمية- الأممية الثالثة)  وبداية التطلع إلى وحدة عمالية عربية- يهودية ومعارضة "احتلال الأرض" و"احتلال العمل" وبداية الصراع مع الصهيونية، هذا الخط الذي أوصل الحزب الشيوعي الفلسطيني (بغالبيته اليهودية) إلى التأييد التام للثورة الفلسطينية 1936 ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.
قبل نحو  الشهرين تفحّصت مستندات عن تاريخ  الحزب الشيوعي في "معهد لافون" في "رمات غان"، وقد أثارتني حدّة الموقف الأممي، فصوّرت مستندًا لمنشور وزّعه الحزب الشيوعي الفلسطيني وتتصدره الشعارات التالية: يعيش محمد جمجوم، يعيش فؤاد حجازي، يعيش عطا الزير"! وقد كُتب باللغة العبرية "نُحيّي ثورة الشعب الفلسطيني ضد الامبريالية والصهيونية". يجب أن نتذّكر أن هذا المنشور وُزّع في عقر تل أبيب في العام 1936!
هذه المواقف  جعلتني أعود إلى كتاب لوفيتش "اخترت  حياة الكفاح" منذ بادلتْ وجهات النظر مع الشيوعيين العرب وسط حرش في منتصف الليل خلال العمل السرّي، حتى مشاركة العمال العرب إضرابهم في بنيامينا (أكتوبر 1931) في مواجهة مع الحركة الصهيونية التي تريد "احتلال العمل" وحتى الموقف من ثورة 36 والموقف من حركة التحرّر الوطني بقيادة عبد الناصر في الـ65 وما بينها من امتحانات أممية عسيرة فرضها الاحتراب القومي والتغيّرات العاصفة، والتي اجتازتها لوفيتش بأممية صميمية، تجعلك تنبهر من شخصيتها.
"اخترت  طريق الكفاح" يجعلك تبتسم من بعض المغامرات التي تعكس شخصية لوفيتش المثيرة، فعندما مُنع الحزب من خوض انتخابات مؤتمر العمال في العام 1932، قرّرت  لوفيتش ابنة الخمسة وعشرين ربيعًا الذهاب إلى بن غوريون في بيته في تمام الساعة السابعة صباحًا! وعندما أخبرتها زوجته باولا بأنه نائم، انسلّت إلى داخل البيت وهي تتمتم كلمات وأعذارا حتى وجدت نفسها فوق بن غوريون النائم وقد ظهر من خارج الغطاء رأسه الكبير بشكل لافت وشعره المبعثر، وعندما أيقظته وشرحت له موقفها سريعًا استجاب على الفور وكتب لريمز (السكرتير العام للهستدروت) عن ضرورة عقد جلسة استثنائية لمؤتمر العمال قبل الظهر! وعندما خرجت من بيته شعرت بسعادة بالغة لانتصارها السهل رغم جنونية فكرة زيارة بن غوريون مباشرة. وفي الساعة الحادية عشر ظهرًا دخل بن غوريون مؤتمر العمال وقال بثقة: "إذا شككتُ في السابق أن هذا التنظيمَ شيوعيٌ، فإن هذه الفتاة الإرهابية السوداء التي دخلت غرفة نومي في الصباح أكدت لي ذلك بما لا يقبل الشكّ". واُتخذ القرار بشطب الحزب نهائيا!! (ص 80 – 82).
لا أُبالغ إذا قلت إن الشهر الأخير، كان  بالنسبة لي شهر قراءة أدبياتها بامتياز.
* * *
يوم  الأحد تحدّثت هاتفيا مع تمار غوجانسكي ودوف حنين وابلغتهما عن رغبتي الشديدة بلقاء لوفيتش، فقالا لي إنها في حالة صحية صعبة، فألححت عليهما أن يحاولا..
 يوم  الثلاثاء اتصلت بي تمار غوجانسكي قائلة: هل كان عليك انتظار آخر يومين من عمرها الذي تجاوز الـ104 عاما، روت لوفيتش توفيت!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق